ومن تلك المعاني اللغوية للولاء وما يتصل بها، ومن مراجعة النصوص القرآنية والحديثية وأقوال علماء السلف؛ يمكن أن نخرج بمفهوم عامّ للولاء يقوم على النصرة والتحالف والحب والطاعة وإلقاء مقاليد الأمور لمن يكون له الولاء.
فإذا كان ذلك للمؤمنين: مودة لهم ونصرة لهم على أعدائهم فهي الموالاة الشرعية التي أوجبها الله تعالى، وجعلها رابطة بين المؤمنين، حيث قال:
﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ، وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [المائدة: ٥٥، ٥٦] .
وإن كانت هذه الموالاة للكافرين والمشركين والطواغيت، فهي الخروج على الإسلام والمحادّة لله ولرسوله، ينهى الله تعالى عنها، ويحذِّر فيقول:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٥٧] .
يقول الأستاذ سيد قطب ﵀:
" والولاية التي ينهى الله الذين آمنوا أن تكون بينهم وبين اليهود والنصارى تعني التناصر والتحالف معهم، ولا تتعلق بمعنى اتباعهم في دينهم، فبعيد جدا أن يكون بين المسلمين من يميل إلى اتباع اليهود والنصارى في الدين. إنما هو ولاء التحالف والتناصر الذي كان يلتبس على المسلمين أمره، فيحسبون أنه جائز لهم، بحكم ما كان واقعا من تشابك المصالح والأواصر، ومن قيام هذه الولاء بينهم وبين جماعات من اليهود قبل الإسلام، وفي أوائل العهد بقيام الإسلام في المدينة، حتى نهاهم الله عنه، وأمر بإبطاله، بعدما تبين عدم إمكان قيام الولاء والتحالف والتناصر بين المسلمين واليهود في المدينة
وهذا المعنى معروف محدد في التعبيرات القرآنية، وقد جاء في صدد الكلام عن العلاقة بين المسلمين في المدينة والمسلمين الذين لم يهاجروا إلى دار الإسلام، فقال الله سبحانه: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾ وطبي عي أن المقصود هنا ليس الولاية في الدين؛ فالمسلم ولي المسلم في الدين على كل حال، إنما المقصود هو ولاية التناصر والتعاون، فهي التي لا تقوم بين المسلمين في دار الإسلام والمسلمين الذين لم يهاجروا إليهم.. وهذا اللون من الولاية هو الذي تمنع هذه الآيات أن يقوم بين الذين آمنوا وبين اليهود والنصارى بحال، بعدما كان قائما
[ ٣٦٣ ]
بينهم أول العهد في المدينة"١.
ويرشدك إلى هذا المعنى: أن صدر سورة الممتحنة، الذي نزل في حاطب بن أبي بلتعة -﵁- وفيه نهى الله تعالى عن موالاة أعدائه، إنما كان نهيا عن مناصرة الكفار بإلقاء شيء من أسرار النبي -ﷺ- وإفشائه، بحكم ما كان بين حاطب وبين القوم، فأراد أن يتخذ عندهم يدا.
فقد كان حاطب بن أبي بلتعة -﵁- رجلا من المهاجرين، وكان من أهل بدر أيضا، وكان له بمكة أولاد ومال، ولم يكن من قريش أنفسهم، بل كان حليفا لعثمان -﵁- فلما عزم رسول الله -ﷺ- على فتح مكة، لما نقض أهلها العهد، فأمر النبي -ﷺ- بالتجهيز لغزوهم، وقال: "اللهم عَمِّ عليهم خبرنا" فعمد حاطب، فكتب كتابا وبعثه مع امرأة من قريش إلى أهل مكة، يعلمهم بما عزم عليه رسول الله -ﷺ- من غزوهم؛ ليتخذ بذلك عندهم يدا، فأطلع الله تعالى على ذلك رسول الله، استجابة لدعائه. فبعث في أثر المرأة من أخذ الكتاب منها منها، وقال رسول الله ﷺ: "يا حاطب، ما هذا "؟ قال: لا تعجل عليَّ! إني كنت امرأ ملصقا في قريش ولم أكن من أنفسهم، وكان من معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون أهليهم بمكة، فأحببت -إذ فاتني ذلك من النسب فيهم- أن أتخذ فيهم يدا يحمون بها قرابتي، وما فعلت ذلك كفرا ولا ارتدادا عن ديني، ولا رضا بالكفر بعد الإسلام.
فقال رسول الله ﷺ: "إنه صَدَقكم"، فقال عمر ﵁: دعني أضرب عنق هذا المنافق! فقال رسول الله ﷺ: "إنه قد شهد بدرا، وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم، فقد غفرت لكم"، فأنزل الله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ ١.
_________________
(١) ١ "في ظلال القرآن": المجلد الثاني ص٩٠٩، وانظر "مجموعة التوحيد" ص١١٤، ١١٥، "مجموعة الرسائل والمسائل النجدية": ٣/ ١٠، "الإيمان" د. محمد نعيم ياسين، ص٢٢٨، ٢٢٩، "الولاء والبراء في الإسلام"، ص٩٠، "الموالاة والمعاداة": ١/ ٢٧-٥٠.
[ ٣٦٥ ]
البراء في اللغة:
الباء والراء والهمزة: أصلان إليهما ترجع فروع الباب؛ أحدهما: الخَلْق، يقال: برأ الله الخلق يبرؤهم بَرْءا. والبارئ: الله جل ثناؤه.
والأصل الآخر: التباعد عن الشيء ومزايلته. من ذلك: البُرْء، وهو السلامة من السُّقْم، يقال: بَرِئت وبَرَأت، قال تعالى: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾، وفي غير موضع من القرآن الكريم: ﴿إِنِّي بَرِيءٌ﴾ والمصدر: البراء٢.
وقال الراغب الأصفهاني: "أصل البَرْء والبَرَاء والتبرِّي: التفصِّي مما يكره مجاورته، ولذلك قيل: بَرَأْت من المرض٣، وبرأت من فلان، وتبرّأت وأبرأته من كذا، وبَرَأته، ورجل بريء، وقوم برآء وبريئون"٤.
وقال ابن الأعرابي: البريء: المتفصي من القبائح، المتنحي عن الباطل والكذب، البعيد من التهم، النقي القلب من الشرك.
وقال أيضا: يقال: برئ إذا تخلص، وبرئ: إذا تنزه وتباعد، وبرئ: إذا أعذر وأنذر. ومنه قوله تعالى: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ أي: إعذار وإنذار.
_________________
(١) ١ أخرجه الإمام أحمد والشيخان وأصحاب السنن إلا ابن ماجه. وانظر روايات القصة وألفاظها، في "تفسير ابن كثير": ٨/ ١٠٨-١١١، طبعة الشعب. ٢ "معجم مقاييس اللغة": ١/ ٢٣٦، ٢٣٧. ٣ في "المصباح المنير" للفيومي "١/ ٤٧": "بَرَأَ" من المرض "يَبْرَأ" من بابَيْ نفَع وتعِب. ٤ "مفردات القرآن" للراغب ص٤٥.
[ ٣٦٦ ]