وفي الشرع تطلق على معانٍ:
١- منها: الشريعة، وبهذا المعنى جاء قولهم: الأوْلى بالإمامة الأعلم بالسنة، أي: بأحكام الشرع.
٢- ومنها: الطريقة المسلوكة في الدين، فتنتظم المستحب والمباح، بل الواجب والفرض أيضا.
٣- وعرفا -عند الفقهاء- تقيد بأنها الطريقة المسلوكة في الدين من غير افتراض ولا وجوب. والمراد بـ "الطريقة المسلوكة في الدين": ما سلكها رسول الله -ﷺ- وغيره ممن هم عَلَم في الدين، كأصحابه -﵃- لقوله ﵊:
"عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي، فتمسكوا بها وعضّوا عليها بالنواجذ" ١.
_________________
(١) ١ أخرجه أبو داود في السنة: ٧/ ١١، ١٢، والترمذي في العلم: ٧/ ٤٣٨-٤٤١، وقال: هذا "حديث حسن صحيح"، وابن ماجه في المقدمة: ١/ ١٦، والدارمي: ١/ ٤٤، ٤٥، وصححه الحاكم في "المستدرك": ١/ ٩٥، ووافقه الذهبي، وصححه ابن حبان ص٥٦ من "موارد الظمآن"، ورواه ابن أبي عاصم في "السنة": ١/ ١٧، ١٨، والإمام أحمد في "المسند": ٤/ ١٢٦، ١٢٧، واللالكائي في "شرح أصول الاعتقاد": ١/ ٨٥، وابن بطة في "الإبانة" ١/ ٣٠٥-٣٠٧، والبغوي في "شرح السنة": ١/ ٢٠٥، وفي "التفسير": ٣/ ٢٠٩، والآجري في "الشريعة" ص٤٦، ٤٧. وانظر: "جامع العلوم والحكم" لابن رجب ص٢٤٣، ٢٤٤.
[ ٩١ ]
ولذلك يطلق لفظ السنة أيضا على ما عمل عليه الصحابة -سواء عثرنا عليه، أو لم نعثر عليه فيها- لكونه اتباعا لسنة ثبتت عندهم.
٤- وتطلق السنة عند علماء أصول الفقه: على ما صدر عن النبي -ﷺ- من قول أو فعل أو تقرير.
فهي هنا مصدر من مصادر التشريع كالقرآن الكريم.
٥- وعلماء الحديث يريدون بالسنة: ما نقل عن النبي -ﷺ- من قول أو فعل أو تقرير أو صفة خَلْقية أو خُلُقيه أو سيرة مطلقا. وهي بهذا مرادفة لمعنى الحديث.
٦- كما تطلق السنة أيضا على ما يقابل البدعة، كقولهم: طلاق السنة كذا، وطلاق البدعة كذا، وفلان على سنة، أي: موافق للتنزيل والأثر في الفعل والقول، وفلان على بدعة: إذا عمل على خلاف ذلك.
وهاتان الكلمتان "السنة والبدعة" تستعملان دائما كلمتين متضادتين -كما رأيت- لأن السنة هي الطريق الذي كان عليه الرسول -ﷺ- وأصحابه -رضوان الله عليهم-
والبدعة هي ترك ذلك الطريق والانحراف عنه، وسلوك طريق آخر مخترع. فلهذا كانت السنة هداية، والبدعة ضلالة١.
_________________
(١) ١ راجع في معاني وإطلاقات السنة: "الكليات" للكفوي: ٣/ ٩-١٢، "كشاف اصطلاحات الفنون" للتهانوي: ٤/ ٥٣-٥٧، "مجموع الفتاوى": ١٨/ ١٩١، ١٩٢، "الحجة في بيان المحجة" للأصبهاني: ٢/ ٣٨٤، ٣٨٥، "الموافقات" للشاطبي: ٤/ ٣-٧، "السنة ومكانتها في التشريع" للدكتور مصطفى السباعي ص٤٧-٤٩، "حجية السنة" لأستاذنا الشيخ عبد الغني عبد الخالق ﵀، ص٤٥ وما بعدها، "السنة قبل التدوين" د. عجاج الخطيب ص١٥-٢٠، "تحفة الأخيار بإحياء سنة سيد الأبرار" للكنوي ص٦٨-٨٦.
[ ٩٢ ]
ومما تجدر الإشارة إليه هنا: أن السنة تقتضي المواظبة، وهي أعم من الحديث؛ لأنها تتناول الفعل والقول والتقرير، والحديث لا يتناول إلا القول، فكان هذا فارق ما بينهما١.
ومن هذه الإطلاقات لكلمة "السنة" يظهر أنها تطلق بمعنى شرعي عام يشمل ما كان عليه الرسول -ﷺ- وخلفاؤه الراشدون، من الاعتقادات والأعمال والأقوال، وهذه هي السنة الكاملة. ولهذا كان السلف قديما لا يطلقون السنة إلا على ما يشمل ذلك كله٢.
السنة بمعنى الاعتقاد:
ثم إن كثيرا من العلماء المتأخرين يخص اسم السنة بما يتعلق بالاعتقاد فحسب؛
_________________
(١) ١ انظر: "الكليات" ٣/ ١٠، "تحقيق معنى السنة وبيان الحاجة إليها" للسيد سليمان الندوي ص٢٠-٢٢، "بصائر ذوي التمييز" للفيروزآبادي: ٣/ ٢٦٧. ٢ ومما ينبغي التنبه إليه ههنا أمران اثنان: أولهما: أن بعض الناس يقصرون التأسي بالنبي -ﷺ- على جانب واحد، وهو الجانب المظهري، ويغفلون سائر الجوانب الأخرى، فيقولون: "فلان سنيّ"؛ لأنه أطلق لحيته مثلا أو قصّر ثوبه -مع أننا لا نقلل من أهمية هذا الجانب أبدا، فإن هناك ارتباطا بين المظهر أو الشكل والمضمون- وينسون الجوانب الأخرى، وهي على غاية من الأهمية كالعقيدة السليمة والعلم الشرعي والأخلاق والسلوك إلخ. ثانيهما: أن بعضهم قد يتساهل بالمشروعات مما هو في مرتبة السنة -بالمعنى الفقهي- بحجة أنها سنة يثاب فاعلها ولا يعاقب تاركها. هكذا بإطلاق، مع أن العلماء قد نصوا -بناء على الأحاديث الكثيرة التي تحض على المتابعة والتمسك بالسنة- على أن من يعتاد على ترك السنة يعاقب، وأنه مسيء وآثم، وكان الصحابة يحرصون عليها حرصهم على الفرائض، وقد نقل اللكنوي -﵀- نصوصا كثيرة في هذا في كتابه "تحفة الأخيار" ص٨٧-٩٢. وأما تفرقة الفقهاء بين الفرض والسنة، فإنما هي في آحادها لا في تركها جملة. انظر: "كشاف اصطلاحات الفنون": ٤/ ٥٤، "المختار من كنوز السنة" ص٣٣٢.
[ ٩٣ ]
لأنها أصل الدين والمخالف فيها على خطر عظيم١.
وعلى هذا المعنى الخاص جاء استعمال علماء السلف لكلمة "السنة" عنوانا على جانب العقيدة وأصول الدين فيما كتبوه بيانا للعقيدة الإسلامية ابتداء أو ردا على الفرق المخالفة؛ ليميزوا بين عقيدة أهل السنة وعقيدة أهل البدعة٢، وهو ما نرمي إليه في هذه الفقرة من البحث.
وقد شرح ابن أبي عاصم -﵀- هذا المعنى للسنة، وذكر أهم مباحثها فقال:
"السنة: اسم جامع لمعانٍ كثيرة في الأحكام وغير ذلك. ومما اتفق أهل العلم على أن نسبوه إلى السنة: القول بإثبات القدر، وأن الاستطاعة مع الفعل للفعل، والإيمان بالقدر خيره وشره حلوه ومره، وكل طاعة من مطيع فبتوفيق الله له، وكل معصية من عاصٍ فبخذلان الله السابق منه وله، والسعيد من سبقت له السعادة، والشقي من سبقت له الشقاوة، والأشياء غير خارجة من مشيئة الله وإرادته، وأفعال العباد من الخير والشر فعل لهم خلق لخالقهم، والقرآن كلام الله ﵎، تكلم الله به، ليس بمخلوق، ومن قال: مخلوق -ممن قامت عليه الحجة- فكافر بالله العظيم، ومن قال من قبل أن تقوم عليه الحجة فلا شيء عليه، والإيمان قول وعمل يزيد وينقص، وإثبات رؤية الله ﷿، يراه أولياؤه في الآخرة عيانا، كما جاءت الأخبار.
وأبو بكر الصديق أفضل أصحاب رسول الله -ﷺ- بعده، وهو الخليفة خلافة
_________________
(١) ١ "جامع العلوم والحكم" ص٢٤٩. وانظر أيضا: "الوصية الكبرى" لابن تيمية ص٦٠ بتحقيقنا، "كشف الأسرار على أصول البزدوي" ١/ ٨، "دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين": ١/ ٤١٥. ٢ انظر: "مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية": ١٩/ ٣٠٧.
[ ٩٤ ]
النبوة، بُويع يوم بُويع وهو أفضلهم وهو أحقهم بها، ثم عمر بن الخطاب بعده على مثل ذلك، ثم عثمان بن عفان بعده على مثل ذلك، ثم علي بعدهم على مثل ذلك رحمة الله عليهم جميعا
ومما قد ينسب إلى السنة -وذلك عندي إيمان- نحو: عذاب القبر، ومنكر ونكير، والشفاعة، والحوض، والميزان، وحب أصحاب رسول الله -ﷺ- ومعرفة فضائلهم وترك سبهم والطعن عليهم، وولايتهم والصلاة على من مات من أهل التوحيد، والترحم على من أصاب ذنبا والرجاء للمذنبين، وترك الوعيد ورد العباد إلى مشيئة الله، والخروج من النار، يخرج الله من يشاء منها برحمته، والصلاة خلف كل أمير جائر، والصلاة في جماعة، والغزو مع كل أمير، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتعاون"١.
_________________
(١) ١ "كتاب السنة" لابن أبي عاصم: ٢/ ٦٤٥-٦٤٧. وانظر ما نقله الملطي في "التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع" ص١٥-١٧ عن محمد بن عكاشة في "بيان أصول السنة" مما اجتمع عليه الفقهاء والعلماء.
[ ٩٥ ]
اصطلاح السنة:
"وقد ساد هذا الاصطلاح في القرن الثالث الهجري في عصر الإمام أحمد بن حنبل حين ظهرت الفرق وراجت عقائد المعتزلة والرافضة والصوفية وأهل الكلام. فأخذ أئمة الإسلام -حينذاك- يطلقون على أصول الدين ومسائل العقيدة: "السنة"؛ تمييزا لها عن مقولات الفرق..
وهذا -أي: وصف العقيدة وأصول الدين بـ "السنة"- وإن كان معروفا في عصر الصحابة إلا أنه لم يكن مشهورا، إنما يدل عليه مثل قول عمر: "من ترك السنة كفر" فإن التكفير من الصحابة لا يكون إلا في أمر عظيم كأصول الدين وأمور الاعتقاد، كما يدل عليه قول علي ﵁: "الهوى عند من خالف السنة حق، وإن ضربت فيه عنقه" فإن مثل هذا الحكم إنما يتأتى في أصحاب العقائد والأهواء والفرق الضالة"١.
يقول الشيخ ابن تيمية ﵀:
وقد جمع طوائف من العلماء الأحاديث والآثار المروية في أبواب عقائد أهل السنة، مثل حماد بن سلمة "ت ١٦٧هـ"، وعبد الرحمن بن مهدي "١٩٨هـ"، وعبد الله بن عبد الرحمن الدارمي "٢٥٥هـ"، وعثمان بن سعيد الدارمي "٢٨٠هـ"، وغيرهم في طبقتهم.
ومثلها ما بوّب عليه البخاري "٢٥٦هـ"، وأبو داود "٢٧٥هـ"، والنسائي "٣٠٣هـ"، وابن ماجه "٢٧٠هـ" وغيرهم في كتبهم، ومثل مصنفات أبي بكر الأثرم "٢٦١هـ"، وعبد الله بن أحمد "٢٩٠هـ" وأبي بكر الخلال "٣١٠هـ"، وأبي القاسم الطبراني "٣٦٠هـ"، وأبي الشيخ الأصفهاني "٣٦٩هـ".. ثم ذكر سائر أهل العلم الذين صنفوا في السنة مما سنذكره٢.
_________________
(١) ١ "مفهوم أهل السنة والجماعة" للدكتور ناصر العقل ص٤٢، ٤٣، راجع ايضا: "الإبانة عن شريعة الفرقة الناجية" لابن بطة: ١/ ٣٣٨، ٣٥٩، ٣٦٢. ٢ انظر: "الوصية الكبرى" لشيخ الإسلام ابن تيمية ص٦٠-٦٣. وفيه تراجم العلماء الذين ذكرهم جميعا.
[ ٩٦ ]
مؤلفات في الاعتقاد تحت اسم السنة:
وأما المصنفات في الاعتقاد تحت اسم "السنة" فهذا ما سنذكره فيما يلي مرتبا حسب تاريخ وفاة المؤلف:
١- "السنة" لابن أبي شيبة، أبي بكر، عبد الله بن محمد بن إبراهيم بن عثمان العبسي "٢٣٥ههـ" وبعضهم يجعل وفاته سنة "٢٢٥هـ".
٢- "كتاب السنة" للإمام أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني، إمام أهل السنة والجماعة "٢٤١هـ".
٣- "كتاب السنة" للأثرم، أبي بكر، أحمد بن محمد بن هانئ البغدادي، تلميذ الإمام أحمد "٢٧٣هـ".
٤- "السنة" لأبي علي، حنبل بن إسحاق بن حنبل بن هلال، تلميذ الإمام أحمد بن حنبل "٢٧٣هـ".
٥- "السنة" لأبي داود، سليمان بن الأشعث السجستاني، صاحب "السنن" "٢٧٥هـ".
٦- "كتاب السنة" لابن أبي عاصم، وهو الحافظ أبو بكر عمرو بن حزم بن أبي عاصم، الضحاك بن مخلد الشيباني "٢٨٧هـ".
٧- "كتاب السنة" لأبي عبد الرحمن عبد الله ابن الإمام أحمد بن حنبل "٢٩٠هـ".
٨- "كتاب السنة" لأبي بكر أحمد بن علي بن سعيد المروزي "٢٩٢هـ".
٩- "كتاب السنة" لأبي بكر أحمد بن محمد بن هارون الخلال "٣١١هـ".
١٠- "بيان السنة والجماعة" المعروف بعقيدة الطحاوي، للإمام أبي جعفر، أحمد بن محمد بن سلامة الطحاوي "٣٢١هـ".
١١- "كتاب السنة" للعسال، أبي أحمد، محمد بن أحمد بن إبراهيم الأصفهاني العسال "٣٤٩هـ".
[ ٩٧ ]
١٢- "السنة" لأبي القاسم، سليمان بن أحمد بن أيوب اللَّخْمي الطبراني "٣٦٠هـ".
١٣- "كتاب السنة" لأبي الشيخ الأصبهاني الحَيَّاني "٣٦٩هـ".
١٤- "كتاب السنة" لأبي جعفر، عمر بن أحمد بن عثمان البغدادي، المعروف بابن شاهين "٣٨٥هـ".
١٥- "كتاب السنة" لمحمد بن نصر المروزي "٣٩٤هـ".
١٦- "السنة" لأبي عبد الله، محمد بن إسحاق بن محمد بن يحيى بن منده العبدي الأصبهاني "٣٩٥ أو ٣٩٦هـ".
١٧- "كتاب السنن" أو "شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة" لأبي القاسم هبة الله بن حسن الرازي اللالكائي "٤١٨هـ".
١٨- "كتاب السنة" لأبي ذر، عبد بن أحمد بن محمد بن عبد الله الأنصاري الهروي "٤٣٤هـ"١.
١٩- "الرسالة في السنة" لأبي عثمان الصابوني "٤٤٩هـ"، سماها بذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في "نقض التأسيس": "١/ ٥٢٩".
وهذه المصنفات أُلِّفت للحض على اتباع السنة والعمل بها وترك ما حدث بعد
_________________
(١) ١ استفدت في هذه النبذة من كتب الفهارس ومقدمات الكتب المطبوعة المحققة. وانظر: مقدمة الدكتور علي سامي النشار لكتاب "عقائد السلف" ص٥-٧، "مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية" ٥/ ٢٤، ٢٥، "الوصية الكبرى" له أيضا ص٦٠-٦٣ بتحقيقي، "نموذج من الأعمال الخيرية" ص٢٥٨-٢٦٠، "كشف الظنون": ٢/ ١٤٢٥، ١٤٢٦.
[ ٩٨ ]
الصدر الأول من البدع والضلالة والأهواء١.
ولو أخذنا بعض ما وصلنا من هذه المؤلفات في "السنة" -ولنمثل بثلاثة منها، للإمام أحمد بن حنبل، ولابنه عبد الله، وابن أبي عاصم، وكلها مطبوعة- لوجدنا قاسما مشتركا في المسائل والأبحاث التي تشكل الركيزة فيها وقد ينفرد كتاب منها ببعض المسائل دون الآخرى، أو يتوسع فيها ببسط الأدلة من الأحاديث والآثار، بينما يختصر الآخرون أو يذكرون المسائل دون الأدلة. وفي بعضها قد نجد جملة من المسائل التي لا يرقى البحث فيها إلى درجة مسائل الاعتقاد.
منهج المصنفين في السنة:
والمنهج الذي سلكه المصنفون في السنة يكاد يكون منهجا متشابها، يتلخص في أنه يترجم للباب، ثم يسوق جملة من الأحاديث والآثار التي تتناسب مع العنوان٢. وقد يروي هذه الأحاديث من طرق متعددة، وقد يتكلم بعضهم على الروايات وينقدها، وغالبا ما نجد العناوين وفيها إشارة إلى الرد على
_________________
(١) ١ "نموذج من الأعمال الخيرية"، لمحمد منير الدمشقي ص٢٥٩. ويقول الحافظ قوّام السنة الأصفهاني في كتابه "الحجة في بيان المحجة" "١/ ٨٤، ٨٥": "وحين رأيت قوام الإسلام بالتمسك بالسنة، ورأيت البدعة قد كثرت، والوقيعة في أهل السنة قد فشت، ورأيت اتباع السنة عند قوم نقيصة، والخوض في الكلام درجة رفيعة، رأيت أن أملي كتابا في السنة، يعتمد عليه من قصد الاتباع وجانب الابتداع، وأبين فيه اعتقاد أئمة السلف وأهل السنة في الأمصار، والراسخين في العلم في الأقطار ليلزم المرء باتباع الأئمة الماضين، ويجانب طريقة المبتدعين، ويكون من صالحي الخلف لصالحي السلف". ٢ تقدمت الإشارة إلى جملة الأبواب والمسائل التي بحثت في هذه الكتب، فيها نقلناه عن ابن أبي عاصم ص٩٦، ٩٧.
[ ٩٩ ]
الفرق المخالفة، بل نجد ذلك صراحة أيضا. وأثناء الرد والمناقشة تتضح الفكرة التي عقد المصنف الباب من أجلها.
ولم يكن -فيما يبدو- من منهجهم أن يتحروا جمع الأحاديث الصحيحة في المسألة، وإنما يجمعون الروايات التي وصلت إليهم في المسألة؛ ولهذا وقع في بعض هذه المصنفات، أو في كثير منها، بعض الأحاديث الضعيفة.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية، ﵀:
وقد يروي كثير من الناس في الصفات وسائر أبواب الاعتقادات وعامة أبواب الدين، أحاديث كثيرة، تكون مكذوبة موضوعة على رسول الله -ﷺ- وهي قسمان:
منها: ما يكون كلاما باطلا لا يجوز أن يقال، فضلا عن أن يضاف إلى النبي ﷺ.
والقسم الثاني من الكلام: ما يكون قد قاله بعض السلف أو بعض الناس، ويكون حقا أو مما يسوغ فيه الاجتهاد، أو مذهبا لقائله، فيعزى إلى النبي ﷺ، وهذا كثير عند من لا يعرف الحديث، مثل المسائل التي وضعها الشيخ أبو الفرج، عبد الواحد بن محمد بن علي الأنصاري "٤٨٦هـ"، وجعلها محنة يفرق فيها بين السني والبدعي. وهي مسائل معروفة عملها بعض الكذابين وجعل لها إسنادا إلى النبي -ﷺ- وجعلها من كلامه. وهذا يعلم من له أدنى معرفة أنه مكذوب مفترى.
وهذه المسائل، وإن كان غالبها موافقا لأصول السنة، ففيها ما إذا خالفه الإنسان لم يحكم بأنه مبتدع، مثل: أول نعمة أنعمها الله على عبده. فإن هذه المسألة فيها نزاع بين أهل السنة. والنزاع فيها لفظي؛ لأن مبناها على أن اللذة التي يعقبها ألم؛ هل تسمى نعمة أم لا؟ وفيها أيضا أشياء مرجوحة.
[ ١٠٠ ]
فالواجب أن يفرق بين الحديث الصحيح والحديث الكذب؛ فإن السنة هي الحق دون الباطل، وهي الأحاديث الصحيحة دون الموضوعة. فهذا أصل عظيم لأهل الإسلام، ولمن يدعي السنة خصوصا١.
_________________
(١) ١ "الوصية الكبرى" لشيخ الإسلام ابن تيمية ص٦٣، ٦٤ بتحقيقي.
[ ١٠١ ]