الإيمان بالقضاء والقدر واجب، ومنزلته من الدين أنه أحد أركان الإيمان الستة، لقول النبي ﷺ: الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن القدر خيره وشره.
ومعنى الإيمان بالقضاء والقدر: أن تؤمن بأن كل ما في الكون من موجودات ومعدومات، عامة وخاصة، فأنه بمشيئة الله وخلقه، وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك وما أخطأك لم يكن ليصيبك.
درجات الإيمان بالقضاء والقدر:
للإيمان بالقدر درجتان كل درجة تتضمن شيئين:
فالدرجة الأولى تتضمن العلم والكتابة، ودليلها قوله تعالى: (الَمْ تَعْلَمْ أن اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالأرض أن ذَلِكَ
[ ٦٧ ]
فِي كِتَابٍ إن ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ) (الحج: ٧٠). فالعلم أن تؤمن بعلم الله المحيط بكل شيء جملةً وتفصيلًا. والكتابة هي أن تؤمن بأن الله كتب مقادير كل شيء في اللوح المحفوظ بحسب علمه. وهي أنواع:
النوع الأول: الكتابة في اللوح المحفوظ قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، ودليلها قوله ﷺ: (أن الله لما خلق القلم قال له: اكتب. قال: رب ماذا اكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة) (١).
النوع الثاني: الكتابة العمرية، وهي ما يكتبه الملك الموكل بالأرحام على الجنين في بطن أمه إذا تم له أربعة أشهر، فيؤمر المَلَك بكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أم سعيد، ودليله حديث ابن مسعود ﵁ الثابت في الصحيحين (٢).
_________________
(١) أخرجه الإمام احمد (٥/ ٣١٧) وأبو داوود كتاب السنة، باب في القدر رقم (٤٧٠٠) والترمذي كتاب القدر رقم (٢١٥٥) والحاكم (٢/ ٤٩٨) وصححه.
(٢) البخاري (٣٢٠٨) ومسلم (٢٦٤٣).
[ ٦٨ ]
وهذه الدرجة ينكرها غلاة القدرية قديمًا.
وأما الدرجة الثانية فتتضمن شيئين: المشيئة والخلق، ودليل المشيئة قوله تعالى: (وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ) (إبراهيم: الاية٢٧). ودليل الخلق قوله تعالى: (الله خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ) (الزمر: الاية٦٢).
فأما المشيئة فهي أن تؤمن بمشيئة الله العامة، وأن ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، سواء في ذلك أفعاله وأفعال الخلق، كما قال تعالى في أفعاله: (وَلَوْ شِئْنَا لَاتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا) (السجدة: الاية١٣). وقال في أفعال الخلق: (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ) (الأنعام: الاية١١٢). وأما الخلق فهو أن تؤمن أن الله خالق كل شيء سواء مما فعله أو فعله عباده. دليل الخلق في فعله قوله تعالى: (إن رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاواتِ وَالأرض فِي سِتَّةِ ايَّامٍ) (الأعراف: الاية٥٤). ودليل الخلق في أفعال العباد قوله تعالى: (وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ) (الصافات: ٩٦). ووجه كونه خالقًا لأفعال العباد أن فعل العبد لا يصدر إلا عن إرادة وقدرة، وخالق إرادة العبد وقدرته هو الله.
[ ٦٩ ]