نهض رسول الله -ﷺ- بأعباء الدعوة، وصدع بها منذ أن أمره الله تعالى بذلك، حيث قال:
﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الحجر: ٩٤] .
واستمر نزول الوحي عليه -ﷺ- في مكة المكرمة ثلاثة عشر عاما، لم يعرف لها التاريخ مثيلا في التجرد والإخلاص، والصبر والجهاد والمجاهدة، والتربية الإيمانية العميقة، فنشأت القاعدة الصلبة التي رباها النبي -ﷺ- على عينه، يقود خطاها الوحي الإلهي في كل لحظة من اللحظات، ويأخذ بيدها لتكون على الجادة من الطريق الطويل، ثم انتقل بها إلى حيث تجد التطبيق العملي لمبادئ الإسلام كاملة في المدينة، بعد أن أراد الله لهم الخير، فساقهم ليبايعوا النبي -ﷺ- بيعة العقبة، التي كانت حجر الأساس في بناء الدولة الإسلامية، التي عمل لها النبي -ﷺ- بوحي من ربه ﵎.
حتى إذا ما أكمل ﷺ البناء، وأتم البلاغ والتحق بالرفيق الأعلى كان لهذه القاعدة ولهذه الأمة شأن أي شأن في تاريخ البشرية كله.
كل هذا، والصحابة -رضوان الله عليهم- يتلقون من النبي -ﷺ- أحكام هذا الدين وتعاليمه وآدابه، فيما يتعلق بالإيمان ومعرفة الله سبحانه وما ينبغي له من الطاعة، وفي كيفية العبادة وأداء الشعائر، وفي شتى أنواع المعاملات في مناحي الحياة الفردية والاجتماعية، وفي الأخلاق والآداب والسلوك، ثم في علاقة الأمة بغيرها من الأمم والديانات الأخرى دون أن يكون هناك تفكير في تقسيم هذه
[ ٢٧ ]
الأحكام أو تصنيفها وتبويبها ليكون هذا عقيدة وذاك عبادة، والثالث اقتصادا أو سياسة إلى غير ذلك من هذه التقسيمات الحادثة التي اقتضتها ضرورة البحث والتأليف، ودون أن يكون هناك تفريق بينها في الالتزام والعمل بمقتضاها، فهي كلها أحكام منزلة من الله، ينبغي عليهم أن يتلقوها بالتسليم، وأن يسارعوا إلى الامتثال لها ليحققوا بذلك مقتضى إيمانهم بالله واستسلامهم لشرعه ودينه، وليدخلوا في الدين كافة.
ولذلك نجد الإسلام والإيمان والإحسان في سياق واحد، يعبِّر عن الدين كله، كما في حديث عمر بن الخطاب -﵁- قال:
بينما نحن عند رسول الله -ﷺ- ذات يوم، إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يُرَى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد، فأقبل حتى جلس إلى النبي -ﷺ- فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه، وقال: يا محمد أخبرني عن الإسلام؟ فقال رسول الله ﷺ:
$"الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا" فقال: صدقت. قال: فعجبنا له، يسأله ويصدّقه!
قال: فأخبرني عن الإيمان؟ قال: "أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره" قال: صدقت.
قال: فأخبرني عن الإحسان؟ قال: "أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك".
قال: فأخبرني عن الساعة. قال: "ما المسئول عنها بأعلم من السائل".
[ ٢٨ ]
قال: فأخبرني عن أماراتها. قال: "أن تلد الأمة ربتها، وأن ترى الحفاة العراة، العالة، رعاء الشاء يتطاولون في البنيان".
قال: ثم انطلق فلبث مليا. ثم قال لي: "يا عمر، أتدري من السائل؟ " قلت: الله ورسوله أعلم. قال: "فإنه جبريل، أتاكم يعلمكم دينكم" ١.
فقد جعل النبي -ﷺ- في هذا الحديث الإسلام اسما لما ظهر من الأعمال، وجعل الإيمان اسما لما بطن من الاعتقاد، وليس ذلك لأن الأعمال ليست من الإيمان، أو التصديق بالقلب ليس من الإسلام، بل ذلك تفصيل لجملة هي كلها شيء واحد وجماعها الدين؛ ولذلك قال: "فإنه جبريل، أتاكم يعلمكم دينكم" ٢.
وقد كان النبي -ﷺ- يدعو الناس لهذا الدين بجملته؛ لأنه "لا يقوم بدين الله إلا من حاطه من جميع جوانبه"٣.
فقد جاء وفد ثقيف إلى النبي -ﷺ- ومكثوا أياما يغدون على النبي ﷺ، وهو يدعوهم إلى الإسلام فقال له عبد ياليل: هل أنت مقاضينا حتى نرجع إلى قومنا؟
فقال: "إن أنتم أقررتم بالإسلام أقاضيكم، وإلا فلا قضية ولا صلح بيني وبينكم".
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري: ١/ ١١٤، ومسلم: ١/ ٣٧، ٣٨، واللفظ له. ٢ "شرح السنة" للبغوي: ١/ ١١. ٣ نص جواب الرسول -ﷺ- لجماعة من شيبان، بعد أن عرض عليهم الإسلام وسمع منهم مقالتهم، في قصة طويلة أخرجها الحاكم وأبو نعيم في "الدلائل": ١/ ٩٩، والبيهقي في "الدلائل" أيضا: ٢/ ٤٢٦، وذكرها ابن كثير في "البداية والنهاية" "٣/ ١٤٣-١٤٥" وقال: هذا حديث غريب جدا، وقد ورد من طرق وحسّنه القسطلاني. وانظر: "الروض الأنف" للسهيلي: ١/ ٢٦٥.
[ ٢٩ ]
فقال عبد ياليل: أفرأيت الزنا؟ فإنا قوم نغترب ولا بد لنا منه؟
قال: "هو عليكم حرام؛ فإن الله تعالى يقول:
﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٣٢] ".
قال: أفرأيت الربا؟
قال: "هو عليكم حرام".
قالوا: فإن أموالنا كلها ربا؟
قال: "لكم رءوس أموالكم؛ إن الله تعالى يقول:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٧٨] ".
قالوا: أفرأيت الخمر؟ فإنها عصير أعنابنا، ولا بد لنا منها؟
قال: "إن الله قد حرمها" وقرأ:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ ١ [المائدة: ٩٠] .
وبعد إسلامهم سألوا النبي -ﷺ- أن يَدَع لهم الطاغية -وهي اللات- لا يهدمها، ثلاث سنين. فأبى رسول الله -ﷺ- أن يدعها لهم شيئا مسمى. وإنما كانوا يريدون بذلك -فيما يظهرون- أن يَسْلموا -بتركها- من سفهائهم ونسائهم وذراريهم، ويكرهون أن يروعوا قومهم بهدمها حتى يدخلهم الإسلام. وما زالوا يسألونه أن يتركها لهم سنة سنة، ويأبى عليهم، حتى سألوا شهرا واحدا، بعد مقدمهم، فأبى عليهم أن يدعها شيئا مسمى، فسألوه أن يعفيهم من هدمها بأيديهم، فأعطاهم ذلك.
وقد كانوا سألوه -مع ترك الطاغية- أن يعفيهم من الصلاة، فقال رسول الله ﷺ: "إنه لا خير في دين لا صلاة فيه" ١.
_________________
(١) ١ انظر: "زاد المعاد" لابن القيم: ٣/ ٥٩٦ بتحقيق الأرناءوط "إمتاع الأسماع" للمقريزي: ١/ ٤٩٢.
[ ٣٠ ]