وإذا كان القرآن الكريم هو مصدر الدين، عقيدة وشريعة، فإن السنة النبوية مثل القرآن في ذلك؛ لأنها وحي من الله تعالى، فقد وصف -سبحانه- ما يصدر عن نبيه -ﷺ- بأنه وحي، فقال:
﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣، ٤] .
وعن حسان بن عطية، قال: "كان جبريل -﵇- ينزل على النبي -ﷺ- بالسنة، فيعلِّمه إياها كما يعلمه القرآن"١.
وأخرج البيهقي في "المدخل" عن طاوس: "أن عنده كتابا من العقول "الديات"، وما فرض رسول الله -ﷺ- من صدقة وعقول، فإنما نزل به الوحي"٢.
فجعل ما فرضه رسول الله، مما نزل به الوحي، مع أنه لم ينزل بلفظه في القرآن الكريم الذي هو وحي متلوّ.
_________________
(١) ١ أخرجه الدارمي: ١/ ١٤٥، واللالكائي في "أصول الاعتقاد": ١/ ٨٤، وابن بطة في "الإبانة": ١/ ٢٥٥، وابن عبد البر في "جامع بيان العلم" ص٥٦٣، والخطيب في "الفقيه والمتفقه": ١/ ٩٩. وقال الحافظ ابن حجر في "الفتح" ١٣/ ٢٩١: "أخرجه البيهقي بسند صحيح". ٢ انظر: "حجية السنة" ص٣٣٧، وراجع كتاب "الإيمان" لابن تيمية ص٣٧.
[ ١٦٣ ]
وذلك أن الوحي نوعان: أحدهما: وحي متلوّ، وهو القرآن المنزل على محمد رسول الله -ﷺ- بلفظه ومعناه، وهو المتعبَّد بتلاوته.
والثاني: وحي غير متلوّ، وهو المرويّ عن النبي -ﷺ- المبيِّن عن الله عز وجل١.
فقد قلَّد الله تعالى نبيه -ﷺ- أمانة التبليغ والبيان، فقال:
﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٤٤] .
﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [النحل: ٦٤] .
ومما يدل على أن السنة بمثابة القرآن في هذا: أن الله تعالى امتنّ على المؤمنين ببعثة محمد ﷺ؛ ليعلم الناس الكتاب والحكمة فقال:
﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [آل عمران: ١٦٤] .
وقال تعالى، مخاطبا أمهات المؤمنين:
﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ [الأحزاب: ٣٤] .
فقال غير واحد من السلف: الحكمة هي السنة؛ لأن الذي كان يتلى في بيوت أزواج النبي ﷺ، ورضي عنهن، سوى القرآن هو سنته؛ ولذلك قال: "ألا إني
_________________
(١) ١ انظر: "الإحكام في أصول الأحكام" لابن حزم: ١/ ٨٧-٩٣، "حجية السنة" ص٣٣٤-٣٤١.
[ ١٦٤ ]
أوتيت الكتاب ومثله معه" ١.
وقال الإمام الشافعي -﵀- بعد أن ساق الآيات الكريمة التي يأمر الله تعالى فيها باتباع الكتاب والحكمة، ويمتن بهما علينا، قال:
"ذكر الله تعالى الكتاب، وهو القرآن، وذكر الحكمة، فسمعت من أرضى من أهل العلم بالقرآن يقول: الحكمة سنة رسول الله. وهذا يشبه ما قال، والله أعلم؛ لأن القرآن ذُكِر وأُتبعته الحكمة، فلم يجز -والله أعلم- أن يقال: الحكمة ههنا إلا سنة رسول الله ﷺ؛ وذلك أنها مقرونة مع كتاب الله، وأن الله افترض طاعة رسوله، وحتّم على الناس اتباع أمره، فلا يجوز أن يقال لقول: فَرْضٌ، إلا لكتاب الله ثم سنة رسوله؛ لما وصفنا من أن الله جعل الإيمان برسوله مقرونا بالإيمان به، وسنة رسوله مبينة عن الله معنى ما أراد "٢.
وقد بين الرسول -ﷺ- أصول الدين والعقيدة أحسن بيان، ودل الناس وهداهم إلى الأدلة العقلية والبراهين اليقينية التي بها يعلمون المطالب الإلهية، وبها يعلمون إثبات ربوبية الله، ووحدانيته وصفاته، وغير ذلك مما يحتاج إلى معرفته بالأدلة العقلية. بل وما يمكن بيانه بالأدلة العقلية -وإن كان لا يُحتاج إليها، فإن كثيرا من الأمور يعرف بالخبر الصادق- ومع هذا، فإن الرسول بيّن الأدلة العقلية الدالة عليها، فجمع بين الطريقين: السمعي "الشرعي"، والعقلي٣.
_________________
(١) ١ أخرجه أبو داود: ٧/ ٧، ٨، والترمذي: ٧/ ٤٢٦، وابن ماجه: ١/ ٦، والإمام أحمد في "المسند": ٤/ ٣١٣، والخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه": ١/ ٨٩. وصححه الألباني في "المشكاة" برقم "١٦٣. ٢ "الرسالة"، للإمام الشافعي ص٧٨، ٧٩، وانظر: "أحكام القرآن للشافعي" جمعه البيهقي: ١/ ٢٨-٣٩. ٣ "مجموع فتاوى شيخ الإسلام": ١٩/ ١٥٩، ١٦٠، وانظر: "أحكام القرآن" للجصاص ١/ ٣٥، ٣٦، "مدارج السالكين" لابن القيم ٣/ ٤٩٢.
[ ١٦٥ ]
وبذلك يتبين أن النبي -ﷺ- قد نص على كل ما يعصم الأمة من المهالك نصا قاطعا للعذر، ولا يمكن أن يبين للناس أمور حياتهم وما يحتاجونه في الشريعة، ثم يترك الجانب الرئيسي وهو العقيدة.
قال أبو ذر ﵁: "لقد توفي رسول الله، وما من طائر يقلب جناحيه في السماء إلا ذكر لنا منه علما"١.
وقيل لسلمان الفارسي ﵁: قد علمكم نبيكم -ﷺ- كل شيء حتى الخراءة؟ فقال: أجل٢.
وقال ﷺ: "تركتكم على البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك" ٣.
في أحاديث كثيرة وآثار -غير هذه- تبين أن مسائل العقيدة من أول ما يعلمه النبي -ﷺ- لأمته. وفي سنته ما يقطع الحجة، ويوضح المحجة، ويوفي على الغاية هداية وشفاء للصدور وبيانا للحق٤.
هذا، وقد سبقت الإشارة إلى أن السنة هي الأحاديث الصحيحة الثابتة عن النبي ﷺ، ويندرج فيها الأحاديث الحسنة التي لم تبلغ رتبة الصحيح؛ ولذلك ينبغي التوثق والتثبت من صحة الحديث وقبوله عند الاستشهاد به والاحتجاج في قضايا الاعتقاد؛ فإن العقيدة لا تبنى على الأحاديث الضعيفة.
_________________
(١) ١ "مسند الإمام أحمد": ٥/ ١٥٣، بتحقيق الشيخ أحمد شاكر. ٢ "صحيح مسلم"، كتاب الطهارة: ١/ ٢٢٣. ٣ أخرجه ابن ماجه: ١/ ٤، وابن أبي عاصم في "السنة": ١/ ٢٦، وصححه الألباني. ٤ انظر: "درء تعارض العقل والنقل": ١/ ٧٢-٧٥، "مجموع الفتاوى": ٣/ ٢٩٥، ٢٩٦، "مختصر الصواعق المرسلة" ١/ ٧-١٠.
[ ١٦٦ ]
العمل بها، فإن "جميع ما صح عن رسول الله من الشرع والبيان كله حق"١، وإنما ينبغي -بعد ذلك- النظر في المنهج الصحيح للفهم والاستدلال وإعمال قواعد الاستنباط وضوابط الترجيح عند التعارض مثلا.
وأما الأحاديث الضعيفة والموضوعة المكذوبة على النبي ﷺ، فلا يجوز الاحتجاج بها، بل ولا تجوز روايتها أصلا إلا لبيان حالها، وإنما ينبغي الإعراض عنها؛ لأن العقيدة لا تثبت بالأحاديث الضعيفة فضلا عن الموضوعة. وإن من أعظم أسباب الضلال والانحراف عن السنة والعقيدة الصحيحة، الاحتجاج بالأحاديث والأخبار الضعيفة والمكذوبة وبناء الاعتقاد عليها، وبخاصة فيما يتعلق بمباحث الألوهية والصفات ونحوها٢.
_________________
(١) ١ "شرح العقيدة الطحاوية" ص٣٥٤-٣٥٧. ٢ انظر: "الوصية الكبرى" لابن تيمية ص٧٠-٨٣.
[ ١٦٧ ]
الأدلة على صحة هذا المنهج في مصدرية العقيدة:
وقد قامت الأدلة الشرعية "من الكتاب والسنة"، والأدلة العقلية على صحة هذا المنهج، وعليه أجمع الصحابة وسلف الأمة، كما أيدته التجربة والواقع:
فأولا: نطق بذلك القرآن الكريم، في آيات كثيرة تدل على ذلك:
١- قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣] .
فإذا أكمل الله تعالى الدين وأتم به النعمة، فإن هذا يقتضي أن لا يترك جانبا من جوانب العقيدة أو مسألة من مسائلها دون أن يأتي عليهما بالبيان. ولذلك كان القرآن كتاب هداية لأقوم طريق في العقيدة؛ لأنه يهدي إلى صراط مستقيم، وإلى سبل السلام:
﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩] .
﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا، وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا، وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ [النساء: ٦٦-٦٨] .
﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ، يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة: ١٥، ١٦] .
٢- وقد وصف الله تعالى الكتاب بأنه تبيان لكل شيء، فقال:
﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل: ٨٩] .
﴿مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [يوسف: ١١١] .
وإذا كانت العقيدة من أهم ما ينبغي بيانه ومعرفته؛ فلا بد من أن تكون الآيات القرآنية مبينة لهذا أوضح بيان، إذ لا يقبل العقل أن تبين لنا هذه الآيات أحكام الفروع، ثم تترك الأصول الاعتقادية التي هي أساس لتلك الفروع.
٣- وقد جاءت الآيات الكريمة تبين أن الله تعالى يبين للناس ما يكون سببا
[ ١٦٨ ]
لعصمتهم عن الضلال؛ وذلك يكون باتباع القرآن والسنة ومجانبة الظن وأهواء النفوس:
﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى، وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه: ١٢٣، ١٢٤] .
﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [التوبة: ١١٥] .
﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص: ٥٥] .
في آيات كثيرة في كتاب الله تعالى تنطق بالحق، وتقيم الحجة والبرهان على أن القرآن الكريم هو كتاب العقيدة والإيمان. فليس وراءه مصدر إلا ما كان يخرج من مشكاته، وهو الحكمة أو سنة النبي ﷺ.
٤- ولذلك أوجب الله تعالى على المسلمين اتباع الرسول فيما يأمر وينهى١، وقرن طاعة الرسول بطاعته -سبحانه- في آيات كثيرة من القرآن، فقال:
﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [آل عمران: ١٣٢] .
وحث على الاستجابة لما يدعو إليه من الحياة الكريمة التي تتمثل في الاعتقاد الصحيح، وفي التمسك بالدين فقال:
_________________
(١) ١ انظر: "الإبانة عن شريعة الفرقة الناجية": ١/ ٢١٥-٢٢٢، "مجموع فتاوى شيخ الإسلام": ١٩/ ٨٢-٩٢.
[ ١٦٩ ]
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤] .
وجعل طاعة الرسول طاعة لله تعالى، وعلامة على محبته:
﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران: ٣١] .
كما جعل مخالفة النبي -ﷺ- سببا للفتنة تصيب الإنسان، أو سببا لعذاب أليم:
﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣] .
ويؤيد هذا أن رجلا قال لمالك بن أنس ﵀: من أين أُحْرِم؟ قال: من حيث أحرم رسول الله. فأعاد عليه مرارا. قال: فإن زدتُ على ذلك؟ قال: فلا تفعل، فإني أخاف عليك الفتنة! قال: وما في هذه من الفتنة، إنما هي أميال أزيدها؟ قال: فإن الله تعالى يقول: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ . قال: وأي فتنة في هذا؟ قال مالك: وأي فتنة أعظم من أن ترى أن اختيارك لنفسك خير من اختيار الله ورسوله١؟
بل، إن هذه المخالفة لأمر الرسول والتولي عن طاعته إنما هي من الكفر الذي ينبغي أن يحذره المسلم على نفسه:
﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ٣٢] .
_________________
(١) ١ انظر: "الباعث على إنكار البدع والحوادث" ص٢١، ٢٢، "الإبانة": ١/ ٢٦.
[ ١٧٠ ]
ثانيا: تواردت أحاديث النبي -ﷺ
تقيم الأدلة على صحة هذا المنهج في العودة للقرآن والتمسك بما ثبت عنه، فقال ﵊؛ فيما رواه علي ﵁، قال: إني سمعت رسول الله -ﷺ- يقول:
"ألا إنها ستكون فتنة" فقلت: وما المخرج منها يا رسول الله؟ قال: "كتاب الله، فيه نبأ ما قبلكم وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم، وهو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبّار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضلّه الله، وهو حبل الله المتين وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، هو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة، ولا يشبع منه العلماء، ولا يَخْلَق على كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه، هو الذي لم تنته الجن -إذ سمعته- حتى قالوا: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا، يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ﴾ من قال به صدق، ومن عمل به أُجر، ومن حكم به عدل، ومن دعا إليه هُدي إلى صراط مستقيم"١.
ولذلك قال ابن عباس ﵄: تضمن الله لمن قرأ القرآن وعمل بما
_________________
(١) ١ أخرجه الترمذي: ٨/ ٢١٨-٢٢١، والدارمي: ٢/ ٤٣٥، والإمام أحمد: ٢/ ٨٨ "تحقيق الشيخ شاكر"، والبغوي في "التفسير": ١/ ٣٩، وفي "شرح السنة": ٤/ ٤٣٨، وعزاه الهيثمي في "المجمع" "٧/ ١٦٥" للطبراني مختصرا. وفيه عمرو بن واقد، وهو متروك. وقال الترمذي: "حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث حمزة الزيات، وإسناده مجهول" وقال ابن كثير في "فضائل القرآن" الملحق بالتفسير "٤/ ٥٨٢": " وقصارى هذا الحديث أن يكون من كلام أمير المؤمنين علي ﵁، وقد وهم بعضهم في رفعه، وهو كلام حسن صحيح، على أنه قد روي له شاهد". وقال ابن الوزير في "ترجيح أساليب القرآن" ص١٥: "وقد رواه السيد الإمام أبو طالب في "أماليه" بسند آخر من حديث معاذ بنحوه ولم يزل العلماء يتداولونه، فهو مع شهرته في شرط أهل الحديث متلقى بالقبول عند علماء الأصول، فصار صحيح المعنى في مقتضى الإجماع والمنقول والمعقول".
[ ١٧١ ]
فيه أن لا يضل في الدنيا، ولا يشقى في الآخرة. ثم قرأ: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى﴾ ١.
وتواترت الأحاديث النبوية توجب العمل بالسنة والتمسك بها، وتبين أنها سبب النجاة، بما يدل دلالة قاطعة على أن المنهج الصحيح في استلهام العقيدة -مع سائر الأحكام- إنما يكون بالعودة إلى الصادق المصدوق، المبلغ عن ربه ﵎.
وما ورد من هذه الأحاديث أنواع كثيرة، يمكن إدخالها تحت أنواع ثلاثة٢:
النوع الأول: إخباره -وهو المعصوم من الكذب- بأنه قد أُوحي إليه القرآن وغيره، وأن ما بينه وشرعه من الأحكام، إنما هو بتشريع الله تعالى ومن عنده، وليس من عند النبي، وأنه لا يمكن فهم الأحكام من القرآن وحده، بل لا بد من الاستعانة بالسنة، وأن العمل بها عمل بالقرآن نفسه، وأن الأمة قد أمرها الله تعالى بالأخذ بقوله وطاعته واتباع سنته، وأن من أطاعه فقد أطاع الله ومن عصاه فقد عصى الله، وأن الإيمان لا يتم إلا باتباع جميع ما جاء به.
وهذا النوع من الأحاديث يعزّ على الحصر، وقد تقدمت الإشارة إلى بعضها في مناسبات سابقة، كحديث: "ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه" ٣.
وعن أبي هريرة، ﵁، أن رسول الله -ﷺ- قال: "من أطاعني
_________________
(١) ١ "تفسير الطبري": ١٦/ ٢٢٥ "طبع الحلبي"، "مصنف عبد الرزاق": ٣/ ٣٨٢. ٢ "حجية السنة" ص٣٠٨ وما بعدها، وانظر: "الإبانة" ١/ ٢٢٣-٢٧٠. ٣ انظر فيما سبق ص١٦٥ تعليق ١.
[ ١٧٢ ]
فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله " ١.
والنوع الثاني: أمره -ﷺ- بالتمسك بالسنة، وهو لا يأمر إلا بما أوجبه الله تعالى، ولا ينهى إلا عما حظره الله، كما في حديث العرباض بن سارية، وفيه: "أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة" ٢.. إلخ.
والنوع الثالث: أمره -ﷺ- باستماع حديثه وحفظه وتبليغه إلى من لم يسمعه، وذلك يستلزم حجية قوله ﷺ، كقوله ﷺ: "بلِّغوا عني ولو آية، وحدِّثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ومن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار" ٣.
وقد تقدمت الإشارة إلى أن كتبا كثيرة في الاعتقاد تحت عنوان "السنة" أو "السنن"، إنما ألفت للحث على السنة واتباعها والتمسك بها٤.
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري: ٦/ ١١، ومسلم: ٣/ ١٤٦٦. ٢ انظر تخريجه فيما سبق ص٩١ تعليق ٢. ٣ أخرجه البخاري: ٦/ ٤٩٦. ٤ انظر فيما سبق ص٩٨-١٠١.
[ ١٧٣ ]
ثالثا: وعلى هذا المنهج سار الصحابة -رضوان الله عليهم
فكانوا يتلقون من النبي -ﷺ- ما أوحاه الله تعالى إليه: قرآنا ناطقا وسنة حادثة عن النبي -ﷺ- فيتعرفون -بذلك- على وحدانية الله تعالى، وعلى صفاته، وعلى نبوته ﵊، وعلى المبدأ والمعاد، وكل ما يتصل بأمور العقيدة بخاصة والدين كله بعامة.
فلم يكن عندهم ما يستدلون به على ذلك سوى كتاب الله تعالى، يتلقونه
بالتسليم، فيفهمون معناه، ويلتزمون بما فيه، لا يتنازعون في شيء من ذلك، ولا يتعمقون في البحث الذي لا طائل تحته، وكانوا يرون الجدل في أمور العقيدة مؤديا إلى الانسلاخ من الدين. فلذلك أجمعت كلمتهم على أن القرآن فيه كل الغناء وفيه علم الأولين والآخرين، وأن من جمع القرآن فقد حمل أمرا عظيما وقد أدرجت النبوة بين جنبيه، إلا أنه لا يوحى إليه -كما قال ابن عمر ﵄- وما ذاك إلا لأنه جامع لمعاني النبوة١.
_________________
(١) ١ انظر: "الخطط المقريزية": ٣/ ٩٠٩، ٩١٠، "الموافقات" للشاطبي: ٣/ ٣٧٠، ٣٧١، "تمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلامية" للشيخ مصطفى عبد الرازق ص٢٦٩.
[ ١٧٤ ]
رابعا: وعلى هذا أيضا أجمعت كلمة علماء الإسلام
بعد عصر الصحابة- من جميع الطوائف، فإن القرآن عندهم يفيد معرفة أدلة التوحيد من غير ظن ولا تقليد، ومنه تعلم المتكلمون "علماء الكلام" النظر والأدلة، ولكنهم غالوا في النظر، ولم يقتصروا على القدر النافع المذكور في كتاب الله تعالى.
وجميع ما هو صحيح من الأدلة عند المتكلمين يمكن رده إلى القرآن الكريم، بل هو في القرآن الكريم؛ فجميع أدلتهم -مثلا- في وحدانية الله تعالى لا تخرج عن قوله سبحانه: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢] .
وهكذا في سائر أبواب الاعتقاد ومسائله. ولقد ألمحنا إلى شيء من هذا عند الحديث عن منهج الصحابة في التلقي.
ولئن كانت أدلة المتكلمين والفلاسفة مقصورة الفائدة على طائفة من الناس الذين يتأثرون بالدليل العقلي المجرد الذي قد لا يدل دلالة قطعية على مدلوله إلا بتأمل كبير وتعمق وتكلف؛ فإن أدلة الكتاب والسنة أدلة قاطعة جلية، تسبق إلى الأفهام ببادي الرأي وأول النظر، ويشترك كافة الخلق في إدراكها وفهمها. وهي بذلك مثل الغذاء ينتفع به كل إنسان، بل كالماء الذي ينتفع به الصبي، والرضيع، والرجل القوي. ولهذا كانت أدلة القرآن سائغة جلية.
ألا ترى أن من قدر على ابتداء الخلق فهو على الإعادة أقدر؟ "وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده، وهو أهون عليه" وأن التدبير لا ينتظم في دار واحدة بمدبرين، فكيف ينتظم جميع العالم؟ وأن من خلق علم ما خلق، كما قال سبحانه:
﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: ١٤] .
فهذه أدلة تجري مجرى الماء الذي جعل الله منه كل شيء حي، ينتفع به الجميع بيسر وسهولة، فتؤدي إلى معرفة وقناعة، ثم إلى التزام وطاعة١.
خامسا: فإذا تجاوزنا الدليل الشرعي والإجماع، وجدنا التجربة والواقع العملي شاهدين عدلين على صحة المنهج الذي سلف، في العودة إلى القرآن والسنة لنستمد منهما أصول العقيدة؛ إذ لا أحد من العلماء لجأ إلى القرآن الكريم في مسألة إلا وجد لها فيه أصلا٢؛ ولذلك كان فيه الكفاية والغَنَاء.
يقول الأستاذ سيد قطب ﵀:
"إننا نعتقد -بالدراسة الطويلة- أن هذا القرآن فيه غناء كامل في بيان الحقائق التي يقوم عليها التصور الإسلامي، فلا يحتاج إلى إضافة من خارجه في هذا البيان "باعتبار أن السنة إنما هي تفصيل وبيان لما في القرآن" ونحب أن يتعود القارئ أن يلجأ إلى القرآن ليجد فيه تبيانا لكل شيء. ومن ثم فإن النصوص القرآنية هنا "في بحث موضوعات التصور الإسلامي" هي الموضوع ذاته، وليست عنصرا مساعدا
_________________
(١) ١ "ترجيح أساليب القرآن" لابن الوزير، ص"١٥، ١٦، ٢٢". ٢ "الموافقات": ٣/ ٣٧١.
[ ١٧٥ ]
كما اعتاد الناس أن يجدوها في كثير من البحوث الإسلامية "١.
ولا أدل على صحة هذا القول من واقع أولئك الذين حاولوا أن يتلمسوا الأدلة العقلية على صحة الاعتقاد، فأطلقوا العنان لعقولهم في البحث والتفكير، بمعزل عن الوحي، متأثرين في ذلك بمنطق اليونان وفلسفتهم، ولكنهم عادوا بالخيبة والخسران، بعد أن بدّدوا جهدهم، وأضاعوا في البحث عمرهم، ثم وقفوا حائرين، لا يجدون دلالة إلا في كتاب الله الكريم، وفي سنة نبيه العظيم ﷺ.
فهذا إمام الحرمين الجويني "ت ٤٧٨هـ" وهو الأصولي الجدلي النظّار، يقول:
"قرأت خمسين ألفا في خمسين ألفا، ثم خلَّيت أهل الإسلام بإسلامهم فيها، وعلومهم الظاهرة، وركبت البحر الخِضَمّ، وغصت في الذي نهى أهل الإسلام عنه؛ كل ذلك في طلب الحق. وكنت أهرب في سالف الدهر من التقليد، والآن قد رجعت عن الكل إلى كلمة الحق. عليكم بدين العجائز، فإن لم يدركني الحق بلطف بره -فأموت على دين العجائز، وتختم عاقبة أمري عند الرحيل على نزهة أهل الحق وكلمة الإخلاص: لا إله إلا الله- فالويل لابن الجويني"٢.
وأما حجة الإسلام، أبو حامد الغزالي "ت ٥٠٥هـ" الذي ابتدأ البحث في
_________________
(١) ١ "مقومات التصور الإسلامي"، ص٨٦ بتصرف يسير. ٢ انظر: "طبقات الشافعية الكبرى"، لابن السبكي: ٥/ ١٨٥، "سير أعلام النبلاء" للذهبي: ١٨/ ٤٧١. ومعنى قوله: "ثم خليت أهل الإسلام بإسلامهم " أنه أنزل المذاهب كلها في منزلة النظر والاعتبار، غير متعصب لواحد منها، بحيث لا يكون عنده ميل يقوده إلى مذهب معين من غير برهان، ثم توضَّح له الحق، وأنه الإسلام، فكان على هذه الملة عن اجتهاد وبصيرة لا عن تقليد. راجع: "الطبقات الكبرى" للسبكي: ٥/ ١٨٦.
[ ١٧٦ ]
علم الكلام فحصّله، وطالع كتب المحققين من علمائه، وصنّف فيه ما أراد أن يصنّف، فينتهي إلى أن يقول عن هذا العلم:
"وهذا العلم قليل النفع في حق من لا يسلِّم سوى الضروريات شيئا أصلا، فلم يكن الكلام في حقي كافيا، ولا لدائي الذي كنت أشكوه شافيا "١.
وكانت خاتمة أمره إقباله على طلب الحديث ومجالسة أهله ومطالعة "الصحيحين"٢. وبذلك عرف الحق وفاء إليه، فكان عاقبة أمره حسنا!
وأما الفيلسوف القاضي، أبو الوليد محمد بن رشد الحفيد "ت ٥٢٠هـ"، وهو من أعلم الناس بمذاهب الفلاسفة ومقالاتهم، فيقول في كتابه "تهافت التهافت"٣:
"لم يقل أحد من الناس في العلوم الإلهية قولا يعتد به، وليس يعصم أحد من الخطأ إلا من عصمه الله تعالى بأمر إلهي خارج عن طبيعة الإنسان، وهم الأنبياء"٤.
وأما إمام المتكلمين، فخر الدين الرازي، الشهير بابن خطيب الري "٦٠٤هـ" فيقول في وصيته التي أوصى بها تلميذه إبراهيم بن أبي بكر الأصبهاني:
" ولقد اختبرت الطرق الكلامية، والمناهج الفلسفية، فما رأيت فيها فائدة
_________________
(١) ١ "المنقذ من الضلال" للغزالي، ص٨١ نقلا عن "الحقيقة في نظر الغزالي"، د. سليمان دنيا ص٣٤. ٢ "سير أعلام النبلاء": ١٩/ ٣٢٥، ٣٢٦. ٣ "تهافت التهافت": ٢/ ٥٤٧، تحقيق د. سليمان دنيا. ٤ فابن رشد يقرر: أنه لم يقل أحد من الفلاسفة في الإلهيات قولا يعتد به. وهذا يفيد أن مصدر العلم بها الدين، المصدر السابق، تعليق ١.
[ ١٧٧ ]
تساوي الفائدة التي وجدتها في القرآن؛ لأنه يسعى في تسليم العظمة والجلال لله، ويمنع عن التعمق في إيراد المعارضات والمناقضات، وما ذلك إلا للعلم بأن العقول البشرية تتلاشى في تلك المضايق العميقة، والمناهج الخفية ".
ثم يعلن عُزُوفه عن علم الكلام الذي كتب فيه ما كتب، فيقول:
"وأقول: ديني متابعة الرسول محمد ﷺ، وكتابي القرآن العظيم، وتعويلي في طلب الدين عليهما"١.
وقال في كتابه "أقسام اللذات":
نهاية إقدام العقول عقال وغاية سعي العالمين ضلال
وأرواحنا في وحشة من جسومنا وحاصل دنيانا أذى ووَبَال
ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا سوى أن جمعنا فيه: قيل وقالوا
فكم قد رأينا من رجال ودولة فبادوا جميعا مسرعين وزالوا
وكم من جبال قد علت شرفاتها رجال، فزالوا والجبال جبال
لقد تأملت الطرق الكلامية، والمناهج الفلسفية، فما رأيتُها تشفي عليلا، ولا تروي غليلا، ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن. اقرأ في الإثبات: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر: ١٠]، واقرأ في النفي: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]، ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه: ١١٠] .
ثم قال: "ومن جرّب مثل تجربتي، عرف مثل معرفتي"٢.
_________________
(١) ١ "طبقات الشافعية الكبرى": ٨/ ٩٠-٩١، وانظر: "سير أعلام النبلاء": ٢١/ ٥٠١. ٢ "شرح العقيدة الطحاوية" ص٢٠٨-٢٠٩، والأبيات في "طبقات الشافعية": ٨/ ٩٦، و"وفيات الأعيان": ٤/ ٢٥٠.
[ ١٧٨ ]
وكذلك قال الشيخ أبو عبد الله، محمد بن عبد الكريم الشهرستاني: إنه لم يجد عند الفلاسفة والمتكلمين إلا الحيرة والندم، حيث قال:
لعمري لقد طُفْتُ المعاهد كلها وسيَّرتُ طَرْفي بين تلك المعالم
فلم أر إلا واضعا كف حائر على ذقن أو قارعا سن نادم١
وهذا العلامة ابن أبي الحديد المعتزلي -مع توغّله في علم الكلام- يقول:
تاه الأنام بأسرهم فاليوم صاحي القوم عَرْبد
والله ما موسى ولا عيسى المسيح ولا محمد
عرفوا، ولا جبريل وهو إلى محل القدس يصعد
من كُنْه ذاتك غير أنـ ـك واحد في الذات سَرْمَد
عرفوا إضافات ونفيـ ـا والحقيقة ليس توجد
فليخسأ الحكماء عن حَرَم له الأملاك له سُجَّد
من أنت يا رسطو ومن أفلاطُ مثلك يا مبلَّد
ومن ابن سينا حيث قـ ـرر ما هذيتَ به وشيد
هل أنتم إلا الفرا ش رأى السراج وقد توقّد
فدنا فأحرق نفسه ولو اهتدى رَشَدا لأبعد
[ ١٧٩ ]
ويقول أيضا:
فيك يا أغلوطة الفكر تاه عقلي وانقضى عمري
سافرت فيك العقول فما ربحت إلا عنا السفر
رجعت حسرى وما وقفت لا على عين ولا أَثَر
فلَحَى الله الأولى زعموا أنك المعلوم بالنظر
كذبوا، إن الذي زعموا خارج عن قوة البشر١
ولهذا وجدنا العلامة محمد بن إبراهيم الوزير -﵀- يضع كتابا قائما برأسه في منهج القرآن في بيان العقيدة، ويوازن ذلك بمناهج المنطق اليوناني بما فيه من جفاف وتعقيد وتخليط، وسماه "ترجيح أساليب القرآن على أساليب اليونان"، ولشيخ الإسلام ابن تيمية كتاب كامل في نقض المنطق اليوناني بعنوان "نقض المنطق"٢.
_________________
(١) ١ انظر: "إيثار الحق على الخلق" لابن الوزير ص١٣٩. ٢ وانظر بالتفصيل: "مناهج البحث عند مفكري الإسلام" ص٦٣-٢٢٨، ففيه تفصيل لموقف الأصوليين والفقهاء من المنطق اليوناني "دون تزكية لكل ما في الكتاب، وخاصة مقدمة الطبعة الرابعة".
[ ١٨٠ ]
آثار هذا المنهج، وفوائده:
وهذا المنهج في تلقّي العقيدة واستلهامها من القرآن والسنة، علاوة على أنه مقتضى الإيمان بالله، وبكتابه المنزل وبنبيه المرسل -الذي يبلِّغ عن ربه ﵎- إننا نجني منه فوائد كثيرة، أهمها اثنتان:
١- أن هذا المنهج هو الذي يعصم عن الوقوع في الخطأ والانحراف والزلل، وعن الاضطراب في فهم العقيدة، ويحفظ على الإنسان جهده، ويمنع عقله من التبدد والضياع، ونفسه من الهوى؛ لأنه يعود بالأمر كله إلى العليم الحكيم -﷾- الذي تكفل بالهداية لهذا الإنسان.
يقول الأستاذ سيد قطب -﵀- وهو يتحدث عن خصيصة "الربانية" في التصور الإسلامي:
" وهذا التوكيد على مصدر هذا التصور، هو الذي يعطيه قيمته الأساسية، وقيمته الكبرى فهو مناط الثقة في أنه التصور المبرأ من النقص، المبرأ من الجهل، المبرأ من الهوى.. هذه الخصائص المصاحبة لكل عمل بشري، والتي نراها مجسمة في جميع التصورات التي صاغها البشر ابتداء من وثنيات وفلسفات، أو التي تدخّل فيها البشر من العقائد السماوية السابقة!
وهو كذلك مناط الضمان في أنه التصور الموافق للفطرة الإنسانية، الملبِّي لكل جوانبها، المحقق لكل حاجاتها. ومن ثم فهو التصور الذي يمكن أن ينبثق منه، ويقوم عليه أقوم منهج للحياة وأشمله"١.
٢- وهو المنهج الذي يجمع الأمة كلها، ويوحدها على كلمة واحدة وتصور واحد، ويعصمها من التفرق والشتات، بما ينشئ فيها من تصورات ثابتة، وبما يضع لها من موازين وقيم لا تتأثر بزمان معين ومكان محدد، وإنما هي الموازين والقيم الثابتة التي تتلقاها من الوحي، وتتكيف بها وتصبغ حياتها بمقتضاها، فلا تتوزّعها الأهواء ولا الأفكار البشرية الضالة، التي تتقلب فيها، فلا تستقر على
_________________
(١) ١ "خصائص التصور الإسلامي"، ص٥٣، ٥٤.
[ ١٨١ ]
قرار؛ لأنها لا تستقر على منهج واحد.
وعندئذ تكون هذه الأمة -حقا- أمة واحدة كما أراد الله تعالى لها:
﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾ [المؤمنون: ٥٢] .
﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٩٢] .
فهي الأمة الواحدة: عقيدة وفكرا ومنهجا وسلوكا١. وعندئذ تتحقق لها الريادة والشهادة على الأمم الأخرى، بما تملك من الحق والهدى الذي تتلقاه من الوحي الذي أنزله الله تعالى على نبيه صلى الله عليه وسلم٢.
_________________
(١) ١ قال الإمام البغوي: "قوله ﷿: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ﴾ أي: ملتكم ودينكم وشريعتكم التي أنتم عليها ﴿أُمَّةً وَاحِدَة﴾ أي: دينا وحدا وهو الإسلام، فأبطل ما سوى الإسلام من الأديان. وأصل "الأمة" الجماعة التي هي على مقصد واحد، فجعلت الشريعة أمة واحدة؛ لاجتماع أهلها على مقصد واحد". انظر "معالم التنزيل" للبغوي: ٥/ ٣٥٣، ٤٢٠. فيصح أن يكون المقصود بالأمة أمة محمد -ﷺ- كما يصح أن يقصد بها أمة جميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. ٢ انظر ما قاله الإمام أبو المظفر السمعاني في هذا المعنى، ونقله الأصبهاني في "الحجة في بيان المحجة": ٢/ ٢٢٢، ٣٨٥، والموصلي في "مختصر الصواعق المرسلة": ٢/ ٤٦ وما بعدها.
[ ١٨٢ ]