الفطرة والوحي ومنذ أن أوجد الله تعالى البشر فَطَرهم على التوحيد والإيمان بالله تعالى، خالقهم ومعبودهم، وأخذ عليهم العهد والميثاق مذ كانوا ذرية في ظهور آبائهم:
﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ، أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٢، ١٧٣] .
ولذلك يأمرهم الله تعالى أن يقيموا وجوههم لله، وأن يخلصوا دينهم له، فإنه مقتضى الفطرة التي فطرهم عليها، وتحقيق للعهد والميثاق، وأداء لشهادة الحق التي أشهدهم عليها:
﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم: ٣٠] .
وعن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله ﷺ: "ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهوِّدانه أو ينصِّرانه أو يمجِّسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء؟ " ثم يقول أبو هريرة: واقرءوا إن شئتم: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ "الآية"١.
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري: ٣/ ٢١٩، ومسلم: ٤/ ٢٠٤٧، وانظر "تفسير البغوي": ٦/ ٢٩٦ مع المراجع المشار إليها، طبعة دار طيبة بالرياض، "معالم السنن" للخطابي: ٧/ ٨٣-٨٨.
[ ١٦ ]
وعن عياض بن حمار المجاشعي، أن رسول الله -ﷺ- قال ذات يوم في خطبته:
"ألا إن ربي أمرني أن أعلّمكم ما جهلتم مما علمني يومي هذا؛ كل مال نحلتُه عبدا حلال، وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرمتْ عليهم ما أحللتُ لهم، وأمرتْهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا " ١.
وكل مولود في العالم على ذلك الإقرار، وهو الحنيفية التي وقعت الخِلْقة عليها، وإن عبد غيره، قال تعالى:
﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف: ٨٧] .
فكل مولود يولد في مبدأ الخلقة على الفطرة، أي: على الجِبِلَّة السليمة والطبع المتهيئ لقبول الدين، فلو ترك عليها لاستمر على لزومها؛ لأن هذا الدين موجود حسنه في العقول، وإنما يعدل عنه من يعدل إلى غيره، لآفة من آفات النشوء والتقليد، فلو سلم من تلك الآفات لم يعتقد غيره٢.
وهكذا كانت البشرية الأولى أو ذرية آدم ﵇، قبل أن يقع الانحراف، كانت على التوحيد والإسلام، فقد كان الناس من وقت آدم إلى مبعث نوح -وكان بينهما عشرة قرون- كلهم على شريعة واحدة من الحق والهدى، ثم اختلفوا في زمن نوح، فبعث الله إليهم نوحا، فكان أول نبي بعث، ثم بعث بعده النبيين٣.
_________________
(١) ١ أخرجه مسلم: ٤/ ٢١٩٧. ٢ انظر: "تفسير البغوي": ٦/ ٢٧٠، والمراجع المشار إليها في الحاشية. ٣ وهذا مرويّ عن قتادة وعكرمة. انظر: "تفسير البغوي": ١/ ٢٤٣.
[ ١٧ ]
وعن أبي أمامة أن رجلا قال: يا رسول الله، أنبيا كان آدم؟ قال: "نعم"، قال: فكم كان بينه وبين نوح؟ قال: "عشرة قرون" ١.
قال تعالى:
﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [البقرة: ٢١٣] .
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس موقوفا قال: "كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على الإسلام" ٢.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على شريعة من الحق، فاختلفوا، فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين. قال: وكذلك هي في قراءة عبد الله: "كان الناس أمة واحدة فاختلفوا"٣ وكذلك كان يقرؤها أبي بن كعب رضي الله عنه٤. وهذا متناسق مع قوله تعالى:
﴿وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِيَخْتَلِفُونَ﴾ [يونس: ١٩] .
﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ
_________________
(١) ١ أخرجه ابن حبان ص"٥٠٩"، والطبراني في "الأوسط" ١/ ٢٥٦، والحاكم: ٢/ ٢٦٢، والبيهقي في "الأسماء والصفات": ١/ ٥١٧. قال ابن كثير: وهو على شرط مسلم. ٢ انظر: "البداية والنهاية" لابن كثير: ١/ ١٠١. ٣ أخرجه الطبري: ٤/ ٢٧٥، وصححه الحاكم في "المستدرك": ٢/ ٥٤٦، ٥٤٧، ووافقه الذهبي. وعزاه السيوطي في "الدر" "١/ ٥٨٢" للبزار وابن المنذر وابن أبي حاتم. ٤ "تفسير ابن كثير": ١/ ٣٦٤ "طبعة الشعب".
[ ١٨ ]
اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ [البقرة: ٢٥٣] .
وأنزل الله تعالى كتبه هداية ورحمة وبيانا وإزالة للخلاف؛ ليفيء الناس جميعا إلى الحق والعدل:
﴿تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ، وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [النحل: ٦٣، ٦٤] .
يقول الأستاذ سيد قطب، ﵀:
"وهذه هي قصة الاختلاف بين الناس في التصورات والعقائد، والموازين والقيم كان الناس أمة على نهج واحد وتصور واحد، وقد تكون هذه إشارة إلى حالة المجموعة البشرية الأولى الصغيرة من أسرة آدم وحواء وذراريهم قبل اختلاف التصورات والاعتقادات. فالقرآن يقرر أن الناس من أصل واحد، وهم أبناء الأسرة الأولى: أسرة آدم وحواء. وقد شاء الله أن يجعل البشر جميعا نتاج أسرة واحدة صغيرة؛ ليقرر مبدأ الأسرة في حياتهم، وليجعلها هي اللبنة الأولى. وقد غَبَر عليهم عهد كانوا فيه في مستوى واحد واتجاه واحد وتصور واحد في نطاق الأسرة الأولى، حتى نمت وتعددت وكثر أفرادها، وتفرقوا في المكان، وتطورت معايشهم، وبرزت فيهم الاستعدادات المكنونة المختلفة التي فطرهم عليها لحكمة يعلمها، ويعلم ما وراءها من خير للحياة في التنوع والاستعدادات والطاقات والاتجاهات.
عندئذ اختلفت التصورات، وتباينت وجهات النظر، وتعددت المناهج، وتنوعت المعتقدات وعندئذ بعث الله النبيين مبشرين ومنذرين"١.
_________________
(١) ١ "في ظلال القرآن": ١/ ٢١٦، وانظر فيما سيأتي ص٢١٩-٢٢٤.
[ ١٩ ]