سبق أن صفات الله الثبوتية: هي التي أثبتها الله لنفسه، والسلبية: هي التي نفاها عن نفسه، وان كل صفة سلبية فإنها تتضمن صفة مدح ثبوتية. وقد ذكر المؤلف ﵀ آيات كثيرة في الصفات السلبية منها: (هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّا) (مريم: الاية٦٥) (وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوا أحد) (الإخلاص: ٤). (فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ اندَادا) (البقرة: الاية٢٢). والسمي والكفء والند معناها متقارب وهو الشبيه والنظير، ونفي ذلك عن الله يتضمن انتفاء ما ذكر
[ ٣١ ]
وإثبات كماله حيث لا يشابهه أحد لكماله. ومنها قوله تعالى: (وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرا) (الإسراء: ١١١). فأمر الله بحمده لانتفاء صفات النقص عنه وهي اتخاذ الولد، ونفيه عن الله يتضمن مع انتفائه كمال غناه. ونفي الشريك عن الله يتضمن كمال وحدانيته وقدرته، ونفي الولي عنه من الذل يتضمن كمال عزه وقهره. ونفي الولي هنا لا ينافي إثباته في موضع آخر كقوله تعالى: (اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ امَنُوا) (البقرة: الاية٢٥٧). وقوله: (ألا أن أولِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ) (يونس: الاية٦٢). لأن الولي المنفي هو الولي الذي سببه الذل، أما الولي بمعنى الولاية فليس بمنفي. ومنها قوله تعالى: (يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض) (الجمعة: الاية١). والتسبيح تنزيه الله عن النقص والعيب، وذلك يتضمن كمال صفاته.
وفي الآية دليل على أن كل شيء يسبح الله تسبيحًا حقيقيًا بلسان الحال والمقال إلا الكافر؛ فإن تسبيحه بلسان الحال فقط؛ لأنه يصف الله بلسانه بما لا يليق بالله ﷿.
[ ٣٢ ]
ومنها قوله تعالى: (مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَان مَعَهُ مِنْ الَهٍ إذًا لَذَهَبَ كُلُّ الَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَان اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ) (المؤمنون: ٩١). ففي هذه الآية نفي اتخاذ الولد ونفي تعدد الآلهة، وتنزيه الله عما وصفه به المشركون، وهذا يتضمن مع انتفاء ما ذكر كمال الله وانفراده بما هو من خصائصه، وقد برهن الله على امتناع تعدد الآلهة ببرهانين عقليين:
أحدهما: لو كان معه إله لانفرد عن الله بما خلق. ومن المعلوم عقلًا وحِسًا أن نظام العالم واحد لا يتصادم ولا يتناقض، وهو دليل على أن مدبره واحد.
والثاني: لو كان مع الله إله آخر لطلب أن يكون العلو له، وحينئذٍ إما أن يغلب أحدهما الآخر فيكون هو الإله، وإما أن يعجز كل منهما عن الآخر فلا يستحق واحد منهما أن يكون إلهًا، لأنه عاجز. ومنها قوله تعالى: (قُلْ إنما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأن تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ) (الأعراف: ٣٣). وهذه المحرمات
[ ٣٣ ]
الخمس أجمعت عليها الشرائع، وفيها إثبات الحكمة وإثبات الغيرة له لأنه حرم هذه الأمور. ومعنى قوله: (مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانا) أي ما لم ينزل به دليلًا، وهو قيد لبيان الواقع؛ لأنه لا يمكن أن يقوم الدليل على الإشراك بالله، وعلى هذا فلا مفهوم له.
وفي هذه الآية رد على المشبهة في قوله: (وَان تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانا) لأن المشبهة أشركوا به حيث شبهوه بخلقه. وفيها رد على المعطلة في قوله تعالى: (وَأن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ) لان المعطلة قالوا على الله مالا يعلمون، حيث نفوا صفاته عنه بحجج باطلة، وهذا هو وجه مناسبة ذكر هذه الآية في العقيدة.