قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في توضيح عقيدة أهل السنة والجماعة في الأسماء والصفات: (فالأصل في الباب أن يوصف الله تعالى بما وصف به نفسه، وبما وصفته به رسله نفيًا وإثباتًا، فيثبت لله ما أثبته لنفسه، وينفى عنه ما نفاه عن نفسه.
وقد علم أن طريقة سلف الأمة وأئمتها، إثبات ما أثبته من الصفات من غير تكييف ولا تمثيل، ومن غير تحريف ولا تعطيل، وكذلك ينفون عنه ما نفاه عن نفسه - مع ما أثبته من الصفات - من غير إلحاد، لا في أسمائه ولا في آياته
فطريقتهم تتضمن إثبات الأسماء والصفات، مع نفي مماثلة المخلوقات، إثباتًا بلا تشبيه، وتنزيهًا بلا تعطيل، كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] ففي قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ رد للتشبيه والتمثيل، وقوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ رد للإلحاد والتعطيل) (^١).
وقال أيضًا: (ومن الإيمان بالله الإيمان بما وصف به نفسه في كتابه ووصفه به رسوله محمد ﷺ من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، بل يؤمنون بأن الله ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، فلا ينفون عنه ما وصف به نفسه، ولا يحرفون الكلم عن مواضعه، ولا يلحدون في أسماء الله وآياته ولا يكيفون ولا يمثلون صفاته بصفات خلقه، لأنه سبحانه لا سمي له ولا كفو له ولا ند له ولا يقاس بخلقه ﷾، فإنه ﷾ أعلم بنفسه وبغيره وأصدق قيلا وأحسن حديثا من خلقه
- ثم ذكر ﵀ بعض الآيات التي تدل على الصفات، ومنها الآيات التي تدل على صفة المحبة لله ﷿ فقال: -
وقوله تعالى: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ٩٥]، ﴿وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٩)﴾ [الحجرات: ٢٢]، ﴿دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ﴾ [المائدة: ٥٤]، ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (١٤)﴾ [البروج: ١٤]، ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١] وغيرها من الآيات (^٢).
_________________
(١) التدمرية، ابن تيمية، ص ٧.مجموع الفتاوى لابن تيمية، ص (٤/ ٢).
(٢) العقيدة الواسطية، لابن تيمية، ضمن مجموع الفتاوى ص (٣/ ١٢٩ - ١٣٠، ١٣٢)، انظر التوحيد لابن مندة، ص (٣/ ٢٠٤ - ٢٣٨).
[ ٦ ]
(والشاهد من هذه الآيات الكريمة: أن فيها إثبات المحبة والمودة لله سبحانه وأنه يُحِب ويُوِد بعض الأشخاص والأعمال والأخلاق
وفيها إثبات المحبة من الجانبين جانب العبد وجانب الرب ﴿بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ﴾، وقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾، ففي ذلك الرد على من نفى المحبة من الجانبين كالجهمية (^١) والمعتزلة (^٢)، فقالوا: لا يُحِب ولا يُحَب، وأولوا محبة العباد له بمعنى محبتهم عبادته وطاعته، ومحبته للعباد بمعنى إحسانه إليهم وإثابتهم ونحو ذلك، وهذا تأويل باطل؛ لأن مودته ومحبته ﷾ لعباده على حقيقتها كما يليق بجلاله كسائر صفاته، ليستا كمودة ومحبة المخلوق) (^٣).
وقد جاء في السنة أحاديث كثيرة في إثبات صفة المحبة لله ﷿ منها حديث سهل بن سعد ﵁: أن رسول الله ﷺ قال يوم خيبر: «لأعطين الراية غدًا رجلًا يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله» الحديث (^٤).
فالكتاب والسنة وإجماع المسلمين: أثبتت محبة الله لعباده المؤمنين، ومحبتهم له وقد أجمع سلف الأمة وأئمتها على إثبات محبة الله تعالى لعبادة المؤمنين ومحبتهم له (^٥).
قال ابن القيم (^٦) - ﵀ -:
وله الإرادة والكراهة والرضى وله المحبة وهو ذو الإحسان (^٧)
_________________
(١) الجهمية: أصحاب الجهم بن صفوان، وهو من الجبرية الخالصة ظهرت بدعته بترمذ، وقتله مسلم بن أحوز بمرو في آخر ملك بني أمية، وافق المعتزلة في نفي الصفات الأزلية وزاد عليهم بأشياء وزعم أن الجنة والنار تبيدان وتفنيان، وأن الإيمان هو المعرفة بالله فقط. انظر: الملل والنحل للشهرستاني، ص ٣٦، والفرق بين الفرق للبغدادي، ص ١٩٤.
(٢) المعتزلة: هم أتباع واصل بن عطاء وعمرو بن عبيد، وسموا بذلك لما اعتزلوا مجلس الحسن البصري ﵀، وأصول اعتقادهم خمس، العدل، والتوحيد، والوعد والوعيد، والمنزلة بين المنزلتين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. انظر: الفرق بين الفرق ص ١١٢، الملل والنحل ص ٢١.
(٣) شرح العقيدة الواسطية، صالح الفوزان، ص ٤٥.
(٤) رواه البخاري، كتاب المغازي، باب غزوة خيبر ص (٥/ ٧٦).
(٥) مجموع الفتاوى ص (٢/ ٣٥٤).
(٦) هو محمد بن أبي بكر بن سعد بن حريز الزرعي ثم الدمشقي الفقيه الحنبلي بل المجتهد المطلق، المفسر النحوي الأصولي، الملقب بشمس الدين، والمعروف بابن قيم الجوزية، والجوزية مدرسة كان أبوه قيمًا عليها، ولد سنة ٦٩١ هـ، وتوفي سنة ٧٥١ هـ. أنظر البداية والنهاية لابن كثير (١٤/ ٢٤٦)، شذرات الذهب (٦/ ١٦٨).
(٧) نونية ابن القيم ص ٣٧.
[ ٧ ]
(وهذه المحبة حق كما نطق بها الكتاب والسنة، والذي عليه سلف الأمة وأئمتها وأهل السنة والحديث وجميع مشايخ الدين المتبعون، وأئمة التصوف أن الله ﷾ محبوب لذاته محبة حقيقية، بل هي أكمل محبة، فإنها كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥]، وكذلك هو سبحانه يحب عباده المؤمنين محبة حقيقية) (^١).
فمذهب السلف رضوان الله عليهم: هو أن يُوصف الله بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله، ويصان ذلك عن التحريف والتمثيل والتكييف والتعطيل، فإن الله ليس كمثله شيء لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله (^٢).
و(لما سئل الإمام مالك بن أنس (^٣) - رحمه الله تعالى - فقيل له: يا أبا عبد الله، ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ [الأعراف: ٥] كيف استوى؟ فأطرق مالك وعلاه الرحضاء - يعني العرق -، وانتظر القوم ما يجيء منه فيه، فرفع رأسه إلى السائل وقال: (الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وأحسبك رجل سوء). وأمر به فأخرج (^٤).
وهذا الجواب من مالك - ﵀ - في الاستواء شاف كاف في جميع الصفات، مثل النزول والمجيْ، واليد والوجه، وغيرها.
وهكذا يقال في سائر الصفات، إذ هي بمثابة الاستواء الوارد به الكتاب والسنة) (^٥).
_________________
(١) مجموع الفتاوى (١٠/ ٦٦).
(٢) مجموع الفتاوى، ص (٦/ ٥١٥).
(٣) هو مالك بن أنس بن مالك الأصبحي الحميري، أبو عبد الله، أمام دار الهجرة، وأحد الأئمة الأربعة، وإليه تنسب المالكية، توفي سنة ١٧٩ هـ. انظر شذرات الذهب (١/ ٢٨٩)، الأعلام (٥/ ٢٥٧)، صفة الصفوة لابن الجوزي ص (٢/ ٥٠٣).
(٤) شرح اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائي ص ٣٨٩، وصحح اسناده الذهبي في العلو ص ١٤١.
(٥) مجموع الفتاوى، ص (٤/ ٤).
[ ٨ ]