أولا: دنو الشمس من الخلق بقدر ميل أو ميلين، فيعرق
_________________
(١) أخرجه البخاري كتاب أحاديث الأنبياء، باب قوله تعالى: (واتخذ الله إبراهيم خليلا)، رقم (٣٣٤٩) ومسلم، كتاب الجنة، باب فناء الدنيا رقم (٢٨٦٠) عن ابن عباس ﵄.
[ ٦١ ]
الناس بقدر أعمالهم، منهم من يصل عرقه إلى كعبيه، ومنهم من يلجمه، ومنهم من بين ذلك، ومن الناس من يسلم من الشمس، فيظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، مثل الشاب إذا نشأ في طاعة الله، والرجل المعلق قلبه بالمساجد.
ثانيا: الموازين - جمع ميزان - يضعها الله لتوزن فيها أعمال العباد، فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم في جهنم خالدون. والميزان حقيقي له كفتان خلافًا للمعتزلة القائلين بأنه العدل لا ميزان حقيقي. وقد ذكر في القرآن مجموعًا وفي السنة مجموعًا ومفردًا، فقيل: إنه ميزان واحد، وجمع باعتبار الموزون، وقيل: متعدد بحسب الأمم أو الإفراد، وأفرد باعتبار الجنس.
ثالثا: نشر الدواوين - أي فتحها - وتوزيعها، وهي صحائف الأعمال التي كتبتها الملائكة على الإنسان قال الله تعالى: (وَكُلَّ إنسان ألزمناه طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَأمة كِتَابا يَلْقَاهُ مَنْشُورا*اقرأ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبا) (الإسراء: ١٣ - ١٤). فآخذ كتابه بيمينه وهو المؤمن، وآخذ
[ ٦٢ ]
كتابه بشماله أو من وراء ظهره لقوله تعالى: (فَأما مَنْ أوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابا يَسِيرا *وَيَنْقَلِبُ إلى أهلهِ مَسْرُورا *وَأما مَنْ أوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ * فسوف يدعو ثبورًا وَيَصْلَى سَعِيرا) (الانشقاق: ٧ - ١٢). وفي آية أخرى: (وَأما مَنْ أوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أوتَ كِتَابِيَهْ) (الحاقة: ٢٥). والجمع بين هذه والتي قبلها إما باختلاف الناس، وأما بكون الذي يأخذها بشماله تخلع يده من وراء ظهره.
رابعا: الحساب وهو محاسبة الخلائق على أعمالهم، وكيفيته بالنسبة للمؤمن أن الله يخلو به فيقرره بذنوبه، ثم يقول (قد سترتها عليك في الدنيا وأنا اغفرها لك اليوم) (١). وأما بالنسبة للكافر فإنه يوقف على عمله ويقرر به، ثم ينادى على رؤوس الأشهاد: هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين. (٢)
_________________
(١) أخرجه البخاري كتاب المظالم، باب (ألا لعنة الله على الظالمين) رقم (٢٤٤١) ومسلم كتاب التوبة، باب قبول توبة القاتل وان كثر قتله رقم (٢٧٦٨) عن ابن عمر ﵄.
(٢) انظر التخريج السابق.
[ ٦٣ ]
وأول ما يحاسب عليه العبد من حقوق الله الصلاة (١). وأول ما يقضى بين الناس الدماء (٢). ومن الناس من يدخل الجنة بلا حساب، وهم الذين لا يسترقون، ولا يكتوون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون، ومنهم عكاشة بن محصن ﵁ (٣).
خامسا: الحوض المورود للنبي ﷺ في عرصات القيامة - أي مواقفها - يرده المؤمنون من أمته ومن شرب منه لم يظمأ أبدًا، طوله شهرًا وعرضه شهر، وآنيته كنجوم السماء، وماؤه أشد بياضًا من اللبن، وأحلى من العسل، وأطيب من رائحة المسك. ولكل نبي حوض يرده المؤمنون من أمته، لكن الحوض الأعظم حوض النبي ﷺ.
_________________
(١) أخرجه أبو داو ود (٨٦٤) والترمذي (٤١٣) والنسائي (١/ ٢٣٢) وابن ماجة (١٤٢٥) عن أبى هريرة ﵁.
(٢) أخرجه الترمذى (١٣٩٦) عن عبد الله ابن مسعود ﵄ وقال: حسن صحيح.
(٣) أخرجه البخاري (٦٥٤١) ومسلم (٢٢٠) عن ابن عباس ﵄.
[ ٦٤ ]
وقد أنكر المعتزلة وجود الحوض، وقولهم مردود بما تواترت به الأحاديث من إثباته.
سادسا: الصراط وهو الجسر المنصوب على جهنم أدق من الشعر وأحد من السيف (١)
عليه كلاليب تخطف الناس بأعمالهم، يمرون عليه على قدر أعمالهم، فمنهم من يمر كلمح البصر، ومنهم من يمر كالبرق، ومنهم من يمر كالريح، ومنهم من يمر كالفرس الجواد، ومنهم من يمر كركائب الإبل ومنهم من يعدو عدوًا ومنهم من يمشي مشيًا ومنهم من يزحف زحفًا، ومنهم من يخطف فيلقى في النار فيعذب بقدر عمله (٢). فإذا عبروا الصراط وقفوا على قنطرة بين الجنة والنار، فيقتص لبعضهم من بعض قصاصًا تزول به الأحقاد والبغضاء ليدخلوا الجنة إخوانًا متصافين.
سابعا: الشفاعة وهي التوسط للغير بجلب المنفعة أو دفع
_________________
(١) أخرجه مسلم (١٨٣) عن أبى سعيد الخدري قال: بلغني أن الجسر أدق من الشعر وأحد من السيف.
(٢) أخرجه البخاري (٧٤٣٩) ومسلم (١٨٣) عن أبى سعيد الخدري.
[ ٦٥ ]
مضرة، ولا تكون إلا بإذن الله للشافع ورضاه عن المشفوع له.
وتنقسم إلى قسمين: خاصة بالنبي ﷺ، وعامة له ولغيره من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.
فالخاصة بالنبي ﷺ ذكر المؤلف منها نوعين:
الأول: الشفاعة العظمى، حيث يشفع في أهل الموقف إلى الله ليقضي بينهم، بعد أن تطلب الشفاعة من آدم فنوح فإبراهيم فموسى فعيسى عليهم الصلاة والسلام فلا يشفعون، حتى تنتهي إلى النبي ﷺ فيشفع فيقبل الله منه (١). وهذا من المقام المحمود الذي وعده الله بقوله: (عَسَى أن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مقامًا مَحْمُودا) (الإسراء: الاية٧٩).
الثاني: شفاعته في أهل الجنة أن يدخلوها.
وأما العامة فذكر المؤلف منها نوعين:
الأول: الشفاعة في من استحق النار من المؤمنين ألا يدخلها.
الثاني: الشفاعة في من دخلها منهم أن يخرج منها.
وهذان النوعان ينكرهما المعتزلة والخوارج بناء على
_________________
(١) أخرجه البخاري (٤٧١٢) ومسلم (١٩٤) عن أبى هريرة ﵁.
[ ٦٦ ]
قولهم: أن فاعل الكبيرة مخلد في النار فلا تنفعه الشفاعة. ويخرج الله أقوامًا من النار بغير شفاعة بل بفضله ورحمته، ويبقى في الجنة فضل عمن دخلها من أهل الدنيا فينشئ الله لها أقوامًا فيدخلهم الجنة.