إن كلمة التوحيد التي سبق الحديث عن معناها، جعلها الله تعالى عنوان الدخول في الإسلام، وثمن الجنة ومفتاحها، كما جعلها سبب النجاة من النار ومغفرة الذنوب.
وتواردت أحاديث النبي -ﷺ- في هذه المعاني:
١- فمنها ما جعل الإتيان بالشهادتين سببا لدخول الجنة، وعدم احتجاب قائلها عنها، فإن النار لا يخلَّد فيها أحد من أهل التوحيد الخالص، وقد يدخل الجنة ولا يُحجَب عنها إذا طُهِّر من ذنوبه بالنار:
فعن عباة بن الصامت -﵁- قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: "من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وأن عيسى عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم، وروح منه، وأن الجنة حق والنار حق، أدخله الله الجنة على ما كان من العمل" ١.
وفي رواية: "أدخله الله الجنة، من أي أبواب الجنة الثمانية شاء".
وعن أبي هريرة -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: "يا أبا هريرة، اذهب بنعليَّ هاتين -وأعطاه نعليه- فمن لقيت من وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله، مستيقنا بها قلبه، فبشِّرْه بالجنة" ٢.
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري في كتاب الأنبياء، باب قوله: قل يا أهل الكتاب ٦/ ٤٧٤.. ومسلم في الإيمان، باب من لقي الله بالإيمان: ١/ ٥٧، وانظر شرح الحديث في "المختار من كنوز السنة" ص١٠٥-١١٥. ٢ أخرجه مسلم في الإيمان، باب الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة: ١/ ٦٠.
[ ٢٦١ ]
وعنه أيضا، قال رسول الله ﷺ: "أشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، لا يلقى اللهَ بهما عبدٌ غير شاكّ، فيحجب عن الجنة" ١. وفي رواية له أيضا: "إلا دخل الجنة".
وعن عثمان -﵁- قال: قال رسول الله ﷺ: "من مات وهو يعلم أنه لا إله إلا الله، دخل الجنة" ٢.
وفي الصحيحين عن أبي ذر -﵁- عن النبي -ﷺ- قال: "ما من عبد قال: لا إله إلا الله، ثم مات على ذلك، إلا دخل الجنة" قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: "وإن زنى وإن سرق" ثلاثا، ثم قال في الرابعة: "على رغم أنف أبي ذر" قال: فخرج أبو ذر وهو يقول: وإن رغم أنف أبي ذر٣.
ومعنى هذا الحديث: أن الزنى والسرقة لا يمنعان دخول الجنة مع التوحيد، وهذا حق لا مرية فيه، وليس فيه أنه لا يعذَّب عليهما مع التوحيد٤، ففي "مسند البزار" عن أبي هريرة -﵁- مرفوعا: "من قال: لا إله إلا الله نفعته يوما من دهره، يصيبه قبل ذلك ما أصابه" ٥.
٢- ومن الأحاديث ما جاء بيانا لتحريم دخول النار على من أتى
_________________
(١) ١ أخرجه مسلم في الموضع نفسه. ٢ أخرجه مسلم في الموضع السابق نفسه: ١/ ٥٥. ٣ أخرجه البخاري في كتاب اللباس، باب الثياب البِيض ١٠/ ٢٨٣، ومسلم في الإيمان، باب من مات لا يشرك بالله شيئا، دخل الجنة: ١/ ٩٥. ٤ كلمة الإخلاص وتحقيق معناها، ص١٢، وهذه التقسيمات مأخوذة منه. انظر "المختار من كنوز السنة" ص١٥٥-١٦٧. ٥ أخرجه البزار والطبراني في الأوسط والصغير. قال الهيثمي في المجمع "١/ ١٧": "ورجاله رجال الصحيح". وانظر: "سلسلة الأحاديث الصحيحة" للألباني: ٣/ ٥٦٦-٥٧٠.
[ ٢٦٢ ]
بالشهادتين، وهذا كقوله -﵊- في حديث معاذ ﵁:
$"ما من عبد يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله صدقا من قلبه، إلا حرّمه الله على النار"١.
وفي حديث عتبان بن مالك -﵁- عن النبي -ﷺ- قال: "إن الله حرم على النار من قال: لا إله إلا الله، يبتغي بذلك وجه الله" ٢ إلى غير ذلك من الأحاديث النبوية الشريفة٣.
شرط النجاة:
وقد يصاب بعض الناس بالغفلة عن حقيقة التوحيد وشرط النجاة، ويغترّ بكلمة يديرها على لسانه، دون أن يفقه معناها، يظنها مفتاحا للجنة، بمجرد نطقها باللسان، غافلا عن شروطها التي ينبغي أن تتحقق، ومقتضياتها التي ينبغي أن يعمل بها؛ لتكون مفتاحا صالحا لفتح أبواب الجنة الثمانية.
وشهادة التوحيد هذه، سبب دخول الجنة، والنجاة من النار، ومقتضٍ لذلك، ولكن المقتضي لا يعمل عمله إلا باستجماع شروطه وانتفاء موانعه، فقد يتخلف عنه مقتضاه لفوات شرط من شروطه، أو لوجود مانع من الموانع؛ وهذا قول الحسن البصري ووهب بن منبه، رحمهما الله.
فقد قيل للحسن البصري ﵀: إن أناسا يقولون: من قال: لا إله إلا الله
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري في العلم، باب من خصّ بالعلم قوما ١/ ٢٢٦، ومسلم في الإيمان، باب من لقي الله بالإيمان وهو غير شاكّ: ١/ ٦١. ٢ قطعة من حديث أخرجه البخاري في الصلاة، باب المساجد في البيوت: ١/ ٥١٩، ومسلم في المساجد، باب الرخصة في التخلف عن الجماعة: ١/ ٤٥٥، ٤٥٦. ٣ انظر: "تهذيب مدارج السالكين" ص١٨٧.
[ ٢٦٣ ]
دخل الجنة؟ فقال: من قال: لا إله إلا الله، فأدى حقها وفرضها دخل الجنة.
وقال للفرزدق وهو يدفن امرأته: ما أعددتَ لهذا اليوم؟
قال: شهادة أن لا إله إلا الله، منذ سبعين سنة، فقال الحسن: نعم العُدَّة، لكن لـ "لا إله إلا الله" شروطا، فإياك وقذف المحصنة!
وقيل لوهب بن منبه: أليس لا إله إلا الله مفتاح الجنة؟ قال: بلى، ولكن ما من مفتاح إلا له أسنان، فإن جئت بمفتاح له أسنان فُتح لك، وإلا لم يفتح لك١.
ويدل على صحة هذا القول:
أ- أن النبي -ﷺ- رتّب دخول الجنة على الأعمال الصالحة في كثير من النصوص:
فعن أبي أيوب الأنصاري -﵁- أن رجلا قال: يا رسول الله، أخبرني بعمل يدخلني الجنة. فقال: "تعبد الله لا تشرك به شيئا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصل الرحم" ٢.
وعن أبي هريرة -﵁- أن رجلا قال: يا رسول الله، دلني على عمل إذا عملته دخلت الجنة. قال: "تعبد الله لا تشرك به شيئا، وتقيم الصلاة المكتوبة، وتؤدي الزكاة المفروضة، وتصوم رمضان". فقال الرجل: والذي نفسي بيده، لا أزيد على هذا شيئا، ولا أنقص منه. فقال النبي ﷺ: "من سَرَّه أن ينظر إلى
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري تعليقا في الجنائز، باب من كان آخر كلامه: لا إله إلا الله ٣/ ١٠٩. وانظر: "المختار من كنوز السنة"، ص١٩١-١٩٤، "شرح النووي على صحيح مسلم": ١/ ٢١٨-٢٢٠. ٢ أخرجه البخاري في الأدب، باب فضل صلة الرحم: ١٠/ ٤١٤، ومسلم في الإيمان، باب الإيمان الذي يدخل به الجنة: ١/ ٤٢، ٤٣.
[ ٢٦٤ ]
رجل من أهل الجنة، فلينظر إلى هذا" ١.
ب- وقد تواردت مع ذلك آيات وأحاديث تبين توقف دخول الجنة والنجاة من النار على فعل الفرائض واجتناب المحارم، فصارت تلك الأحاديث السابقة مفسِّرة مبيِّنة، وينبغي أن يؤخذ بالبيان وبالمبيَّن معا، ولا يجوز إعمال بعض النصوص والأدلة وإهمال سائرها٢.
جـ- ومن القواعد المقررة: أن المطلق يحمل على المقيد، فإذا جاءت نصوص مطلقة، وجاءت نصوص أخرى متحدة معها في الحكم والسبب، فإنه يحمل النص المطلق على المقيد. والأحاديث التي جاءت تبين أن دخول الجنة وتحريم النار معلق على شهادة "أن لا إله إلا الله"، هذه الأحاديث المطلقة جاءت أحاديث أخرى تقيدها، ففي بعضها:
"من قال: لا إله إلا الله مخلصا "، وفي بعضها: "مستيقنا بها قلبه "، وفي بعضها: "يصدق لسانه "، وفي بعضها: "يقولها حقا من قلبه " إلخ.
وكذلك علقت الأحاديث دخول الجنة على: "العلم بمعنى لا إله إلا الله" ونصوص أخرى تبين الثبات على هذه الكلمة، ونصوص أخرى تدل على وجوب الخضوع لمدلولها إلخ.
ومما سبق كله استنبط العلماء -رحمهم الله تعالى- شروطا لا بد من توافرها، مع انتفاء الموانع، حتى تكون كلمة "لا إله إلا الله" مفتاحا للجنة، وهذه الشروط هي أسنان المفتاح، ولا بد من أخذها مجتمعة، فإن شرطا منها لا يُغني عن سائر الشروط.
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري في الزكاة، باب وجوب الزكاة، ومسلم في الإيمان، الموضع السابق. ٢ انظر: "كلمة الإخلاص وتحقيق معناها" لابن رجب، ص١٣-٢٢.
[ ٢٦٥ ]
إشارات إلى شروط لا إله إلا الله:
ولعل هذه الشروط تكون واضحة من الإشارات التي سنشير إليها في هذه العجالة، فاحرص عليها -أيها المسلم- وتحقق بها؛ لئلا تقف أمام باب الجنة فترد؛ لأنه لا يفتح لك!
١- إن لكل شيء حقيقة، ولكل كلمة معنى، فينبغي أولا: أن تعلم معنى كلمة التوحيد: "لا إله إلا الله" علما منافيا للجهل بها، في النفي والإثبات، فهي تنفي الألوهية عن غير الله تعالى وتُثبتها له سبحانه، فلا معبود بحق إلا الله، وقد سبق ذلك وافيا في بيان "كلمة التوحيد".
ومن الأدلة على هذا الشرط، قول الله تعالى:
﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [محمد: ١٩] .
﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ [آل عمران: ١٨] .
﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٦] .
وأخرج مسلم عن عثمان -﵁- قال: قال رسول الله ﷺ: "من مات وهو يعلم أنه لا إله إلا الله، دخل الجنة".
ويكتمل هذا الشرط بما يليه، وهو الشرط الثاني:
٢- اليقين المنافي للشك: ومعنى ذلك أن تستيقن يقينا جازما بمدلول كلمة التوحيد؛ لأنها لا تقبل شكا، ولا ظنا، ولا ترددا، ولا ارتيابا، بل ينبغي أن تقوم على اليقين القاطع الجازم. فقد قال الله تعالى في وصف المؤمنين الصادقين:
[ ٢٦٦ ]
﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُون﴾ [الحجرات: ١٥] .
فلا يكفي مجرد التلفظ بالشهادتين، بل لا بد من استيقان القلب، والبعد عن الشك، فإن لم يحصل هذا اليقين فهو النفاق، والمنافقون هم الذين ارتابت قلوبهم، قال الله تعالى:
﴿إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾ [التوبة: ٤٥] .
وقد سبق آنفا حديثان في ذلك عن أبي هريرة -﵁- وفيهما: "أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله لا يلقى اللهَ بهما عبدٌ غير شاك فيهما، إلا دخل الجنة" وفي رواية: "فيحجب عن الجنة" "من لقيت وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله، مستيقنا بها قلبه ".
٣- وإذا علمت، وتيقنت، فينبغي أن يكون لهذا العلم اليقيني أثره، فيتحقق الشرط الثالث، وهو: القبول لما اقتضته هذه الكلمة، بالقلب واللسان:
فمن رد دعوة التوحيد ولم يقبلها كان كافرا، سواء كان ذلك الرد بسبب الكِبْر أو العناد أو الحسد، وقد قال الله ﷾ عن الكفار الذين ردوها استكبارا:
﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ، وَيَقُولُونَ أَإِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ [الصافات: ٣٥، ٣٦] .
أما المؤمنون الذين قبلوا هذه الكلمة، وعملوا بمقتضاها فلهم النجاة عند الله تعالى؛ وعدا منه، لا يخلف الله وعده:
﴿ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ١٠٣] .
[ ٢٦٧ ]
﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥] .
وحتى ميول الإنسان وما يهواه، ينبغي أن تكون من وراء ما جاء به الرسول -ﷺ- وتابعة له: $"لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به"١، وهذا هو تمام الانقياد وغايته!
٥- الشرط الخامس: الصدق في قول كلمة التوحيد، صدقا منافيا للكذب والنفاق، حيث يجب أن يواطئ قلبه لسانه ويوافقه، فإن المنافقين يقولونها بألسنتهم، ولكن لم يطابق هذا القول ما في قلوبهم، فصار قولهم كذبا ونفاقا مخالفا للإيمان، ونزلوا في الدرك الأسفل من النار:
﴿يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [الفتح: ١١] .
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ، يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ، فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [البقرة: ٨-١٠] .
في آيات كثيرة، وسور بمجملها في القرآن الكريم تتحدث عنهم.
وفي الصحيحين: "ما من عبد يشهد أن لا إله إلا الله.. صدقا من قلبه، إلا حرمه الله على النار"٢ فاشترط الصدق من القلب، كما اشترطه في قوله لضمام بن
_________________
(١) ١ أخرجه البغوي في "شرح السنة": ١/ ٢١٣، وقال النووي في "الأربعين النووية": حديث حسن صحيح، رويناه في "كتاب الحجة" بإسناد صحيح، والحجة كتاب للشيخ أبي الفتح نصر بن إبراهيم المقدسي. وانظر "جامع العلوم والحكم" ص٣٦٤، ٣٦٥. ٢ انظر تخريجه فيما سبق ص٢٦٧.
[ ٢٦٩ ]
ثعلبة: "إن صدق ليدخلن الجنة" ١.
٦- المحبة، وهي الشرط السادس، فيحب المؤمن هذه الكلمة، ويحب العمل بمقتضاها، ويحب أهلها العاملين بها، وإلا لم يتحقق الإيمان، ولم تكتب له النجاة، ومن أحب شيئا من دون الله فقد جعله لله ندا:
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥] .
وعلامة حب العبد ربه: تقديم محابه وإن خالفت هواه، وبغض ما يبغض ربه وإن مال إليه هواه، وموالاة من والى الله ورسوله، ومعاداة من عاداه، واتباع رسوله -ﷺ- واقتفاء أثره وقبول هداه. وهذه كلها شروط في المحبة لا تتحقق إلا بها٢، وهي مؤشر على حب الله للعبد بعد ذلك٣.
ومتى استقرت هذه الكلمة في النفس والقلب، فإنه لا يعدلها شيء، ولا يفضل عليها، فإن حبها يملأ القلب فلا يتسع لغيرها، وعندئذ يجد حلاوة الإيمان:
"ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يُقذف في النار" ٤.
وحتى لو تحققت تلك الشروط السابقة كلها، ولكنها فقدت الروح فيها،
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري في الإيمان / ١٠٦، ومسلم في الإيمان: ١/ ٤٠، ٤١. ٢ "معارج القبول": ١/ ٣٨٣. ٣ انظر: "التصور الإسلامي للإنسان والكون" ص٨٩، الطبعة الثانية، القاهرة. ٤ أخرجه البخاري: ١/ ٧٢، ومسلم: ١/ ٦٦، كلاهما في كتاب الإيمان.
[ ٢٧٠ ]
وفقدت سبب القبول عند الله، فإنها لا تنفع صاحبها ما لم يحقق سبب ذلك القبول، وهو الشرط السابع:
٧- الإخلاص، ومعناه: صدق التوجه إلى الله تعالى، وتصفية العمل بصالح النية، عن كل شائبة من شوائب الشرك وألوانه.
وقد تواردت الآيات القرآنية الكريمة، والأحاديث النبوية الشريفة، تؤكد هذا الشرط، وتجعله سببا لقبول الأعمال عند الله تعالى. قال الله ﷾:
﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: ٥] .
﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر: ٢] .
وفي حديث عتبان بن مالك، عن النبي ﷺ: "إن الله حرّم على النار من قال: لا إله إلا الله، يبتغي بذلك وجه الله ﷿" ١.
والآيات والأحاديث في الإخلاص كثيرة جدا، فهو سبب القبول عند الله ﷿، فلا يقبل الله تعالى من العمل إلا ما كان خالصا لوجهه، وموافقا لشرعه.
٨- ومع هذه الشروط مجتمعة، لا بد من الإقامة على هذه الكلمة؛ ليختم للعبد بها ختاما حسنا، فإنما الأعمال بالخواتيم، ففي حديث مسلم عن أبي هريرة -﵁- عن النبي -ﷺ- قال: $"إن الرجل ليعمل الزمان الطويل بعمل أهل الجنة، ثم يختم له عمله بعمل أهل النار، وإن الرجل ليعمل الزمان الطويل بعمل أهل النار، ثم يختم له عمله بعمل أهل الجنة".
وفي حديث ابن مسعود -﵁- عند الشيخين: " فوالذي لا إله
_________________
(١) ١ متفق عليه، وقد تقدم.
[ ٢٧١ ]
غيره، إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها".
وقد أمر الله تعالى بالإقامة على الإسلام والتوحيد:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢] .
وقد جاءت الأحاديث الشريفة تبين هذا المعنى:
عن عبد الله بن مسعود -﵁- قال: قال رسول الله ﷺ: "من مات يشرك بالله شيئا، دخل النار" وقلت أنا: "من مات لا يشرك بالله شيئا، دخل الجنة"١.
وفي حديث أبي ذر: "ما من عبد قال: لا إله إلا الله، ثم مات على ذلك، إلا دخل الجنة" ٢.
وعن عثمان بن عفان -﵁- قال رسول الله ﷺ: "من مات وهو يعلم أن لا إله إلا الله، دخل الجنة".
وعن معاذ بن جبل -﵁- أن النبي -ﷺ- قال: "من كان آخر كلامه لا إله إلا الله، وجبت له الجنة".
قال البيهقي: في هذين الحديثين شَرَطَ الوفاة على الإيمان، حتى يستحق دخول الجنان بوعد الله تعالى.
_________________
(١) ١، ٢ أخرجهما الشيخان، وتقدما في موضع سابق.
[ ٢٧٢ ]
فاحرص -أيها المسلم- على كلمة التوحيد بشروطها تلك، واحذر من كل ما ينافيها، فإن ما ينافيها ويوقع في الشرك قد يكون أخفى من دبيب النمل١.
وتلك الشروط السابقة، قد جمعها بعض العلماء في نَسَق واحد، فقال الشيخ حافظ الحكمي، ﵀:
العلم واليقين والقبول والانقياد فادرِ ما أقول
والصدق والإخلاص والمحبة وفقك الله لما أحبّه
وقال ابن القيم -﵀- في قصيدته النونية، مشيرا إلى أسنان هذا المفتاح الذي تفتح به أبواب الجنة، وهي العمل بشرائع الإسلام، وتحقيق تلك الشروط السابقة قال:
هذا، وفتح الباب ليس بممكن إلا بمفتاح على أسنان
مفتاحه بشهادة الإخلاص والتو حيد، تلك شهادة الإيمان
أسنانه الأعمال، وهي شرائع الـ ـإسلام، والمفتاح بالأسنان
لا تُلغِيَنْ هذا المثال فكم به من حل إشكال لذي العرفان!
_________________
(١) ١ في هذه الشروط راجع: "معارج القبول" ١/ ٣٧٨-٣٨٦، "تيسير العزيز الحميد" ص٦٩ وما بعدها، "فتح المجيد" ص٩١، "مجموعة الرسائل والمسائل النجدية": ٢/ ٥، ٦، ٨١.
[ ٢٧٣ ]