وهذه المعاني اللغوية كلها ملحوظة في المعنى الشرعي للبراء، الذي هو البعد عن الكفار ومودتهم، والتخلص من قبائحهم وباطلهم، والإنذار لهم، ومقاطعتهم وبغضهم قلبيا، وبغض ما هم عليه من الكفر والقبائح.
فمن يتبرأ من الكفار والمشركين إنما يتبرأ من القبيح والباطل والمكروه ويبتعد عنه، وبذلك يبرأ من تهمة الكفر التي تحصل بإلقاء المودة لهم، وفي ذلك إنذار لهم وإعذار، فما كانت البراءة والعداوة إلا بعد هذا الإنذار والإعذار.
مقتضيات البراءة من الكفار:
وهذا البراء من الكفار، وما هم عليه يقتضي أن نتنبه إلى جملة أمور حتى تتم مجانبة دين الكفار والبراءة منهم١:
١- ترك اتباع أهوائهم ومتابعتهم في أي أمر من أمورهم، فإن هذه المتابعة لهم إنما تكون بترك الشريعة أو بعضها، وإنه لكفر بالشريعة أن نتركها متابعة لهوى المشركين والكفار، بأي حجة وتحت أي عنوان، وهم لا يرضون من المؤمن إلا أن
_________________
(١) ١ "بيان النجاة والفكاك"، ص٢٦٨-٢٧٢ ضمن "مجموعة التوحيد"، "تيسير العزيز الحميد" ص٤٤٦-٤٨٣.
[ ٣٦٧ ]
يتبع ملتهم ودينهم وذلك ردة ينبغي الحذر منها؛ ولهذا جاءت الآيات القرآنية تحذر أشد التحذير من هذا الاتباع:
﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ﴾ [البقرة: ١٢٠] .
﴿وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ [المائدة: ٤٩] .
﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا وَاقٍ﴾ [الرعد: ٣٧] .
٢- النهي عن التلقي عن الكفار في الرأي والمشورة، وطاعتهم فيما قد يشيرون به أو يأمرون، فإن الله تعالى نهى عن طاعة الكافرين، فقال:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ، وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [آل عمران: ١٠٠، ١٠١] .
فإن طاعة أهل الكتاب والتلقي عنهم، واقتباس مناهجهم وأوضاعهم، تحمل ابتداء معاني الهزيمة الداخلية، والتخلي عن دور القيادة الذي من أجله أُنشئت الأمة المسلمة، كما تحمل معنى الشك في كفاية منهج الله لقيادة الحياة وتنظيمها والسير بها صعدا في طريق النماء. وهذا بذاته دبيب الكفر في النفس، وهي لا تشعر به ولا ترى خطره القريب.
[ ٣٦٨ ]
هذا من جانب المسلمين؛ فأما من الجانب الآخر، فأهل الكتاب لا يحرصون على شيء حرصهم على إضلال هذه الأمة عن عقيدتها. فهذه العقيدة هي سبيل النجاة وخط الدفاع ومصدر القوة الدافعة للأمة المسلمة. والأعداء يعرفون هذا جيدا، يعرفونه قديما وحديثا، ويبذلون في سبيل تحويل هذه الأمة عن عقيدتها كل ما في وسعهم من مكر وحيلة، ومن قوة كذلك وعُدَّة. وحين يعجزهم أن يحاربوا هذه العقيدة ظاهرين يدسّون لها ماكرين، وحين يعييهم أن يحاربوها بأنفسهم وحدهم، يجندون من المنافقين المتظاهرين بالإسلام أو ممن ينتسبون -زورا- للإسلام جنودا مجندة لتنخر في جسم هذه العقيدة من الداخل، ولتصد الناس عنها، ولتزيِّن لهم مناهج غير منهجها، وأوضاعا غير أوضاعها، وقيادة غير قيادتها.
فحين يجد أهل الكتاب من بعض المسلمين طواعية واستماعا واتباعا، فهم -ولا شك- سيستخدمون هذا كله في سبيل الغاية التي تؤرّقهم، وسيقودونهم ويقودون الجماعة كلها من ورائهم إلى الكفر والضلال١.
ومن ثم جاءت التحذيرات الحاسمة كهذه التحذيرات:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٩] .
﴿وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف: ٢٨] .
﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الأحزاب: ١] .
_________________
(١) ١ "في ظلال القرآن": ١/ ٤٣٨، ٤٣٩.
[ ٣٦٩ ]
٣- ترك الركون إلى الكفرة والظالمين، فقد نهى الله تعالى تعالى عن ذلك فقال:
﴿وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ﴾ . [هود: ١١٣]
فإن الركون إلى الكفرة والظالمين والطواغيت، والاطمئنان إليهم والاستناد إليهم يعني إقرارهم على المنكر الأكبر الذي يزاولونه فيقهرون العباد ويعبدونهم لغير الله.. ويعني مشاركتهم في هذا المنكر الكبير. ولذلك استحق هذا الجزاء وهذا التخويف.
ولذلك كان من فضل الله تعالى على نبيه ﷺ وعلى المؤمنين من بعد -أن ثبته على الحق والدعوة، لئلا يركن إلى الظالمين ومحاولاتهم في الإغراء والمساومة والمداهنة:
﴿وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا، إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا﴾ . [الإسراء: ٧٤، ٧٥]
٤- ترك مودة أعداء الله ومحبتهم، ومفاصلتهم مفاصلة كاملة، حتى ولو كانوا من أقرب الناس نسبا وقرابة؛ فلا يجتمع في قلب مؤمن: إيمان بالله ومودة لأعدائه:
﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ . [المجادلة: ٢٢]
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ﴾ . [الممتحنة: ١]
[ ٣٧٠ ]
٥- ترك التشبه بالكفار في أفعالهم الظاهرة -فيما هو من خصائصهم- لأنها تورث نوع مودة ومحبة وموالاة في الباطن، كما أن المحبة في الباطن تورث المشابهة في الظاهر، وهذا أمر يشهد به الحس والتجربة حتى إن الرجلين إذا كانا في بلد واحد ثم اجتمعا في دار غربة كان بينهما من المودة والائتلاف أمر عظيم، وإن كانا في بلدهما لم يكونا متعارفين؛ وذلك لأن الاشتراك في نوع وصف اختصاص به عن بلد الغربة.. فإذا كانت المشابهة في أمور دنيوية تورث المحبة والموالاة، فإن المشابهة في الأمور الدينية تفضي إلى نوع من الموالاة أكثر وأشد١.
ولذلك جاء التحذير الشديد من التشبّه بالكفار؛ لئلا يكون ذلك سببا للمودة القلبية لهم، ولئلا يسقط الحاجز النفسي بين المؤمن وبين الكفار، ولئلا تتميّع شخصية الأمة المسلمة المتميزة، فتصبح تابعة لغيرها مقلدة لها، والتقليد جسر للضعف والانحلال، وسبب للسقوط والهلاك، ومسخ لمكانة المقلد، فإنه لا يقلد إلا قرد أو ببغاء٢..
وهذا التحذير من التشبه بالكفار ومتابعة سبيلهم وطريقهم تشير إليه أحاديث نبوية كثيرة، كقوله ﵊:
"لتتبِعُنَّ سَنَنَ من كان قبلكم، شبرا بشبر وذراعا بذراع، حتى لو دخلوا جُحْر ضب لدخلتموه". قالوا: اليهود والنصارى؟ قال: "فمن"؟ ١.
"من تشبَّه بقوم فهو منهم" ٢.
"ليس منا من تشبَّه بغيرنا" ٣.
_________________
(١) ١ لشيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- كتاب كامل خصصه لهذا الموضوع هو "اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم" وفيه دراسة موسعة للتشبه بالكفار وأثره على الأمة وحكمه. وقد طبع أكثر من مرة، وطبع محققا رسالة علمية للدكتور/ ناصر عبد الكريم العقل، وهذه الفقرة الموجزة مقتبسة منه. ٢ انظر ما كتبه العلامة ابن خلدون في "المقدمة" عن أن المغلوب مولع دائما بتقليد الغالب: ١/ ٢٥٨، ٢٥٩، وتحليل الأستاذ محمد أسد للتقليد وأثره في كتابه "الإسلام على مفترق الطرق" ص٧٩-٨٦. ٢ أخرجه البخاري: ٦/ ٤٩٥، ١٣/ ٣٠٠، ومسلم: ٤/ ٢٠٥٤. ٣ أخرجه أبو داود: ٦/ ٣٤، والإمام أحمد في "المسند": ٢/ ٥٠، ٩٢، وعبد بن حميد في "المنتخب" ص٢٦٧، وابن أبي شيبة في "المصنف": ٥/ ٣١٣، ٣٢٢، والطحاوي في "مشكل الآثار": ١/ ٨٨، والطبراني في "الأوسط": ٩/ ١٥١، والخطيب في "الفقيه والمتفقه": ٢/ ٧٣. وذكره ابن تيمية في "اقتضاء الصراط المستقيم": ١/ ٢٣٦، وقال: "هذا إسناد جيد"، وصححه الألباني في "إرواء الغليل": ٥/ ١٠٩. وانظر: "نصب الراية": ٤/ ٢٢٩-٢٣٠. ٤ أخرجه الترمذي: ٧/ ٤٧٢، وعزاه الهيثمي للطبراني في الأوسط، "مجمع الزوائد": ٨/ ٣٨. قال الترمذي: "هذا حديث إسناده ضعيف، وروى ابن المبارك هذا الحديث عن ابن لهيعة فلم يرفعه" فهو صحيح موقوفا.
[ ٣٧١ ]