أما الشيعة التي أعنيها بالحديث، والطور من التشيع الذي أقصده فهو التشيع الذي يستقي عقيدته ودينه من الأصول الحديثية الأربعة عندهم وهي: (الكافي، والتهذيب، والاستبصار، ومن لا يحضره الفقيه) تلك التي يعتبرونها كالكتب الستة عند أهل السنّة، وما أُلحق بها في الاعتبار من المصادر الأربعة المتأخرة عندهم، وهي: (الوافي، والبحار، والوسائل، ومستدرك الوسائل) وما رأى علماء التشيع أنه بدرجة هذه الكتب من مؤلفاتهم (١) . هذا هو التشيع الذي نعنيه، وهو الذي ندرس مسألة التقريب على ضوئه.
نشأة الشيعة:
وردت عدة أقوال في «بداية التشيع» ووقت ظهور الشيعة، منها ما يحمل "طابع" الدعاية للشيعة وإثبات أصالتها ومحاولة الرد على الأقوال التي تنسب بدايات التشيع إلى مصادر أجنبية، ومنها ما يهدف للوصول إلى الحقيقة.. وما دمنا قد التزمنا أن نعرف الشيعة من مصادرها ثم نفسح المجال بعد ذلك "للرأي الآخر"، فبناء على ذلك نبدأ بذكر الرأي الشيعي، مع ملاحظة أن محور البحث هنا هو الإشارة إلى الآراء في أصل التشيع، ولا يعنينا بحث التطور العقدي للشيعة والفِرق الشيعية، فهذا موضوع يطول استعراضه ودراسته ولا مجال له هنا.
أصل الشيعة:
أولًا: يزعم بعض الروافض - في القديم والحديث - أن الرسول؟ هو الذي بذر بذرة التشيع وأن الشيعة ظهرت
_________________
(١) سيأتي تفصيل لهذا في مبحث مصادرهم في التلقي.
[ ١ / ١٣٠ ]
في عصره، وأن هناك بعض الصحابة الذين يتشيعون لعلي ويوالونه في زمنه - ﷺ -.. يقول القمي (ت ٣٠١): (فأول الفرق الشيعية وهي فرقة علي بن أبي طالب "ع" المسلمون شيعة علي "ع" في زمان النبي - ﷺ - وبعده، معروفون بانقطاعهم إليه والقول بإمامته، منهم المقداد بن الأسود وسلمان الفارسي، وأبو ذر، وعمار (١» وبمثل هذا يقول النوبختي (٢) (ت ٣١٠) . ويقول محمد حسين آل كاشف الغطاء من مجتهديهم المعاصرين (ت ١٣٧٣هـ): (إن أول من وضع بذرة التشيع في حقل الإسلام هو نفس صاحب الشريعة الإسلامية - يعني أن بذرة التشيع وضعت مع بذرة الإسلام جنبًا إلى جنب، وسواء بسواء، ولم يزل غارسها يتعاهدها بالسقي والرعي حتى نمت وازدهرت في حياته ثم أثمرت بعد وفاته) (٣) .
ويقول بهذا الرأي طائفة أخرى من الشيعة (٤) .
ويرى د. محمود صبحي: (أن إرجاع التشيع من الناحية التاريخية إلى عهد الرسول - ﷺ - ليس إلا محاولة من جانب متكلمي الشيعة لنقض دعوى خصومهم القائمة على رد معتقدات الشيعة إلى أصول أجنبية) (٥) .
والخطأ الأكبر في هذه المحاولة أو الحيلة هو - كما يقول د. علي
_________________
(١) القمي: «المقالات والفرق»: ص ١٥.
(٢) النوبختي: «فرق الشيعة»: ص ١٥، وانظر: الرازي (من الإسماعيلية): «الزينة»: ص ٢٠٥ (مخطوط) .
(٣) «أصل الشيعة وأصولها»: ص ٤٣.
(٤) انظر: محمد حسن الزين: «الشيعة في التاريخ»: ص ٢٩ - ٣٠.
(٥) محمود صبحي: «نظرية الإمامة»: ص ٣٠.
[ ١ / ١٣١ ]
سامي النشار -: (أنه لم يكن بين يدي الرسول - ﷺ - شيعة وسنّة، وقد أعلن الله في القرآن: (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ) (١) . لا التشيع ولا التسنن) (٢) . والجميع شيعة للمصطفى - ﷺ -، ولم يكن للشيعة وجود زمن أبي بكر وعمر وعثمان، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (ففي خلافة أبي بكر وعمر وعثمان لم يكن أحد يسمى بالشيعة، ولا تضاف الشيعة إلى أحد) (٣) .
ويرى الشيخ موسى جار الله أن هذه "المقالة" من الشيعة مغالطة فاحشة خرجت عن حدود كل أدب وأنها افتراء على النبي محمد؟ وتحريف للآيات ولعب بالكلمات. ويتعجب من قول آل كاشف الغطاء (أن أول من وضع بذرة التشيع في حقل الإسلام هو نفس صاحب الشريعة) .. فيقول: (أي حبة بذر النبي حتى أنبتت سنابل اللعن والتكفير للصحابة وخيار الأمة وسنابل الاعتقاد بأن القرآن محرف بأيدي منافقي الصحابة، وأن وفاق الأمة ضلال، وأن الرشاد في خلافها حتى توارت العقيدة الحقة في لُجٍّ من ضلال الشيعة جَم) (٤) .
ثانيًا: القول الثاني: أن التشيع ظهر بعد وفاة الرسول - ﷺ - حيث وجد من يرى أحقية علي بالإمامة، ويتشيع له، وهم بعض الصحابة - رضوان الله على الجميع - كسلمان وأبي ذر، والمقداد، وهذا الرأي قال به بعض الشيعة (٥) بتفسير خاص له وقال به بعض
_________________
(١) آل عمران: آية ١٩.
(٢) «نشأة الفكر الفلسفي»: (٢/٣٠) .
(٣) «منهاج السنة»: (٢/٦٤) تحقيق: د. رشاد سالم.
(٤) «الوشيعة» ص: ٥ (بتصرف) .
(٥) محسن الأمين العاملي: «أعيان الشيعة»: (١/٣٤) .
[ ١ / ١٣٢ ]
أهل السنّة (١) وغيرهم (٢) بتفسير مغاير لغرض الشيعة. فالشيعة يعنون بنشأة التشيع بداية عقائدهم في الإمامة وغيرها وهو تعسف ظاهر، وكيف ينسب لأولئك الصحب رضوان عليهم عقيدة من عقائد الشيعة في الإمامة أو الرجعة أو البداء وغيرها من العقائد.. التي بناها الشيعة فيما بعد، ثم هم لا يملكون لهذا الادعاء سندًا أما غير الشيعة فيربط هذا القول بوجود رأي يقول بأحقية قرابة الرسول - ﷺ - بالخلافة بعده.
ولا شك أنه إذا وُجد من يرى أحقية علي بالإمامة أو أن الإمامة ينبغي أن تكون في القرابة، فقد وجد رأي يقول باستخلاف سعد بن عبادة من الأنصار، وبأن الإمامة ينبغي أن تكون في الأنصار، وهذا الاختلاف لا دلالة فيه على ميلاد حزب معين، وتعدد الآراء أمر طبعي، وهو من مقتضيات نظام الشورى في الإسلام، فهم في مجلس واحد تعددت آراؤهم وما انفصلوا حتى اتفقوا، ومثل هذا لا يعد نزاعًا (٣) . وقد اندرجوا تحت الطاعة على بكرة أبيهم لأبي بكر (، وكان علي - ﵁ - سامعًا لأمره ناهضًا إلى غزوة بني حنيفة.. وبايع أبا بكر على ملأ من الأشهاد (٤) .
والقول بوجود رأي من سلمان وأبي ذر والمقداد بأحقية علي في الخلافة لم أجد له ذكرًا في المصادر الأصيلة، (وقد تواتر عن علي - رضي
_________________
(١) ابن خلدون: «العبر»: (٣/٣٦٤)، وممن يرى هذا أحمد أمين: «ضحى الإسلام»: (٣/٢٠٩)، وقال علي الخربوطلي: (ونحن نرى أن التشيع بدأ بعد أن آلت الخلافة إلى أبي بكر دون علي بن أبي طالب) «الإسلام والخلافة»: ص ٦٢.
(٢) انظر: «دائرة المعارف الإسلامية»: (١٤/٥٨) .
(٣) ابن تيمية: «منهاج السنة»: (١/٣٦) الطبعة الأميرية.
(٤) الجويني: «الإرشاد»: ص ٤٢٨.
[ ١ / ١٣٣ ]
الله عنه - من وجوه كثيرة أنه قال على منبر الكوفة: خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر) (١)، فكيف يرى غيره من الصحابة فيه ما لم يره في نفسه؟.
والشيعة ليس لها ذكر أو وجود في عهد أبي بكر أو عمر أو عثمان، فكيف يقال بنشأتها بعد وفاة الرسول - ﷺ -؟.
وقد أقر بعض الشيعة بهذه الحقيقة التاريخية الثابتة، إذ يذكر محمد حسين العاملي: (أن لفظ الشيعة قد أهمل بعد أن تمت الخلافة لأبي بكر وصار المسلمون فرقة واحدة إلى أواخر أيام الخليفة الثالث) (٢) ونحن نقول إنه لم يوجد أصلًا ولم يوجد لمسماه ذكر.
ثالثًا: أن التشيع لعلي بدأ بمقتل عثمان. يقول ابن حزم: (ثم ولي عثمان وبقي اثنا عشر عامًا، وبموته حصل الاختلاف وابتدأ أمر الروافض) (٣) (٤)، والذي تولى غرس بذرة الرفض والتشيع هو عبد الله بن سبأ (٥) اليهودي الذي بدأ حركته في أواخر عهد عثمان.
_________________
(١) ابن تيمية: «منهاج السنة»: (١/٤) .
(٢) محمد الزين العاملي: «الشيعة في التاريخ»: ص ٣٩ - ٤٠.
(٣) يعني معتقد الروافض، وإلا فإن ظهور لقب الرافضة ظهر فيما بعد كما سيأتي.
(٤) ابن حزم: «الفصل»: (٢/٨)، وانظر: عثمان بن عبد الله الحنفي: «الفرق المفترقة»: ص ٦.
(٥) عبد الله بن سبأ الذي تنسب إليه الطائفة السبئية، أصله من أهل اليمن كان يهوديًا من أمة سوداء، قال ابن حجر: (عبد الله بن سبأ من غلاة الزنادقة ضال مضل، أحسب أن عليًّا حرقه بالنار..) . وقد تواترت أخبار ضلاله وزندقته من طرق السنّة والشيعة، انظر: ابن عساكر: «تهذيب تاريخ دمشق»: (٧/٤٣١ - ٤٣٢) . ابن الأثير: «اللباب»: (١/٥٢٧) . السمعاني: «الأنساب»: (٧/٤٦) . =
[ ١ / ١٣٤ ]
وأكدت طائفة كبيرة من الباحثين القدماء والمعاصرين أن ابن سبأ أساس المذهب الشيعي والحجر الأول في بنائه (١) . وقد تواتر ذكره في كتب السنّة والشيعة على حد سواء ونبتت نابتة من شيعة العصر الحاضر تحاول أن تنكر وجوده بجرة قلم دون مسوغ واقعي أو دليل قاطع (٢)، فضلًا عن أن بعضهم قد ادعى أن عبد الله بن سبأ هو عمار بن ياسر (٣)، وهذه الدعوى هي محاولة لتبرئة اليهود من فتنة المسلمين، كما أنها محاولة لإضفاء صفة الشرعية على "الرفض"، وقد اتفق القدماء من أهل السنّة والشيعة على السواء على اعتباره حقيقة واقعية وشخصية تاريخية، فكيف ينفي ما أجمع عليه الفريقان؟، أما القول بأن ابن سبأ هو عمار بن ياسر فهو قول يرده التاريخ والسنة الثابتة، وكيف تلصق تلك العقائد التي قال بها ابن سبأ بعمار بن ياسر، وهل
_________________
(١) = وانظر: ما أشرنا إليه من مصادر في أثناء الحديث عن عقائد ابن سبأ من كتب الشيعة.
(٢) انظر مثلًا: ابن تيمية الذي يعتبر ابن سبأ أول من أحدث القول بالعصمة لعلي وبالنص عليه في الخلافة، وأنه أراد إفساد دين الإسلام كما أفسد بولس دين النصارى. «الفتاوى»: (٤/٥١٨)، وكذا ابن المرتضي في «طبقات المعتزلة»: ص ٦، ومن المعاصرين مثلًا أبو زهرة الذي يذكر أن عبد الله بن سبأ هو الطاغوت الأكبر الذي كان على رأس الطوائف الناقمين على الإسلام الذين يكيدون لأهله، وأنه قال برجعة علي وأنه وصي محمد ودعا إلى ذلك. وذكر أبو زهرة أن فتنة ابن سبأ وزمرته كانت من أعظم الفتن التي نبت في ظلها المذهب الشيعي. انظر: «تاريخ المذاهب الإسلامية»: (١/٣١ - ٣٣)، وسعيد الأفغاني الذي يرى أن ابن سبأ أحد أبطال جمعية سرية (تلمودية) غايتها تقويض الدولة الإسلامية، وأنها تعمل لحساب دولة الروم. «عائشة والسياسة»: ص ٦٠، وانظر: القصيمي في «الصراع»: (١/٤١) .
(٣) مرتضى العسكري في كتابه «عبد الله بن سبأ»: ص ١٧.
(٤) وهو علي الوردي في كتابه «وعاظ السلاطين»: ص ٢٧٤، وقلده في هذا الشيعي الآخر مصطفى الشيبي في كتابه «الصلة بين التصوف والتشيع»: (ص ٤٠ - ٤١) .
[ ١ / ١٣٥ ]
هذا إلا جزء من التجني على الصحابة والطعن فيهم؟ ولا مجال لدراسة هذه المسألة هنا. وقد كتب فيها بعض الباحثين المعاصرين ورد هذه الادعاءات بالأدلة من الفريقين (١) .
وسنكتفي هنا بالرجوع إلى مصادر الشيعة الأصيلة لنرى ما تقول كتب الشيعة نفسها عن ابن سبأ (وذلك لالتزامنا أن لا نكتب عنهم إلا من كتبهم) . فالشيعي سعد بن عبد الله القمي (٢) (ت ٢٢٩ أو ٣٠١) في كتابه (المقالات والفرق) يقر بوجوده ويعتبره أول من قال بفرض إمامة علي ورجعته وأظهر الطعن على أبي بكر وعمر وعثمان والصحابة (٣) . وسعد القمي هذا هو - عندهم - ثقة واسع المعرفة بالأخبار، ومعلوماته - عندهم - مهمة موثوقة نظرًا لقدم فترتها الزمنية، ولأن سعدًا كما روى شيخ الشيعة الصدوق - كما يلقبونه - قد لقي إمامهم المعصوم الحسن العسكري وسمع منه (٤)، ويتفق
_________________
(١) ناقش د. عمار الطالبي إنكار وجود ابن سبأ أو اعتباره عمار بن ياسر، وأثبت بالحقائق زيف ذلك وبطلانه. انظر: «آراء الخوارج»: (ص ٧٥ - ٨١)، وللدكتور عزت عطية مناقشة لهذه المسألة في كتابه «البدعة»: ص ٦٤ وما بعدها. وللدكتور سعدي الهاشمي محاضرة قيمة في هذا الموضوع أثبت فيها وجود ابن سبأ بالأدلة من الفريقين. انظر: «محاضرات الجامعة الإسلامية» عام ٩٨/٩٩ هـ «ابن سبأ حقيقة لا خيال»: (ص ٢٠١ - ٢٢٣) . ويعد الزميل سليمان العودة رسالة عن ابن سبأ، وقد توفرت لديه أدلة قاطعة ويقينية على وجود ابن سبأ وسعيه في الفتنة.
(٢) سعد بن عبد الله الأشعري القمي (أبو القاسم) من شيوخ الروافض، من تصانيفه: «الفرق والمقالات»، «والضياء في الإمامة» . توفي سنة ٣٠١ هـ انظر: الممقاني: «تنقيح المقال»: (٢/١٦ - ٢٠)، ابن شهراشواب: «معالم العلماء»: ص ٥٤.
(٣) انظر: «المقالات والفرق»: ص ١٠ - ٢١.
(٤) الصدوق (محمد بن بابويه القمي) «إكمال الدين وتمام النعمة»: (ص ٤٢٥ - ٤٣٥) .
[ ١ / ١٣٦ ]
النوبختي (١) (ت ٣١٠) في الحديث عن ابن سبأ مع القمي حتى في الألفاظ نفسها (٢)، والنوبختي هو أيضًا من ثقاتهم، قال الطوسي: (كان إماميًا حسن الاعتقاد) (٣) .. وعالمهم الكشي (٤) يقول في كتابه المعروف بـ «رجال الكشي» - وهو أقدم كتب الشيعة المعتمدة في علم الرجال -: (إن عبد الله بن سبأ كان يهوديًا فأسلم ووالى عليًّا (، وكان يقول وهو على يهوديته في يوشع بن نون وصى موسى بالغلو - كذا - فقال في إسلامه بعد وفاة رسول الله - ﷺ - في علي مثل ذلك، وكان أول من أشهر القول بفرض إمامة علي، وأظهر البراءة من أعدائه وكاشف مخالفيه وكفرهم، من هنا قال من خالف الشيعة: إن أصل التشيع والرفض مأخوذ من اليهودية) (٥) . هذا ما جاء عن ابن سبأ في «رجال الكشي» الذي يعتبرونه أحد الأصول الأربعة التي عليها المعول في تراجم الرجال، وقام الطوسي المسمى عندهم بشيخ الطائفة بتهذيب الكتاب فزادت ثقتهم بالكتاب، حيث اجتمع في تأليف الكشي الذي هو عندهم (ثقة عين بصير بالأخبار والرجال، كثير
_________________
(١) الحسن بن موسى النوبختي الشيعي (أبو محمد)، من تصانيفه: «فرق الشيعة»، «الجامع في الإمامة» . توفي سنة ٣١٠هـ. انظر: «أعيان الشيعة»: (٢٣/٢٣٣ - ٢٣٩)، «معالم العلماء»: (ص ٣٢ - ٣٣) .
(٢) النوبختي: «فرق الشيعة»: (ص ١٩ - ٢٠) .
(٣) الطوسي: «الفهرست»: ص ٧١.
(٤) الكشي: محمد بن عمر بن عبد العزيز يكنى (أبا عمرو)، والكشي صاحب كتاب «الرجال» من غلمان العياشي، لا تعرف سنة ولادته ولا وفاته ويقول الروافض أنه من القرن الرابع الهجري: انظر: «لؤلؤة البحرين»: (ص ٤٠١ - ٤٠٤) .
(٥) الكشي: (ص ١٠٨ - ١٠٩) وقد أورد الكشي عدة روايات لهم عن ابن سبأ وعقائده، انظر: رقم ١٧٠، ١٧١، ١٧٢، ١٧٣، ١٧٤، من ص ١٠٦ - ١٠٨.
[ ١ / ١٣٧ ]
العلم حسن الاعتقاد ومستقيم المذهب) (١) مع الطوسي شيخ طائفتهم، وصاحب كتابين من صحاحهم الأربعة. وما نقلناه عن رجال الكشي هو من تهذيب الطوسي، لأنهم قالوا (بأن الأصل لا يعرف له أثر) (٢) .
ونقل الممقاني - الذي يعتبرونه من أكبر علمائهم المعاصرين في الرجال - ما قاله الكشي عن ابن سبأ (٣) . ولعل أقدم مصدر عند الشيعة تحدث عن ابن سبأ والسبئية هو كتاب (مسائل الإمامة) (٤) لعبد الله الناشئ الأكبر (٥) (ت ٢٩٣) . وكتب الشيعة التي ذكرت ابن سبأ كثيرة لا مجال لاستعراضها، وما نقلناه يشهد بوجود ابن سبأ وسعيه لبذر العقائد الدخيلة في معتقد الأمة - باعتراف كتب الشيعة نفسها - وأنه أول من قال بالوصية لعلي ورجعته وطعن في الخلفاء الثلاثة والصحابة، وهي آراء وعقائد أصبحت فيما بعد من أسس المذهب الشيعي.
رابعًا: ومنهم من يجعل تاريخ ظهور الشيعة يوم الجمل. قال ابن النديم أن عليًّا قصد طلحة والزبير ليقاتلهما حتى يفيئا إلى أمر الله جل
_________________
(١) الطوسي: «الفهرست»: (ص ١٦٧ - ١٦٨)، وانظر: «مقدمة رجال الكشي» لحسن مصطفى: ص ١٢.
(٢) «مقدمة رجال الكشي»: (ص ١٧ - ١٨) وانظر: يوسف البحراني: «لؤلؤة البحرين»: ص ٤٠٣.
(٣) الممقاني: «تنقيح المقال»: (٢/٨٤) .
(٤) انظر: «مسائل الإمامة»: (ص ٢٢ - ٢٣) .
(٥) عبد الله بن محمد أبو العباس المعروف بابن شرشير الناشئ الأكبر. قال ابن خلكان: كان من الشعراء المجيدين وكان نحويًّا عروضيًا متكلمًا، أصله من الأنبار وأقام ببغداد مدة طويلة، وله عدة تصانيف جميلة، وتوفي بمصر سنة ٢٩٣هـ «وفيات الأعيان»: (٣/٩١ - ٩٢)، «أنباء الرواة»: (٢/١٢٨ - ١٢٩) .
[ ١ / ١٣٨ ]
اسمه، وتسمى من اتبعه على ذلك بالشيعة، وكان يقول: شيعتي، وسماهم ﵇: الأصفياء، الأولياء، شرطة الخميس، الأصحاب) (١) .
هذا هو رأي - ابن النديم - وهو شيعي. ويرى د. مصطفى الشيبي - شيعي معاصر - أنه رأي غريب (٢)، ولكن لا يستغرب مثل هذا الرأي من شيعي متحمس لمذهبه، وقال د. النشار: (أرى في كلام ابن النديم وهو شيعي بعض الغلو) (٣) .
خامسًا: إن تاريخ ظهور الشيعة بعد رجوع علي من صفين. ومن أشهر القائلين بالرأي المذكور الأستاذ وات منتوجمري (٤) (Montgomery Watt) حيث يقول: (إن بداية حركة الشيعة هي أحد أيام سنة ٦٥٨م -٣٧هـ) (٥) .
ويقول صاحب «مختصر التحفة الإثني عشرية»: (إن ظهور اسم الشيعة كان عام ٣٧هـ) (٦) .
سادسًا: إن مقتل الحسين كان هو زمن ميلاد الشيعة، يقول شتروتمان (٧) (Strotnmann، R.): (إن دم الحسين يعتبر البذرة الأولى
_________________
(١) ابن النديم: «الفهرست»: ص ٢٤٩.
(٢) مصطفى الشيبي: «الصلة بين التصوف والتشيع»: ص ١٨.
(٣) علي سامي النشار: «نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام»: (٢/٢٣) .
(٤) عميد قسم الدراسات العربية في جامعة ادنبرا. آثاره: «عوامل انتشار الإسلام»، و«محمد في مكة»، «الإسلام والجماعة الموحدة»، انظر: نجيب العقيقي: «المستشرقون»: (٢/٥٥٤) .
(٥) Montgomery Watt، Islam and the Integration of Society، P. ١٠٤.
(٦) «مختصر التحفة»: ص ٥.
(٧) رودلف شتروتمان. من كبار العلماء المتخصصين في الفرق ومذاهبها وله عنها مباحث رصينة. من آثاره: «الزيدية»، وأربعة كتب إسماعيلية، الشيعة والزيدية. =
[ ١ / ١٣٩ ]
للتشيع كعقيدة) (١) .