وتزاحمت فيه الكتب على رفوف المكتبات، شيقة العنوان، جميلة التغليف.
وعندما استعرضت هذا الكتاب تذكرت يوم كنا نتلقى العلم والمعرفة من أمهات كتب العقيدة، بدءا بكتاب "التوحيد الذي هو حق الله على العبيد" وشرح أرجوزات المؤلفين في العقيدة، واستنباط آيات الأحكام في العقيدة من كتب الشوكاني وغيره، ومن الصحاح وشروحها المتعددة.
إن العقيدة هي ركيزة الإسلام الأولى، وأول أركان الإسلام -وهي الشهادة- عقيدة متفرع منها توحيد الربوبية والألوهية، ثم يتبعه توحيد الأسماء والصفات. من أجل ذلك كانت العقيدة هي الركيزة الأولى التي تعتمد عليها أركان الإسلام الخمسة، فلا أركان بلا عقيدة ولا إسلام بلا ركيزة.
والفطرة التي فطر الله الناس عليها عقيدة صافية، لا يشوبها شرك في الاعتقاد، ولا عمل يعتريه الضلال والفساد. ولذلك كان استمرار عقيدة الفطرة أمرا مطلوبا من كل موحِّد سلمت عقيدته من الدخائل المبطلة. وتلك هي الفطرة التي حدّدها قول الله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ . والعلم هنا هو الاعتقاد والمعرفة والإدراك لتلك الحقيقة العظيمة المرتبطة بحياة البشر ودينهم وأعمالهم.
وهذا الكتاب الذي يبحث في العقيدة، كتاب جمع بين دفتيه جانبين يمثلان البحث في أصول العقيدة، وتحديد النظام المنبثق عن هذه الأصول كما يشير المؤلف.
وعندما استعرضت هذا الكتاب وجدته كتابا نافعا لطالب العلم، يعرض للقضايا في سهولة ويسر، ويسعى لتقريب المفاهيم للدارسين وطلاب العلم، ويؤيد
[ ٢ ]
ذلك العرض بالدليل الناصع والمرجع النافع والأسلوب البارع، ويعتمد على حسن الدلالة ووضوح الإحالة، وذلك مطلب المتعلمين والدارسين.
لقد ألف العلماء الأجلاء في العقيدة مؤلفات شتى، تباينت في طريقة تناولها لهذا الجانب الهام في حياة المسلمين، وكلها نافع ومفيد، والحمد لله. ولكنها تتباين في طراز القارئين؛ فبعضها لا يدركه إلا العالم المتخصص، وبعضها الآخر يحتاج إلى إضافة وتحليل وشرح وتعليل!
ولقد جاء هذا الكتاب -فيما أراه- صالحا لطالب العلم الذي يبتغي معرفة الأصول ونظامها، ويحتاج إلى الشرح والتبسيط وتقريب المعرفة. وهذا نمط من التأليف لا يتهيأ لكل كاتب، ولا يتيسر لكل طالب.
وإذا كانت مصادر العقيدة معروفة مألوفة، فإن المؤلف قد استطاع أن يقرب إلى الأفهام مدلولات تسهل إثبات الحقيقة الراجعة إلى المصدر بدليل واضح، لا يحتاج إلى أدلة شارحة. وذلك ما يريده المتعلم في هذا المجال.
وإذا كان المؤلف في هذا الكتاب قد استنبط من بعض الأدلة مقاييس لم تكن قائمة في عصر السابقين، أوجدها العصر الذي نعيشه، فقد لا يوافقه البعض على جوانب مما ذكر، ولكن أمر الاجتهاد في العلم والمعرفة مفتوح، فتح بابه الإسلام لأهل العلم، وجعل مرده لكتاب الله وسنة نبيه -ﷺ- ثم لأهل العلم والمعرفة، وذلك ما قام به المؤلف؛ فإن إرجاع الرأي في العقيدة لأهل العلم -وقد أشار المؤلف إلى جمْع منهم- هو من دلائل الإجماع. ولا إخال إلا أنهم سيقيِّمون هذا الكتاب خير تقييم، والله المستعان.
وبعد:
فهذا الكتاب -كما ظهر- فيه من الجهد والتتبع والاستقصاء والاجتهاد ما يدل
[ ٣ ]
على عزم مؤلفه أن يصل به إلى التمام، وفوق كل ذي علم عليم. ومما يشرح النفس ويريح الخاطر هو اجتهاده في تتبع الأدلة وحصر الشواهد والرجوع إلى أمهات الكتب في كل موضوع يطرقه، وفي كل معنى يأتيه، والتثبّت مطلوب لكل عالم يريد لعلمه قبولا ومكانة.
أسأل الله تعالى أن يرزقنا الصواب، وأن يجنبنا الخطأ والارتياب، وأن يجعل أعمالنا عبادة الصادقين معه، المخلصين لدينه، سالمة من المؤاخذة. ونسأله أن لا يوكلنا إلى علمنا وإلى عملنا، فإنه نعم المولى ونعم النصير، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبيه محمد وآله وصحبه أجمعين.
[ ٤ ]