ومطابع الروافض تقذف سنويًا مجموعة كبيرة من الكتب والرسائل التي تحوي فيما تحوي ذلك اللون؛ وهو: الاحتجاج لمذهب الشيعة من طريق السنة، وبهذه الوسيلة يضلون قومهم عن سواء السبيل.
أما وسائلهم وطرقهم الخفية في الاحتجاج من طريق السنّة وتلك نبه إليها العلماء الأعلام - كما أسلفنا - فهذا ما سنشير إلى بعضه فيما يلي:
١- يقول الشيخ عبد الله السويدي - ﵀ -:
إن بعض علمائهم اشتغلوا بعلم الحديث وسمعوا الأحاديث من ثقات المحدثين من أهل السنّة وحفظوا أسانيد أهل السنّة الصحيحة، وتحلّوا في الظاهر بحلي التقوى والورع، بحيث كانوا يعدون من محدثي أهل السنّة، فكانوا يروون الأحاديث صحاحًا وحسانًا، ثم أدرجوا في تلك الأحاديث موضوعات مطابقة لمذهبهم، وقد ضل بذلك كثير من خواص أهل السنّة فضلًا عن العوام، ولكن قيض الله بفضله أئمة أهل الحديث فأدركوا الموضوعات فنصوا على وضعها فتبين حالها حينئذ والحمد لله على ذلك.
وقد أقرت طائفة منهم بالوضع بعدما انكشف حالهم.. وتلك الأحاديث الموضوعة موجودة إلى الآن في المعاجم والمصنفات وقد تمسك بها أكثر التفضيلية (١) والمتشيعة (٢) .
ويذكر الألوسي في حديثه عن هذه الوسيلة في كتابه «السيوف
_________________
(١) التفضيلية أو المفضلة هم الذين يفضلون عليًّا على أبي بكر وعمر من الزيدية وغيرهم انظر التسعينية: لابن تيمية: ص ٤٠.
(٢) عبد الله السويدي «نقض عقائد الشيعة» وهو مخطوط غير مرقم الصفحات وبالعد ينظر ص ٢٥ - ٢٦ وانظر: «مختصر الصواعق»: ص ٥٠ (مخطوط) و«مختصر التحفة»: ص ٣٢.
[ ١ / ٦١ ]
المشرقة» أن ممن استخدم هذه الوسيلة "جابر الجعفي" (١)، وأنه قد روى عنه في بعض كتب السنّة كسنن الترمذي وأبي داود والنسائي (٢) روايات لم ينفرد هو بها (٣) .
٢- ويقول الألوسي في «مختصر التحفة الاثني عشرية»:
(ومن مكايدهم أنهم ينظرون في أسماء المعتبرين عند أهل السنّة، فمن وجدوه موافقًا لأحد منهم في الاسم واللقب أسندوا رواية حديث ذلك الشيعيّ إليه، فمن لا وقوف له من أهل السنّة يعتقد أنه إمام من أئمتهم فيعتبر قوله ويعتد بروايته، كالسدي: فإنهما رجلان: أحدهما السدي الكبير، والثاني السدي الصغير، فالكبير (٤) من ثقات أهل السنّة، والصغير من الوضاعين الكذابين وهو رافضي غال (٥)، وكابن قتيبة
_________________
(١) جابر بن يزيد بن الحارث الجعفي الكوفي أحد علماء الشيعة، توفي سنة سبع وستين ومائة، قال ابن حبان: كان سبئيًا من أصحاب عبد الله بن سبأ، كان يقول إن عليًّا يرجع إلى الدنيا، وروى العقيلي بسنده عن زائدة أنه قال: جابر الجعفي رافضي يشتم أصحاب رسول الله - ﷺ -، وقال النسائي وغيره: متروك، وقال يحيى: لا يكتب حديثه ولا كرامة. انظر: «ميزان الاعتدال»: (جـ١/ ص ٣٧٩) وما بعدها.
(٢) وفي «ميزان الاعتدال» أشار إلى أنه روى له (أبو داود والترمذي وابن ماجه، ولم يذكر النسائي، كما ذكر أن أبا داود لم يخرج له إلا حديثًا واحدًا في باب سجود السهو)، «ميزان الاعتدال»: (جـ١/ص ٣٧٩، ٣٨٣) ترجمة جابر الجعفي، الذهبي: «الكاشف»: (١/٧٧)، ابن حجر: «تقريب التهذيب»: (١/١٢٣) .
(٣) الألوسي: «السيوف المشرقة»: ص ٥٠ (مخطوط) .
(٤) إسماعيل بن عبد الرحمن السدي، تابعي، حجازي، سكن الكوفة أخرج له مسلم وأصحاب السنن، توفي سنة ١٢٧هـ. انظر: الخلاصة: ص ٣٥، «الكاشف»: (١/١٢٧) .
(٥) محمد بن مروان بن عبد الله بن إسماعيل بن عبد الرحمن الكوفي، وهو كذاب وضاع عند أهل السنّة. انظر: «الجرح والتعديل»: (٨/٨٦)، «تقريب التهذيب»: (٢/٢٠٦)، الخلاصة: ص ٣٥٨، وانظر ترجمته في كتب الروافض مثل: «الكنى والألقاب»، للقمي: (٢/٢٨٤، ٢٨٥) .
[ ١ / ٦٢ ]
رجلان: أحدهما: عبد الله بن قتيبة رافضي غال، وعبد الله بن مسلم بن قتيبة (١) من ثقات أهل السنّة، وقد صنف كتابًا سماه بـ «المعارف» فصنف ذلك الرافضي كتابًا وسماه بـ «المعارف» أيضًا قصدًا للإضلال) (٢) .
ومن ذلك محمد بن جرير الطبري رجلان أحدهما الإمام السنّي المشهور صاحب التفسير والتاريخ (٣) والآخر محمد بن جرير بن رستم الطبري من أئمة الروافض (٤)، وهناك رافضي آخر يسمى بأبي
_________________
(١) هو: أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري، توفي ببغداد عام ٢٧٦هـ وكان مولده سنة ٢١٣هـ، له مؤلفات كثيرة منها، «تأويل مختلف الحديث» و«المعارف»، و«الرد على الشعوبية»، و«مشكل القرآن» وغيرها. انظر: «تاريخ بغداد»: (١٠/١٧٠ - ١٧١)، «إنباه الرواة»: (٢/١٤٣ - ١٤٧)، «الأعلام»: (٤/٢٨٠) .
(٢) «مختصر التحفة الاثني عشرية»: ص ٣٢ (بتصرف يسير)، وانظر: «مختصر الصواقع»: ص ٥١ (مخطوط)، والسويدي «نقض عقائد الشيعة»: ص ٢٥ (مخطوط) .
(٣) محمد بن جرير زيد الطبري أبو جعفر، المؤرخ المفسر الإمام، ولد في آمل طبرستان في ٢٢٤هـ واستوطن ببغداد وتوفي بها في ٣١٠هـ، ومن مؤلفاته «جامع البيان في تفسير القرآن» والمشهور «بتفسير الطبري»، و«أخبار الرسل والملوك» والمعروف بـ «تاريخ الطبري»، و«اختلاف الفقهاء» وغيرها، انظر ترجمته في «تاريخ بغداد»: (٢/١٦٢)، «البداية والنهاية»: (١١/١٤٥)، «الأعلام»: (٦/٢٩٤) .
(٤) محمد بن جرير بن رستم بن جرير الطبري الآملي - أبو جعفر من علماء الإمامية توفي ببغداد عام ٣١٠هـ ومن آثاره: «المسترشد في الإمامة»، «نور المعجزات في مناقب الأئمة الاثني عشر» وغيرها: «معجم المؤلفين»: (٩/١٤٦)، وانظر: مقدمة «البحار»: (جـ١/ص ١٧٧)، «تنقيح المقال»: (٢/٩١)، «لسان الميزان»: (٥/١٠٣)، وانظر في التفرقة بين الرجلين مجلة المجمع العلمي العراقي المجلد التاسع ١٣٨١هـ ص ٣٤٥ مطبعة المجمع. ولقد ألحق هذا التشابه الاسمي بابن جرير - ﵀ - بعض الإساءة؛ فيذكر ابن كثير أن بعض العوام اتهمه بالرفض وطعن عليه بالإلحاد، وأشار إليه أنه نسب إليه كتاب عن حديث "غدير خم" يقع في مجلدين، ونسب إليه القول =
[ ١ / ٦٣ ]
جعفر الطبري وهو أبو جعفر محمد بن أبي القاسم بن علي الطبري من علماء الإمامية في القرن السادس (١) .
وهناك ابن بطة اثنان: ابن بطة السنّي وينطق بفتح الباء (٢) وابن بطة الشيعي وهو بضم الباء (٣) .
_________________
(١) = بجواز (مسح القدمين في الوضوء)، ثم قال ابن كثير: (ومن العلماء من يزعم أن ابن جرير، اثنان أحدهما شيعي وإليه ينسب ذلك وينزهون أبا جعفر عن هذه الصفات) «البداية والنهاية»: (جـ١/ص ١٤٧) . وهذا الرأي الذي نقله ابن كثير عن بعض العلماء هو الحقيقة عينها كما دلت على ذلك الدراسات في الرجال، وما تبين من خلال كتب الشيعة التي ظهرت في هذا العصر ويكفي ما تركه الإمام السني صاحب التفسير والتاريخ من آثار لتنفي عنه ما نسب إليه. انظر: مثلًا: «جزء في الاعتقاد» لأبي جعفر محمد بن جرير الطبري: ص ٦ - ٧.
(٢) وقد خلط فؤاد سيزكين في «تاريخ التراث» بين هذا الرافضي والذي قبله، فنسب كتاب «بشارة المصطفى» وهو لهذا (ابن أبي القاسم) نسبه للأول (ابن رستم)، في حين أن بين الرجلين أكثر من قرنين.. «تاريخ التراث»: (٢/٢٦٠)، وهذا الطبري قد نشرت له جريدة "المدينة" حكاية موضوعة بعنوان (عقد الزهراء) وما كانت هذه القصة لتأخذ طريقها للنشر لولا الاشتباه في الاسم (جريدة المدينة عدد ٤٦٢١ - الثلاثاء ٢٤ رجب ١٣٩٩هـ ص ٧ - اختيار: محمد سالم محمد نقلًا عن كتاب بشارة المصطفى)، وقد اطلعت على كتاب «بشارة المصطفى» فوجدته قد جمع من الكذب والضلال فأوعى.. ففيه تأويل الجبت والطاغوت بأبي بكر وعمر ص ٢٣٨ وأن زيارة علي تعادل ألف ألف حجة.. ص ٢٧، وفيه زعمه أن الرسول - ﷺ - قال: (ولا تفضلوا عليه - أي علي- أحدًا فترتدوا) ص ٥٢. ويغلو المؤلف أكثر من هذا فيقول: (من شك في تقديمه وتفضيله ووجوب طاعته وولايته محكوم بكفره وإن أظهر الإسلام وجرت عليه أحكامه) ص ٥١ إلخ.
(٣) مضت ترجمته ص ٤٦.
(٤) محسن الأمين، «أعيان الشيعة»: (٦/٥٦)، عباس القمي: «الكنى والألقاب»: (١/٢٢) .
[ ١ / ٦٤ ]
وطَبَعِيٌّ أن تتشابه الأسماء والكنى والألقاب، ولكن من غير الطَّبَعِيِّ أن يستغل هذا التشابه في القيام بدس فكري رخيص.. يفرق الأمة.. ويبعث النزاع.. ويضلل الباحثين المخلصين عن الحق..
وهذا المسلك وما قبله يحاول أن يضع بالسند الصحيح أو بالإسناد الذي يوافق الإسناد الصحيح في أسماء الرجال؛ يحاول أن يضع متنًا موضوعًا يخدم به فكرة معينة.
ولكن هذا المسلك سرعان ما ينكشف وتتبين حقيقته بظهور القرائن على كذبه، إما لمخالفته لصريح القرآن أو لمناقضته لما جاءت به السنّة الصحيحة مناقضة بيّنة أو لما سوى ذلك من قرائن وبراهين.
فإن أئمة الحديث كما اعتنوا بإسناد الحديث اعتنوا بمتنه ووضعوا علامات لمعرفة الحديث الموضوع بدون نظر لإسناده، وعامة كتب علوم الحديث تعرضت لذلك؛ قال ابن الجوزي (١): (ما أحسن قول القائل إذا رأيت الحديث يباين المعقول، أو يخالف المنقول، أو يناقض الأُصول فاعلم أنه موضوع) (٢) .
وقال ابن الصلاح (٣): (وإنما يعرف كون الحديث موضوعًا
_________________
(١) هو: عبد الرحمن بن علي بن محمد بن علي - ﵁ - أبو الفرج) التيمي البكري البغدادي المعروف بابن الجوزي، محدث، حافظ، مفسر، فقيه، واعظ، أديب، مؤرخ.. ولد ببغداد سنة ٥١٠هـ تقريبًا وتوفي بها عام ٥٩٧، من مؤلفاته: «جامع المسانيد» في سبع مجلدات، «المنتظم في تاريخ الأمم» وغيرها. انظر: اليافعي: «مرآة الجنان»: (٣/٤٨٩ - ٤٩٢)، ابن العماد: «شذرات الذهب»: (٣٢٩ - ٣٣١)، «معجم المؤلفين»: (٥/١٥٧) .
(٢) ابن الجوزي: «الموضوعات»: (١/١٠٦)، «تدريب الراوي»: (١/٢٧٧) .
(٣) عثمان بن عبد الرحمن بن عثمان بن موسى الكردي الموصلي المعروف بابن الصلاح =
[ ١ / ٦٥ ]
بإقرار واضعه أو ما يتنزل منزلة إقراره، وقد يفهمون الوضع من قرينة حال الراوي أو المروي، فقد وضعت أحاديث طويلة يشهد بوضعها ركاكة ألفاظها ومعانيها) (١) .
وقال ابن دقيق العيد (٢): (وأهل الحديث كثيرًا ما يحكمون بالوضع باعتبار أمور ترجع إلى المروي وألفاظ الحديث. وحاصله يرجع إلى أنه حصلت لهم لكثرة محاولة ألفاظ الرسول - ﷺ - هيأة نفسانية أو ملكة يعرفون بها ما يجوز أن يكون من ألفاظ من النبي - ﷺ - وما لا يجوز أن يكون من ألفاظه) (٣) .
وقال أبو الحسن علي بن عروة الحنبلي (٤): (القلب إذا كان تقيًّا نظيفًا زاكيًا كان له تمييز بين الحق والباطل، والصدق والكذب،
_________________
(١) = (تقي الدين أبو عمرو)، محدث، مفسر، فقيه، أصولي، ولد في ٥٧٧هـ - وتوفي بدمشق في ٦٤٣هـ، من مؤلفاته: «علوم الحديث»، «معرفة المؤتلف والمختلف» وغيرهما. «شذرات الذهب»: (٥/٢٢١ - ٢٢٢)، «تذكرة الحفاظ»: (٤/١٤٣٠)، «معجم المؤلفين»: (٦/٢٥٧) .
(٢) «علوم الحديث» لابن الصلاح: ص ٨٩.
(٣) محمد بن علي بن وهب بن مطيع أبو الفتح تقي الدين القشيري المعروف بابن دقيق العيد (كأبيه وجده) شيخ الإسلام الحافظ المجتهد.. ولد في ينبع (على ساحل البحر الأحمر) عام ٦٢٥ وتوفي بالقاهرة سنة ٧٠٢هـ، ومن آثاره: «أحكام الأحكام»، و«الاقتراح في بيان الاصطلاح»، و«الإلمام في أحاديث الأحكام» وغيرها. «طبقات الشافعية»: (٩/٢٠٧ - ٢٤٩)، «الدر الكامنة»: (٤/٢١٠ - ٢١٤) .
(٤) ابن دقيق العيد: «الاقتراح»: ص ١١ (مخطوط) .
(٥) علي بن حسين بن عروة العلاء أبو الحسن المشرقي ثم الدمشقي الحنبلي ويعرف بابن زكنون (بفتح أوله)، محدث فقيه، ولد قبل سنة ٧٦٠هـ وتوفي في دمشق سنة ٨٣٧هـ، ومن تصانيفه، «الكواكب الدراري في ترتيب مسند الإمام أحمد على أبواب البخاري» في ١٢٠ مجلدًا. انظر: السخاوي: «الضوء اللامع»: (٥/٢١٤ - ٢١٥) .
[ ١ / ٦٦ ]
والهدى والضلال، ولا سيما إذا كان قد حصل له إضاءة وذوق من النور النبوي، فإنه حينئذ تظهر له خبايا الأمور، ودسائس الأشياء، والصحيح من السقيم، ولو ركّب على متن ألفاظ موضوعة على الرسول إسناد صحيح أو على متن صحيح إسناد ضعيف لميز ذلك وعرفه.. فإن ألفاظ الرسول لا تخفى على عاقل ذاقها..) (١) .
وقال الربيع بن خثيم (٢) - التابعي الجليل: (إن من الحديث حديثًا له ضوء كضوء النهار يعرف، وإن من الحديث حديثًا له ظلمة كظلمة الليل ننكره) (٣) .
وقد سئل الإمام ابن القيم (٤) - ﵀ - هل يمكن معرفة الحديث الموضوع بضابط من غير أن ينظر في سنده؟ فقال: (هذا سؤال عظيم القدر، وإنما يعلم ذلك من تضلّع في معرفة السنن الصحيحة، واختلطت بلحمه ودمه، وصار له اختصاص شديد بمعرفة السنن والآثار، ومعرفة سيرة رسول (وهديه،
_________________
(١) جمال الدين القاسمي: «قواعد التحديث»: ص ١٦٥ (وقد نقل ذلك عن كتاب «الكواكب الدراري» لابن عروة) .
(٢) الربيع بن خثيم (بضم المعجمة وفتح المثلثة) بن عائذ بن عبد الله الثوري أبو يزيد الكوفي، ثقة عابد، قال ابن مسعود: لو رآك رسول (لأحبك، مات سنة إحدى وقيل ثلاث وستين، أخرج له البخاري ومسلم وغيرهما «تقريب التهذيب»: (١/٢٤٤) .
(٣) رواه الخطيب البغدادي في «الكفاية»: ص ٦٠٥.
(٤) محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد بن جرير الزرعي المعروف بابن قيّم الجوزية الإمام العلامة.. من أركان الإصلاح الإسلامي وأحد كبار العلماء، ألف تصانيف كثيرة منها: «أعلام الموقعين»، «زاد المعاد»، «هداية الحيارى» وغيرها توفي سنة ٧٥١هـ، وكانت ولادته سنة ٦٩١هـ. انظر: «الوافي بالوفيات»: (٢/٢٧٠-٢٧٢)، «جلاء العينين»: ص ٣٠، «الأعلام»: (٢٨٠ - ٢٨١) .
[ ١ / ٦٧ ]
فيما يأمر به وينهى عنه، ويخبر عنه، ويدعو إليه، ويحبه ويكرهه، ويشرعه للأمة بحيث كأنه مخالط للرسول (كواحد من أصحابه.
فمثل هذا يعرف من أحوال رسول الله - ﷺ - وهديه وكلامه، وما يجوز أن يخبر به وما لا يجوز، ما لا يعرفه غيره..) (١) .
وقد أورد - ﵀ - عدة قواعد في هذا الشأن بلغت (٤٤) قاعدة، ومثل لها بـ (٢٧٣) حديثًا وبين وجه وضعها من خلال نقد المتن فقط بغير نظر إلى السند وذلك في كتابه «المنار المنيف» .
٣- يذكر شاه عبد العزيز الدهلوي أن من وسائلهم أيضًا:
(أنهم ينسبون بعض الكتب لكبار علماء السنّة مشتملة على مطاعن في الصحابة، وبطلان مذهب أهل السنّة، ويمثل لذلك بكتاب «سر العالمين» ويقول: إنهم نسبوه إلى الإمام أبي حامد الغزالي - ﵀ - وشحنوه بالهذيان، وذكروا في خطبته عن لسان الإمام وصيته بكتمان هذا السر وحفظ هذه الأمانة، ما ذكر في هذا الكتاب فهو عقيدتي وما ذكر في غيره فهو للمداهنة) (٢) .
وقد رأيتهم في بعض مؤلفاتهم المعاصرة يرجعون لهذا الكتاب ويحتجون ببعض ما فيه على أهل السنّة (٣) .
_________________
(١) «المنار المنيف»: ص ٤٤.
(٢) «مختصر التحفة الاثني عشرية»: ص ٣٣، وانظر: السويدي: «نقض عقائد الشيعة»: ص ٢٥ (مخطوط) .
(٣) انظر مثلًا (مصادر كتاب كشف الاشتباه) للرافضي عبد الحسين الرشتي والمطبوع في المطبعة العسكرية بطهران في ١٣٦٨هـ.
[ ١ / ٦٨ ]
وقد طبع هذا الكتاب عدة طبعات في بومباي سنة ١٣١٤هـ، القاهرة سنة ١٣٢٤هـ، وسنة ١٣٢٧هـ، طهران بغير تاريخ (١) .
ويشير د. عبد الرحمن بدوي إلى أن ثلاثة من المستشرقين ذهبوا إلى القول بأن الكتاب منحول: (جولد تسيهر) (بويج) (مكرونالد) (٢)، ويذهب عبد الرحمن بدوي إلى هذا الرأي ويقطع به ويحتج لذلك فيقول: «والأمر الذي يقطع بأن الكتاب ليس للغزالي هو ما ورد في ص ٨٢ من قوله: (أنشدني المعري لنفسه وأنا شاب في صحبته يوسف بن علي شيخ الإسلام) (٣) فإن المعري توفي سنة ٤٤٨ بينما ولد الغزالي سنة ٤٥٠ فكيف ينشده لنفسه» (٤) .
وهذا الأسلوب في الوضع له خطورته.. ويذكر السويدي أنه على هذه الطريقة نسبت كتب كثيرة، ولا يعرفها إلا من كان عارفًا بمذاق كلام أهل السنة (٥) .
وقد عقد الشوكاني (٦) في كتابه «الفوائد المجموعة» مبحثًا بعنوان
_________________
(١) عبد الرحمن البدوي: «مؤلفات الغزالي»: ص ٢٢٥.
(٢) المصدر السابق: ص ٢٧١.
(٣) والغريب أني رأيت الذهبي - ﵀ - ينسب هذا الكتاب إلى أبي حامد الغزالي «ميزان الاعتدال»: (جـ١/ص ٥٠٠) ترجمة الحسن بن الصباح الإسماعيلي. فإما أن يكون هذا الأمر قد فات على الإمام الذهبي.. وإما أن يكون للإمام الغزالي كتاب بهذا العنوان قد فُقد، فألف الروافض كتابًا يحمل اسم ذلك الكتاب المفقود ونسبوه للغزالي.
(٤) «مؤلفات الغزالي» د. عبد الرحمن بدوي: ص ٢٧١.
(٥) «نقض عقائد الشيعة» (مخطوط): ص ٢٥.
(٦) محمد بن علي بن محمد بن عبد الله بن الحسن الشوكاني الخولاني ثم الصنعاني، مفسر، محدث، فقيه، أصولي، مؤرخ، من تصانيفه: «فتح القدير»، «نيل الأوطار» =
[ ١ / ٦٩ ]
"النسخ الموضوعة" وبعد عرضه إياها ذكر أن أكثرها من وضع الرافضة، وهي موجودة عند أتباعهم (١) .
٤- ومن أساليبهم في طريقة احتجاجهم من كتب أهل السنّة: ما ذكره صاحب مختصر الصواقع:
من (أنهم ينقلون ما يدل على مطاعن الصحابة وما يستدل به على بطلان مذهب غير الرافضة عن كتاب يعزون تأليفه إلى بعض كبراء أهل السنّة، وذلك الكتاب لا يوجد تحت أديم السماء) (٢) ..
أو أنهم ينقلون أخبارًا دالة على مطاعن الصحابة عن كتب عزيزة الوجود لأهل السنّة ليس في تلك الكتب منها أثر.. والأردبيلي أكثر ما ينقل في «كشف الغمة» من هذا القبيل وكذا الحلي في الألفين وابن طاوس وغيرهم (٣) .
هذا ما ذكره صاحب «مختصر الصواقع» ولم يتيسر لي الاطلاع على هذه الكتب التي مثل بها، ولكني اطلعت على كتب أخرى تحمل هذا المعنى الذي ذكره، ومن أحقها بهذا الوصف كتاب «غاية المرام في حجة الخصام عن طريق الخاص والعام» لمؤلفه: هاشم بن سليمان بن إسماعيل البحراني (ت ١١٠٧ أو ١١٠٩) .
والكتاب في مجلد ضخم رتبه مؤلفه على مجموعة مقاصد، كل
_________________
(١) = وغيرهما، توفي سنة ١٢٥٠هـ وكانت ولادته سنة ١١٧٣هـ: انظر: «البدر الطالع»: (٢/٢١٤ - ٢٢٥)، «نيل الوطر»: ص ٢٩٧، «معجم المؤلفين»: (١١/٥٣) .
(٢) «الفوائد المجموعة»: ص ٤٢٥.
(٣) و(٣) «مختصر الصواعق»: ص ٥١ (مخطوط) . وانظر: السويدي: «نقض عقائد الشيعة»: ص ٢٥ (مخطوط) .
[ ١ / ٧٠ ]
مقصد يضم عددًا كبيرًا من الأبواب، وكل باب يحوي طائفة ضخمة من الأحاديث من طريق ما يسميهم بالعامة، ويعني بهم أهل السنّة، ومن طريق ما يسميهم بالخاصة وهم الشيعة - في زعمه - ويعني بهم الإمامية، لأن المؤلف إمامي اثنا عشري كما يظهر من كتابه، والمقصود أن كثيرًا من الأحاديث التي ينسبها لأهل السنّة ليس لها وجود ولا أثر في مصادر السنّة المعتبرة.
ويرى الأستاذ موسى جار الله (١) - بحق - أن هذا الكتاب يعتبر (عارًا وسبة للشيعة الإمامية) (٢) .
ولكننا مع الأسف نجد بعض مراجع الشيعة اليوم ترى أن هذا الكتاب موضع الفخر (٣) ويأخذون منه ويحتجون به على أهل السنّة (٤) على الرغم من أن عنصر الكذب في هذا الكتاب لا يخفى على صغار المتعلمين.
وأجدني لست بحاجة إلى النقل من أحاديثه الكاذبة فهي لا حدَّ لها، وأكتفي بأن أشير إلى طائفة من أبوابه الخاصة بالأحاديث التي جاءت عن طريق من يسميهم بالعامة ليرى القارئ إلى أي مدى وصل الكذب والافتراء على السنّة ومصادرها.
الباب السادس والأربعون: في أن الأئمة الاثني عشر أركان الإيمان ولا يقبل الله (الأعمال من العباد إلا بولايتهم ﵈، من طريق العامة وفيه ستة عشر حديثًا.
_________________
(١) ستأتي ترجمته في (مبحث محاولات التقريب) .
(٢) «الوشيعة» ص (م ط) .
(٣) «الشيعة بين الحقائق والأوهام»: محسن الأمين: ص ١٢٤.
(٤) انظر مثلًا: عبد الحسين الموسوي «المراجعات»: ص ٦٧ هامش رقم (١) .
[ ١ / ٧١ ]
يقول البحراني: الباب الرابع والعشرون: في أن الأئمة بعد رسول الله اثنا عشر بالنص من رسول الله إجمالًا وتفصيلًا، وهم علي وبنوه الأحد عشر وهم الأئمة الاثنا عشر من طريق العامة وفيه ثمانية وخمسون حديثًا.
الباب الأول: في أنه لولا الخمسة الأشباح (كذا) محمد رسول الله وعلي وفاطمة والحسن والحسين ما خلق الله - ﷿ - آدم ولا النار ولا العرش ولا الكرسي ولا السماء ولا الأرض ولا الملائكة ولا الإنس ولا الجن. وأن رسول الله وعليًّا أمير المؤمنين خلقا من نور واحد، وخل ملائكته من نور وجه علي. من طريق العامة وفيه تسعة عشر حديثًا.
الباب الحادي عشر: في أن رسول الله - ﷺ - والأئمة الاثني عشر حجج الله تعالى على خلقه. من طريق العامة وفيه تسعة أحاديث (١) .
وعلى هذا المنوال تسير قافلة الكذب، وتستمر مؤامرة الافتراء والتزوير في أبواب كثيرة بلغت أكثر من خمسين وأربعمائة بابٍ تعج بالفضائح وتمتلئ بالكذب والبهتان، ولو تفرغ متفرغ لدراسة هذا الكتاب وأمثاله لاستخرج صفحات سوداء تنضح بالخزي والعار وتكشف أولئك "السبأيين" الذين كانوا وراء هدم مبدأ التشيع الحقيقي لآل البيت ومحبتهم لِـ "الرفض" و"الغلو" لإبعاد الشيعة عن حظيرة الجماعة والعمل على تفرقة الأمة وتفتيت وحدتها.
_________________
(١) انظر: فهرس الكتاب المذكور.
[ ١ / ٧٢ ]
والذي يتبدَّى لي أن هذا الكتاب وأمثاله إنما هو مؤامرة مدبرة من مشايخ السوء الذين يدعون التشيع لآل البيت وليس لهم منه نصيب والذين استغلوا التشيع لهدم الإسلام، هو مؤامرة الهدف منها حماية أتباعهم من التطلع لمذهب أهل السنّة، والبحث عن الحق فيه، فيتوهم "الأتباع الأغرار" أن ما عند الجميع واحد، وأن هذا هو الإسلام لاتفاق الفريقين عليه، وقد ذكر ابن تيمية ﵀ أن هذا الوهم والتصور كان من أسباب إلحاد الزنادقة لأنهم ظنوا أن ما هم عليه من "باطل" هو الإسلام "فشكوا في الإسلام".
إن هدف مؤلف الكتاب الآنف الذكر إثبات أن تلك العقائد التي تدعيها الشيعة وتخالف بها جمهور المسلمين متفق عليها في كتب الفريقين، فهو يقول مثلًا في تعليقه على بعض الأحاديث المفتراة على أهل السنّة: (انظر أيها الأخ إلى ما يرويه المخالفون النواصب ما هو عين مذهب الإمامية الاثني عشرية، وهذا يعطيك أن المخالفين العامة على ضلال مبين وخسران عظيم بعد العلم منهم والمعرفة بصحة معتقد الإمامية الاثني عشرية..) (١) .
ولا بد لتحقيق هذا الهدف من ركوب "مطايا" الكذب.
وإنني أرى أن هذا الكتاب وأمثاله سيعطي من يقرأه بعقل وإنصاف عكس ما يراد منه، فالقارئ حينما يقرأ ذلك الحشد من
_________________
(١) «غاية المرام»: ص ٣٦. يقول علماؤهم المعاصرون - كما سيأتي - (أنه ليس بيننا وبين السنّة خلاف إلا في الفروع) يقولون ذلك بناء على هذا "الوهم" الذي بنوه في كتبهم وصدقهم بعض مغفلي السنّة وأخذوا يرددون هذه الكلمة، ولم يعلموا أن وراء الأكمه ما وراءها.
[ ١ / ٧٣ ]
النصوص التي زعم المؤلف أنه جاء بها عن طريق السنّة ويبحث عنها في كتب السنّة المعتبرة فلا يرى لها وجودًا ولا أثرًا - سيخرج من ذلك بالشك في كل ما يأتي به القوم.
ولا أظن أن عاقلًا سينخدع بهذه الوسيلة إلا من أعمى الله قلبه بالتعصب والهوى، وما كنا سنعير هذا الكتاب أي اهتمام لولا أن بعض مجتهدي الشيعة المعاصرين اعتبره موضع الفخر (١) .
وقد رأيت من مؤلفاتهم "المعاصرة" كتابًا يسمى «الغدير»، ويقع في أحد عشر مجلدًا لعبد الحسين الأميني النجفي من علمائهم المعاصرين، ويصفونه بـ "الحبر العلم الحجة المجاهد"، والكتاب متوج بالثناء والمديح من عدد من آياتهم المعاصرين (محسن الحكيم (٢) عبد الحسين شرف الدين الموسوي (٣)، السيد حسن الموسوي (٤» .
وهذا الكتاب يشبه إلى حد بعيد الكتاب الآنف الذكر، فهو يروي أخبارًا عن نكرات تفوح منها رائحة الكذب ويجعلها هي الأصل ويخطِّئ على ضوئها علماء الأمة، فابن كثير عنده يحرف الكلم عن مواضعه ويقذف الراوي بالضعف بغير دليل (٥) .
_________________
(١) وإذا أراد القارئ أن يرى مثالًا للأحاديث التي ينقلها عن طريق السنّة كما يدعي.. فلينظر ذلك في ملحق «الوثائق والنصوص» .
(٢) انظر تقريظه في جـ٧ ص ز.
(٣) انظر تقريظه في جـ٧ ص هـ و.
(٤) انظر تقريظه في جـ٩ ص ب.
(٥) انظر «الغدير»: (١/٢٠٩) .
[ ١ / ٧٤ ]
ويقول عن الإمام الطبري: إنه (يروي الأخبار محرفة في تفسيره) (١) .
ويقول عن الإمام البخاري: إنه يخرم الحديث (ويعني بذلك حديثًا أورده هذا الرافضي يتضمن الطعن في عمر ﵁) صونًا لمقام عمر (٢) .
ويقول عن الإمام البيهقي: (وذكره - أي الحديث - البيهقي محرفًا) (٣) .
وعن البغوي يقول: (وأخرجه البغوي في المصابيح.. غير أنه حذف صدر الحديث) (٤) .
وعن الذهبي يقول: (وذكره الذهبي في تذكرته.. محرفًا) (٥) وهكذا..
ثم يحكم على البخاري ﵀ - لأن صحيحه كشف كذبه - بقوله: (وكم وكم في صحيح البخاري من أحاديث لعبت بها يد تحريفه) (٦) .
هؤلاء أعلام الأمة هذا وزنهم عند هذا المتجني ومن شايعه، لأنهم لم يوافقوا جهلة الروافض على كذبهم، وتحريفهم للأحاديث..
_________________
(١) انظر المصدر السابق: (١/ ٢٠٧) .
(٢) انظر المصدر السابق: (جـ٦/ص ٨٤) .
(٣) المصدر السابق: (جـ٦/ص ٨٤) .
(٤) المصدر السابق: (جـ٦/ص ٨٤) .
(٥) المصدر السابق: (جـ٦/ص ٨٤) .
(٦) المصدر السابق: (جـ٦/ص ١٠١) .
[ ١ / ٧٥ ]
هذا "مثال معاصر" (١) اكتفينا بالإشارة إليه.. ولا مجال للاسترسال.
٥- ومن أساليبهم:
أنهم يعمدون إلى (نص متداول ومشهور فيزيدون عليه ما لا أصل له، كما زادوا على النص في استخلاف علي على المدينة في غزوة تبوك زيادة موضوعة وهي «ولا ينبغي أن أذهب إلا وأنت خليفتي في المدينة» (٢) .
وهذه الزيادة علاوة على أنها كذب على رسول الله - ﷺ - هي من كذب الجهال، ووضع من لا يحسن الوضع، فإن النبي - ﷺ - ذهب غير مرة وخليفته على المدينة غير علي، كما اعتمر عمرة الحديبية وعلي معه وخليفته غيره، وغزا بعد ذلك خيبر ومعه علي وخليفته بالمدينة غيره، وغزا غزوة الفتح وعلي معه وخليفته بالمدينة غيره، وغزا حنينًا والطائف وعلي معه وخليفته بالمدينة غيره، وحج حجة الوداع وعلي معه وخليفته بالمدينة غيره
_________________
(١) قد (صدر المؤلف) الجزء السابع من كتابه "بتقريظ" من أحد الكفار يؤيد هذا الكافر حملة المؤلف المسعورة ضد الصحابة، ولا سيما الخليفة الراشد عمر - والمؤلف يبادله الثناء والشكر ويتوج كتابه بتقريظه، يقول المؤلف: (أتانا من بحاثة المسيحيين القاضي الحر والشاعر النبيل الأستاذ بولس سلامة.. الخالد الذكر فشكرًا له ثم شكرًا) ويقول بولس: (وقد شرفتموني بإدراج رسالتي في المقدمة. وقد اطلعت على هذا السفر النفيس فحسبت أن لآلئ البحار قد اجتمعت في غديركم.. ولقد لفت نظري على الأخص ما ذكرتموه بشأن الخليفة الثاني فلله درّكم، ما أقوى حجتكم..) «الغدير»: جـ٧ ص ح!!!.
(٢) «منهاج الكرامة» لابن المطهر الحلي: ص ١٢٣، المطبوع مع «منهاج السنّة»: جـ١ تحقيق محمد رشاد سالم.
[ ١ / ٧٦ ]
وغزا غزوة بدر ومعه علي وخليفته بالمدينة غيره، وكل هذا معلوم بالأسانيد الصحيحة وباتفاق أهل العلم بالحديث (١) . وأمثلة هذا الأسلوب كثيرة جدًا.
كما أن من أساليبهم أنهم يوردون الحديث من كتب السنّة بجميع طرقه ورواياته ويذكرون في الأخير من أخرجه من المحدثين بلا تحديد للألفاظ التي وردت عند كل محدث، ليوهموا القارئ أن هذا النص الذي جمّعوه من كتب أهل السنّة قد ورد بهذه الصيغة التي أخرجوها عند كل محدث من محدثي أهل السنّة، وأنه صحيح لاتفاق محدثي أهل السنّة على إخراجه بهذه الألفاظ والروايات.
ومن أمثلة هذا الأسلوب كتاب «حديث الثقلين» الذي أصدرته دار التقريب بالقاهرة، وسلكت فيه ذلك المسلك الذي أشرنا إليه (٢)، حيث ذكرت الأحاديث الواردة بكل طرقها وروايتها وفي الأخير ذكرت من أخرجه من المحدثين بلا تحديد للألفاظ الواردة عند كل محدث، وهو لا يصح في كل رواياته (٣) .
_________________
(١) «منهاج السنة»: (٣/٩٠٨) وانظر من نفس المصدر السابق: (جـ٣/ص ١٦)، (جـ٤/ص ٩٤) .
(٢) محمد قوام الدين القمي: «حديث الثقلين»، نشر: دار التقريب بين المذاهب.
(٣) والذي جاء في صحيح مسلم منه هو قوله (كما رواه زيد بن أرقم: « أما بعد، ألا أيها الناس إنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب، وإني تارك فيكم ثقلين؛ أولهما كتاب الله فيه الهدي والنور فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به، فحث على كتاب الله ورغب فيه ثم قال: وأهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي..» رواه مسلم في فضائل أصحاب النبي - ﷺ - باب فضائل علي - ﵁ -: (٧/١٢٢ - ١٢٣)، هذه رواية مسلم للحديث، وقد أجاب ابن تيمية على احتجاج الرافضة بهذا الحديث وأجاب عما يحتجون به من بعض الروايات الضعيفة التي جاءت من طريق الجمهور، انظر «منهاج السنّة»: (٤/١٠٤)، و«المنتقى»: ص ٤٧٥.
[ ١ / ٧٧ ]
٦- ومن طرقهم ما يذكره صاحب مختصر التحفة:
من (أنهم يذكرون أحد علماء المعتزلة أو الزيدية أو نحو ذلك ويقولون أنه من متعصبي أهل السنّة، ثم ينقلون عنه ما يدل على بطلان مذهب أهل السنّة وتأييد مذهب الشيعة الإمامية الاثني عشرية ترويجًا لضلالهم، كالزمخشري صاحب «الكشاف» الذي كان معتزليًّا تفضيليًّا (١)، والأخطب الخوارزمي، فإنه زيدي غال، وابن قتيبة صاحب المعارف الذي هو رافضي عنيد، وابن أبي الحديد شارح «نهج البلاغة» الذي هو من الغلاة، على قول، ومن المعتزلة على قول آخر، وهشام الكلبي الذي هو من الغلاة وكذلك المسعودي صاحب «مروج الذهب»، وأبو الفرج الأصفهاني صاحب كتاب الأغاني وغيرهم. وقصدوا بذلك إلزام أهل السنّة بما لهم من الأقوال مع أن حالهم لا تخفى) (٢) .
وكذا بعض المتصوفة أو غيرهم الذين دخلوا في سلك الروافض في الاعتقاد وإن كانوا يحملون لقب الانتساب لأحد المذاهب الأربعة، فإنه (قد يوجد في بعض المنتسبين إلى مذاهب الأئمة الأربعة من هو في الباطن رافضي) (٣) .
ومن أمثلة ذلك "سليمان الحنفي النقشبندي" الذي يؤول حديث مسلم أن هذا الأمر لا ينقضي حتى يمضي فيهم اثنا عشر
_________________
(١) انظر: ص ٦١ من هذه الرسالة هامش رقم (١) .
(٢) «مختصر التحفة»: ص ٣٣.
(٣) «منهاج السنّة»: (٢/١٧٩)، الطبعة الأميرية.
[ ١ / ٧٨ ]
خليفة "كلهم من قريش" (١)، يؤول هذا بالأئمة الاثني عشر.
ويستشهد "الشيعي: محمد حسين الزين" في كتابه «الشيعة في التاريخ» بهذا الرأي ليسند عقيدته برأي سنّي حنفي (٢) .
والواقع أنه كما يعترف الشيعي د. مصطفى كامل الشيبي: (لا دخل لأهل السنّة بهذا التوثيق وإنما هي الصوفية المتشيعة التي ينتمي إليها النقشبندي) (٣) .
٧- ومن طرقهم كما يذكر صاحب التحفة:
أنهم يؤلفون كتابًا في فضائل الخلفاء الأربعة ويضمنونه أحاديث صحاحًا من طرق أهل السنّة تبين فضائلهم ومناقبهم، ويضعون في "فضائل علي" ما يوجب القدح في الخلفاء الثلاثة وضعًا أو نقلًا من كتبهم، فإذا قرأ القارئ فضائل الخلفاء الثلاثة ظن أن مؤلفه سنّي حسن العقيدة ثم إذا وصل إلى فضائل الخليفة الرابع ورأى فيها ما يطعن في الخلفاء الثلاثة ظن أن في تصانيف أهل السنّة ما يوجد من الأحاديث القادحة في الخلفاء الثلاثة (٤) .
٨- ومن أساليبهم الشائعة:
أنهم يستقون مادة احتجاجهم من المصادر التي تحوي الضعيف والموضوع ويدعون أنهم أخذوها من مصادر أهل السنّة المعتبرة، فضلًا عن
_________________
(١) «صحيح مسلم»، كتاب الإمارة، باب الناس تبع لقريش والخلافة في قريش جـ٦ ص٣.
(٢) «الشيعة في التاريخ»: ص ١١٨.
(٣) «الصلة بين التصوف والتشيع»: ص ١١٠.
(٤) انظر: «التحفة الاثني عشرية»: ص ٤٦ (مخطوط) .
[ ١ / ٧٩ ]
أنهم يزعمون في بعض الأحاديث الموضوعة أنها مما اتفقت عليه مصادر السنّة والواقع خلاف ذلك.
وأقرب مثال على هذا كتاب «منهاج الكرامة» لابن المطهر الحلي؛ حيث نجده يدعي في كتابه أنه لا يأخذ إلا من المصادر المعتبرة، ومن الصحيح منها. يقول: (ونحن نذكر هنا شيئًا يسيرًا مما هو صحيح عندهم ونقلوه في المعتمد من كتبهم) (١) .
ومع هذا "الادعاء" فهو يورد كثيرًا من الأحاديث الموضوعة ومن مصادر غير معتمدة.
فهو يستقي أحاديثه من تفسير الثعلبي (٢) والحلية لأبي نعيم (٣) ومما رواه أخطب خوارزم (٤) وصاحب الفردوس (٥) والفقيه المغازلي الشافعي (٦) وغيرهم.
ويروي أحاديث موضوعة من الحلية لأبي نعيم ونحوه ويدعي أنها مما (أجمع المفسرون عليه) (٧) .
_________________
(١) «منهاج الكرامة»: ص ١١٩ المطبوع مع كتاب «منهاج السنّة» بتحقيق د. رشاد سالم.
(٢) انظر: «منهاج الكرامة»: في عدة مواضع ص ١٤٩، ١٥٨، ١٦١، ١٦٢.
(٣) المصدر السابق: في عدة مواضع ص ١٥٠، ١٥٥، ١٥٦، ١٥٧، ١٦٠، ١٦١، ١٦٣، ١٦٤، ١٦٥.
(٤) المصدر السابق في عدة مواضع ص ١٢٤، ١٧٣.
(٥) انظر: «منهاج الكرامة»: وفي أكثر من موضع ص ١٥٥، ١٦٦.
(٦) انظر: «منهاج الكرامة»: وفي أكثر من موضع ص ١٥٤، ١٥٥.
(٧) انظر مثلًا: ص ١٦٦ حيث ذكر تفسير (صالح المؤمنين (في قوله ﷾: (وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين (ذكر أن المراد به "علي" وقال: (أجمع المفسرون على أن صالح المؤمنين هو علي)، ثم أورد رواية في تفسيرها بذلك عزاها لأبي نعيم. ورد على ذلك ابن تيمية في (جـ٤/ص ٧٩) من «منهاج السنة» وكذبه في دعوى الإجماع، وبيّن أن هذه الرواية موضوعة
[ ١ / ٨٠ ]
وينسب لبعض السنن والمسانيد أخبارًا ضعيفة أو موضوعة ويزعم إجماع الجمهور على صحتها، وقد ينسب إليها ما ليس فيها، وهذه طريقة الروافض (١) .
وقد كشف شيخ الإسلام ابن تيمية ذلك في منهاجه ولا سيما في المجلد الأخير. وأورد تقويم أهل السنة لهذه الكتب التي ينقل منها الرافضي وأمثاله (٢) ولا شك أن المرجع في تمحيص وتحقيقه "المنقول" إنما يكون إلى (أُمناء حديث رسول الله - ﷺ -، كما أن المرجع في النحو إلى أربابه، وفي القراءات إلى حذاقها، وفي اللغة إلى أئمتها، وفي الطب إلى علمائه. فلكل فن رجال. وعلماء الحديث أجل وأعظم تحريًا للصدق من كل أحد علم ذلك من علمه، فما اتفقوا على صحته فهو الحق، وما أجمعوا على تزييفه وتوهينه فهو ساقط، وما اختلفوا فيه نُظر فيه بإنصاف وعدل فهم العمدة: كمالك وشعبة والأوزاعي والليث
_________________
(١) قال ابن تيمية: (ورأيت كثيرًا من ذلك المعزو عزاه أولئك - يعني بهم شيوخ الروافض الذين اطلع على كتبهم - إلى المسند والصحيحين وغيرهما باطلًا لا حقيقة له..) انظر: «منهاج السنّة»: (جـ٤/ ٢٧) .
(٢) من أمثلة ذلك ما يلي: قال ابن تيمية عن الثعلبي: (علماء الجمهور متفقون على أن ما يرويه الثعلبي وأمثاله لا يحتجون به.. إلا أن يعلم ثبوته بطريقة) «منهاج السنة»: (٤/ ٢٥) . وقد تكرر الكلام من ابن تيمية عن الثعلبي وتفسيره في عدة مواضع، انظر: «منهاج السنة»: (جـ٤/ص ١٨ و٢٨ و٣١ و٤٦، ٤٨ و٨٤ و٩٥، ١٠٥ و١١٥ وغيرها) وقال ابن تيمية: (وإذا كان الحديث في بعض كتب التفسير التي ينقل فيها الصحيح والضعيف مثل تفسير الثعلبي، والواحدي، والبغوي، بل وابن جرير، وابن أبي حاتم لم يكن مجرد رواية واحد من هؤلاء دليلًا على صحته باتفاق أهل العلم) «منهاج السنة»: (جـ٤/ص ٨٠)، وقال: =
[ ١ / ٨١ ]
والسّفيانيْن والحمّادين وابن المبارك ويحيى القطان وعبد الرحمن بن مهدي ووكيع وابن علية والشافعي وعبد الرزاق والفريابي وأبي نعيم والقعنبي والحميدي وأبي عبيد وابن المديني وأحمد وإسحاق وابن معين وأبي بكر بن أبي شيبة والذهلي والبخاري وأبي زرعة وأبي حاتم وأبي
_________________
(١) = (وما يرويه أبو نعيم في الحلية أو في فضائل الخلفاء والنقاش والثعلبي والواحدي ونحوهم في التفسير قد اتفق أهل المعرفة بالحديث على أن فيما يروونه كثيرًا من الكذب الموضوع) «المصدر السابق»: (٤/١٠) . وقال عن ابن المغازلي الواسطي: (..قد جمع في كتابه من الأحاديث الموضوعة ما لا يخفى أنه كذب على من له أدنى معرفة بالحديث): (٣/٤، ٥)، وقال: (كتاب الفردوس للديلمي فيه موضوعات كثيرة..): (٤/ ٣٨)، وقال عن رزين بن معاوية وكتابه «التجريد للصحاح الستة»: (ورزين قد ذكر في كتابه أشياء ليست في الصحاح): (٤/٤٣) وقال - عن زيادات القطيعي على مسند أحمد -: (زيادات القطيعي التي فيها من الكذب الموضوع ما اتفق أهل العلم على أنه كذب موضوع): (٤/٧٥) . وقال: (وأما رواية ابن خالويه فلا تدل على أن هذا الحديث صحيح باتفاق أهل العلم، وكذلك رواية أخطب خوارزم، فإن في روايته من الأكاذيب المختلفة ما هو أقبح من الموضوعات باتفاق أهل العلم): (٤/١٠٦) . وقال: (النسائي في خصائص علي ذر فيها عدة أحاديث ضعيفة.. والترمذي في جامعه روى أحاديث كثيرة في فضائل علي كثير منها ضعيف.. وأصحاب السير كابن إسحاق وغيره يذكرون من فضائله أشياء ضعيفة): (٤/٤٨) . وقال: (ومن الناس من يكون قصده رواية كل ما روى في الباب من غير تمييز بين صحيح وضعيف كما فعله أبو نعيم في فضائل الخلفاء، وكذلك غيره ممن صنف في الفضائل، ومثل ما جمعه أبو الفتح بن أبي الفوارس وأبو علي الأهوازي وغيرهما في فضائل معاوية، ومثل ما جمعه النسائي في فضائل علي وكذلك ما جمعه أبو القاسم بن عساكر في فضائل علي وغيره..): (٤/٨٤) .
[ ١ / ٨٢ ]
داود ومسلم وموسى بن هارون والنسائي وابن خزيمة وأبي أحمد بن عدي وابن حبّان والدارقطني وأمثالهم من أهل العلم بالنقل والرجال والجرح والتعديل) (١) .
من هنا نقول أنه لا يمكن الاعتماد على نقل الروافض من كتب أهل السنّة ما لم يكن هذا النقل صحيح النسبة للمنقول منه وموثق من رجاله المختصين به.
_________________
(١) «المنتقى»: ص ٤٢٧.
[ ١ / ٨٣ ]