السُّنَّة بالضم وفتح النون المشددة في اللغة: الطريقة، والسنة: السيرة حميدة كانت أم ذميمة، والجمع سُنن (١) . ومنه قوله (: «من سنَّ في الإسلام سنَّة حسنة فعمل بها بعده كتب له مثل أجر من عمل بها ولا ينقص من أجورهم شيء، ومن سنَّ في الإسلام سنَّة سيئة.. الحديث» (٢) .
وتطلق السنَّة ويراد بها: الطريقة المحمودة، فقد جاء في اللسان: (السنة: الطريقة المحمودة المستقيمة؛ ولذلك قيل فلان من أهل السنة معناه: من أهل الطريقة المستقيمة المحمودة) (٣) .
والسنة في الشرع تطلق على عدة معان:
تطلق على سيرة الرسول - ﷺ -، يقول ابن
_________________
(١) انظر: «المصباح المنير» مادة سن: (١/٣١٢) .
(٢) رواه مسلم في كتاب العلم، باب (من سن سنّة حسنة أو سيئة): (٨/٦١) .
(٣) «لسان العرب» مادة سن: (١٧/٩٠) .
[ ١ / ٢٣ ]
فارس (١): (وسنة رسول الله - ﷺ - وسيرته) (٢) .
وتطلق في اصطلاح المحدثين على (ما جاء عن النبي - ﷺ - من أقواله وأفعاله وتقريره وما همَّ بفعله) (٣) .
وللسنّة عند الأصوليين اصطلاح (٤)، وعند الفقهاء اصطلاح (٥) .
ومرد هذا الاختلاف في الاصطلاح إلى اختلاف الأغراض والتخصصات التي تعني بها كل فئة من أهل العلم.
ولا يعنينا تتبع جميع تلك الاصطلاحات، إنما يعنينا أن نعرف بمصطلح «السنة» أو «أهل السنة» كدلالة على اتجاه معين في الاعتقاد.
يقول ابن رجب (٦) - ﵀ -: (السنة: طريقة النبي - ﷺ - التي كان عليها هو وأصحابه السالمة من الشبهات والشهوات،
_________________
(١) أحمد بن فارس بن زكريا القزويني الرازي أبو الحسين، من أئمة اللغة والأدب، له تصانيف، منها: «مقاييس اللغة»، و«جامع التأويل في تفسير القرآن»، كان مولده سنة ٣٢٩هـ، وتوفي سنة ٣٩٥هـ. انظر «وفيات الأعيان» لابن خلكان: (١/١١٨، ١١٩) .
(٢) «معجم مقاييس اللغة» مادة سن: (٣/٦١)، «مختار الصحاح»: ص ٣١٧.
(٣) ابن حجر: «فتح الباري»: (١٣/٢٤٥)، الجزائري: «توجيه النظر»: ص ٣.
(٤) انظر: الفتوحي «مختصر التحرير»: ص ٣٠، الشوكاني: «إرشاد الفحول»: ص ٣٣.
(٥) انظر: «تهذيب الأسماء واللغات» للنووي: قسم ٢ جـ١ ص ١٥٦، «شرح الكوكب المنير»: (ص ١٢٥، ١٢٦) .
(٦) هو عبد الرحمن بن أحمد بن رجب السلامي البغدادي ثم الدمشقي أبو الفرج زين الدين، حافظ للحديث من كبار العلماء، ولد في بغداد سنة ٧٠٦هـ، وتوفي في دمشق سنة ٧٩٥هـ، ومن آثاره «القواعد الفقهية» و«ذيل طبقات الحنابلة»: انظر: ابن حجر «الدرر الكامنة»: (٢/٤٢٨، ٤٢٩)، «الإعلام»: (٣/٦٧) .
[ ١ / ٢٤ ]
ثم صار معنى السنة في عرف كثير من العلماء المتأخرين (١) من أهل الحديث وغيرهم: عبارة عما سلم من الشبهات في الاعتقادات خاصة في مسائل الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وكذلك في مسائل القدر وفضائل الصحابة، وصنفوا في هذا العلم تصانيف وسموها كتب السنة (٢)، وإنما خصوا هذا العلم باسم السنة لأن خطره عظيم، والمخالف فيه على شفا هلكة) (٣) .
وكذا قال الألوسي (٤) - ﵀ -: (السنة في الأصل تقع على ما كان عليه رسول الله - ﷺ -، وما سنه أو أمر به من أصول الدين وفروعه حتى الهَدْي والسمت، ثم خصت في بعض الإطلاقات بما كان عليه أهل السنة من إثبات الأسماء والصفات خلافًا للجهمية المعطلة النفاة، وخصت بإثبات القدر ونفي الجبر خلافًا للقدرية النفاة وللقدرية الجبرية العصاة.
وتطلق - أيضًا - على ما كان عليه السلف الصالح في مسائل الإمامة والتفضيل، والكف عما شجر بين أصحاب رسول الله - ﷺ -.
_________________
(١) يلاحظ أن تخصيص مفهوم السنّة في أصول الاعتقاد بدأ في عصر متقدم؛ فالإمام ابن أبي عاصم (المتوفى سنة ٢٨٧هـ) يعرف السنة بمسائل العقيدة، انظر: «السنة» لابن أبي عاصم: (٢/٦٤٥، ٦٤٧) .
(٢) سيأتي - إن شاء الله - ذكره لهذه الكتب في مبحث مصادر أهل السنّة.
(٣) ابن رجب: «كشف الكربة»: (ص ١١، ١٢) .
(٤) هو علامة العراق في زمنه، أبو المعالي محمود شكري بن عبد الله بن شهاب الدين محمود الألوسي الحسيني، مؤرخ وعالم بالدين والأدب، ومن الدعاة إلى الإصلاح. ولد في رصافة بغداد عام ١٢٧٣هـ، وتوفي ببغداد عام ١٣٤٢هـ. له ٥٢ مصنفًا بين كتاب ورسالة، منها: «بلوغ الأرب في أحوال العرب»، و«المسك الأذفر»، و«غاية الأماني» وغيرها. انظر: «أعلام العراق»: (ص ٨٦ - ٢٤١)، «الأعلام»: (٨/٤٩، ٥٠) .
[ ١ / ٢٥ ]