الحمد لله، هذا البحث في الحقيقة هو نتيجة البحث في الإيمان من حيث مسماه وتعريفه، وأركانه وزيادته ونقصانه، بل وعلاقته بالإسلام في حالي الاجتماع والافتراق.
وبين يدي ذلك أمهد بتمهيد إجمالي حول معنى الإيمان عند أهل السنة ومخالفيهم كما وصف شيخ الإسلام ابن تيمية قولهم في الإيمان في «العقيدة الواسطية» بأنهم وسط في باب أسماء الإيمان والدين بين الحرورية والمعتزلة، وبين المرجئة والجهمية.
* فالإيمان عند أهل السنة والجماعة: قول باللسان وعمل بالأركان واعتقاد بالجنان، يزيد بطاعة الرحمن، وينقص بمعصيته وطاعة الشيطان.
* أما الإيمان عند الوعيدية من الخوارج الحرورية والمعتزلة: فهو قول وعمل واعتقاد لا يزيد ولا ينقص، بل هو كلٌّ إذا زال بعضه زال جميعه.
_________________
(١) وانظر بحث مفهوم الإيمان عند السلف وغيرهم للعبد الفقير (١٠١-١٠٥) .
[ ٣٨ ]
ولذا فالخوارج يكفِّرون بالذنب في الدنيا، ويخلدون صاحبه في النار في الآخرة. والمعتزلة لا يجعلون مؤمنًا في الدنيا؛ بل إنه في منزلة بين المنزلتين، فهو خرج من الإيمان ولما يدخل إلى الكفر، لكنهم يخلدونه في الآخرة في النار، موافقين في الحكم الأخروي الخوارج.
* أما الطرف الآخر فهم المرجئة، وهو على مراتب في انحرافهم في الإيمان والكفر.
١-فغلاتهم، وهم الجهمية، فالإيمان عندهم هو معرفة الله، وبالتالي الكفر هو: الجهل بالله؛ فيكون إبليس وفرعون ونحوهم مؤمنون، وهذا أقبح المذاهب في الإيمان، وهم المرجئة المحضة الخالصة.
٢-والأشاعرة والمتكلمون، الإيمان عندهم هو تصديق القلب. فيكون الكفر هو التكذيب ومازاد عليه كالجحود.
٣-والكرّامية فالإيمان عندهم: قول اللسان. والكفر عندئذ بعدمه!
٤-وأخف طوائف المرجئة: مرجئة الفقهاء، أو مرجئة العراق وهم من قالوا إن الإيمان: قول اللسان وتصديق القلب فقط. فخطؤهم في إخراج العمل من الإيمان.
وبين المذهبين الأخيرين قول أبي منصور الماتريدي، وهو رواية عن أبي حنيفة أن قول اللسان ركن زائد، ليس بأصلي، والأصلي اعتقاد القلب فقط!
فلابد لك- أيها القارئ- من فهم قول أهل السنة وقول مخالفيهم حقًا لتحذره وتسلم منه قولًا وعملًا وقصدًا.