قال الإمام البيهقي: (١) (فأما أهل السنّة فمعولهم فيما يعتقدون الكتاب والسنّة) وقدوتهم العملية صحابة رسول الله - ﷺ -، قال الإمام أحمد: (أصول السنّة عندنا التمسك بما كان عليه أصحاب رسول الله - ﷺ - والاقتداء بهم وترك البدع) (٢) .
وكثير من طوائف البدع يدعون الرجوع إلى الكتاب والسنّة لكن الادعاء غير الواقع ذلك أنهم اختلقوا كثيرًا من الأحاديث فسَّروا في ضوئها كتاب الله.. وتأولوا كثيرًا من آيات الله على غير وجهها، فنتج عن تفسيرهم المنحرف وتأويلهم المتعسف قرآن آخر غير الذي في أيدي المسلمين.
وبعض أهل البدع يركن في تلقي عقيدته إلى العقل ولا يعول على النصوص أو يلتفت إليها (٣) .
وتنفرد طائفة الشيعة بأنها تتلقى السنّة من أئمة مع الرسول - ﷺ -، فالسنّة عندهم هي قول "المعصوم"، والمعصوم ليس رسول الله - ﷺ - فحسب - كما هو اعتقاد أهل السنّة - بل ادعوا العصمة لآخرين تختلف أعدادهم وأعيانهم باختلاف الفرق الشيعية.
_________________
(١) البيهقي: «مناقب الشافعي»: ص ٤٦٢.
(٢) «كاشف الغمة في اعتقاد أهل السنّة»: ص ٢٠ (مخطوط) . انظر: «طبقات الحنابلة»: (١/٢٤١، ٢٤٦)، «المدخل إلى مذهب الإمام أحمد»: ص ١٩.
(٣) وإذا انحرف بعض المنتسبين لأهل السنّة وسلك هذا المسلك فلا يحتج بذلك على أهل السنّة، فليس الانتماء لأهل السنّة بالوراثة والنسب أو الادعاء والتسمي ولكنه ما صدقه الواقع وحققه العمل. والقدوة في ذلك رسول الله - ﷺ -. ورصيد التجربة المثلى في هذا مجتمع الصحابة رضوان الله عليهم.
[ ١ / ٥٠ ]
أما أهل السنّة فالمصدر الأول في التلقي عندهم هو كتاب الله، وقد أجمعوا على حفظ الله له من النقص والزيادة والتحريف على ما هو صريح قول الله تعالى: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) (١) - وسيأتي لهذا تفصيل - وسلكوا في تفسير كتاب الله المسلك الشرعي وابتعدوا عن التأويلات البعيدة.. والتكلفات الغريبة على ما لا تسيغه بلاغة القرآن وأسرار الشريعة ولغة العرب.
وقالوا: (وأحسن الطرق في التفسير تفسير القرآن بالقرآن، وإلا فبالسنّة، وإلا فبالصحيح من أقوال الصحابة، وإلا فبما أجمع التابعون عليه) (٢) .
وحذروا من قبول المرويات الضعيفة في التفسير فقالوا: (يجب الحذر من الضعيف والموضوع فإنه كثير) (٣) . (والمنقولات التي يحتاج إليها في الدين قد نصب الله الأدلة على بيان ما فيها من صحيح وغيره) (٤) .
والمصدر الثاني «السنّة»، وهي المبينة للكتاب؛ إذ هي سنّة المعصوم رسول الله - ﷺ - وليس لأحد عصمة بعده - ﷺ -.
وقد تلقى الصحابة رضوان الله عليهم ما جاء به - ﷺ - ونقلوه إلى الأمة.
ويتمثل وجود السنّة في دواوين الإسلام المعروفة والمشهورة مثل صحيح البخاري ومسلم وكتب السنن كسنن أبي داود والترمذي
_________________
(١) الحجر: آية ٩.
(٢) راجع في هذا الموضوع مقدمة التفسير لابن تيمية في «الفتاوى»: (١٣/٣٦٣) وما بعدها.
(٣) انظر الزركشي، «البرهان»: (٢/١٥٦) .
(٤) ابن تيمية «الفتاوى»: (١٣/٣٤٦) .
[ ١ / ٥١ ]
والنسائي وابن ماجه، وسنن الدارمي، وموطأ مالك، ومثل المسانيد المعروفة كمسند الإمام أحمد وغيره، إلى غير ذلك من مدونات الحديث النبوي والتي هي أشهر من أن يعرف بها.
وهناك مدونات خاصة بالعقيدة اقتصر جامعوا أحاديثها على مسائل الاعتقاد.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (وقد جمع طوائف من العلماء الأحاديث والآثار المروية في عقائد أهل السنّة مثل حماد بن سلمة (١)، وعبد الرحمن بن مهدي (٢)، وعبد الله بن عبد الرحمن الدارمي (٣)، وعثمان بن سعيد الدارمي (٤) وغيرهم في طبقتهم.
_________________
(١) الإمام الحافظ شيخ الإسلام أبو سلمة حماد بن سلمة بن دينار البصري، قال الذهبي: هو أول من صنف التصانيف مع ابن أبي عروبة. وقال البيهقي: هو أحد أئمة المسلمين إلا أنه لما كبر ساء حفظه فلذا تركه البخاري، وأما مسلم فاجتهد وأخرج من حديثه عن ثابت ما سمع منه قبل تغيره. توفي سنة سبع وستين ومائة وقد قارب الثمانين. انظر: «تذكرة الحفاظ»: (١/٢٠٢ - ٢٠٣)، و«تهذيب التهذيب»: (٣/١٤) .
(٢) عبد الرحمن بن مهدي بن حسان بن عبد الرحمن العنبري البصري اللؤلؤي الحافظ الإمام العلم، قال علي بن المديني: أعلم الناس بالحديث عبد الرحمن بن مهدي، وقال الشافعي: لا أعرف له نظيرًا في الدنيا، وقال ابن حبان: كان من الحفاظ المتقنين وأهل الورع في الدين ممن حفظ وجمع وتفقه وصنف وحدث وأبى الرواية إلا عن الثقات، ولد سنة ١٣٥هـ وتوفي سنة ١٩٨هـ. انظر: «تهذيب التهذيب»: (٦/٢٧٩)، «حلية الأولياء»: ص ٣٧٩ وما بعدها.
(٣) الإمام الحافظ شيخ الإسلام بسمرقند أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن بن الفضل بن بهرام التميمي الدارمي السمرقندي صاحب المسند العالي الذي في طبقة مسند عبد بن حميد، حدث عنه مسلم وأبو داود والترمذي وغيرهم، صنف «المسند» و«التفسير» وكتاب «الجامع»، وتوفي سنة ٢٥٥هـ وكان مولده سنة ١٨١هـ. انظر: «تذكرة الحفاظ»: (٢/٣٥٤) وما بعدها، «تهذهيب التهذيب»: (٥/٢٩٤ - ٢٩٦)، وانظر: فؤاد سيزكين: (١/١٧٢) .
(٤) عثمان بن سعيد بن خالد بن سعيد السجستاني الدارمي، أبو سعيد الحافظ محدث هراة =
[ ١ / ٥٢ ]
ومثل ما بوب عليه البخاري وأبو داود والنسائي وابن ماجه وغيرهم في كتبهم مما يتعلق بالعقيدة.
ومثل مصنفات الأثرم (١) وعبد الله بن أحمد (٢)، وأبي بكر الخلال (٣) وأبي القاسم الطبراني (٤)، وأبي الشيخ الأصبهاني (٥)، وأبي بكر
_________________
(١) = وأحد الأعلام الثقات، ومن مصنفاته «كتاب في الرد على الجهمية» و«كتاب في الرد على بشر المريسي» و«مسند كبير» وتوفي سنة ٢٨٠هـ، وكان مولده سنة ٢٠٠هـ. وانظر: «طبقات الشافعية»: (٢/٣٠٢) وما بعدها، «مرآة الجنان»: (٢/١٩٣)، وانظر: «تاريخ التراث»: (٢/٣٧٠ - ٣٧١) .
(٢) الحافظ الكبير العلامة أبو بكر أحمد بن محمد بن هاني الإسكافي صاحب الإمام أحمد، حدث عنه النسائي في السنن وغيره، قال الذهبي: صنف التصانيف.. له كتاب في العلل وله كتاب نفيس في السنن يدل على إمامته وسعة حفظه، وله كتاب «التاريخ» .. وتوفي بعد الستين ومائتين. انظر: «تذكرة الحفاظ»: (٢/٥٧٠، ٥٧١)، «تاريخ بغداد»: (١١٠ - ١١٢)، «شذرات الذهب»: (٢/١٤١، ١٤٢)، وانظر: «تاريخ التراث»: (٢/٢٠٩) .
(٣) أبو عبد الرحمن عبد الله بن أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني البغدادي الإمام الحافظ الحجة.. من تصانيفه كتاب «السنة»، و«فضائل عثمان بن عفان» وغيرهما، توفي سنة ٢٩٠هـ وكان مولده سنة ٢١٣هـ. انظر: «طبقات الحنابلة»: (١/١٨٠) وما بعدها، «تهذيب التهذيب»: (٥/١٤١ - ١٤٣)، «تاريخ التراث»: (٢/٢٠٠) .
(٤) الفقيه العلامة المحدث أبو بكر أحمد بن محمد بن هارون البغدادي الحنبلي المشهور بالخلال، صنف كتاب «السنة» في ثلاثة مجلدات وكتاب «العلل» في عدة مجلدات وكتاب «الجامع» وهو كبير جدًّا.. توفي سنة ٣١١هـ وكانت ولادته سنة ٢٣٤ أو ٢٣٥هـ، انظر: «تذكرة الحفاظ»: (٣/٧٨٦)، «البداية والنهاية»: (١١/١٤٨)، «تاريخ بغداد»: (٥/٣١٢، ٣١٣)، «تاريخ التراث»: (٢/٢١٢ - ٢١٣) .
(٥) الحافظ الإمام الحجة أبو القاسم سليمان بن أحمد بن أيوب بن مطير الطبراني، صنف «المعجم الكبير»، و«المعجم الأوسط»، و«المعجم الصغير»، وله كتاب «السنة»، وكتاب «دلائل النبوة»، وكتاب «الرد على الجهمية» وله تفسير كبير وآثار كثيرة. توفي سنة ٣٦٠هـ، وكان مولده سنة ٢٦٠هـ. انظر: «تذكرة الحفاظ»: (٣/٩١٢) وما بعدها، «وفيات الأعيان»: (٢/٤٠٧)، «النجوم الزاهرة»: (٤/٥٩، ٦٠)، «تاريخ التراث»: (١/٢١٨) .
(٦) حافظ أصبهان الإمام أبو محمد عبد الله بن محمد بن جعفر بن حبان الأنصاري يعرف بأبي الشيخ كان مفسرًا مشهورًا ومحدثًا ثقة.. من مؤلفاته كتاب «العظمة» أو «عظمة الله =
[ ١ / ٥٣ ]
الآجري (١)، وأبي الحسن الدارقطني (٢) وأبي عبد الله بن منده (٣)، وأبي القاسم اللالكائي (٤)، وأبي عبد الله بن بطه (٥)، وأبي عمر
_________________
(١) = ومخلوقاته»، وكتاب «النوادر والنتف»، و«أخلاق النبي - ﷺ -»، و«عوالي حديث أبي الشيخ»، و«أحاديث أبي الزبير» وغيرها. توفي سنة ٣٦٩هـ، وكان مولده سنة ٢٧٤هـ، انظر: «طبقات الحفاظ»: (٣/٩٤٥)، «النجوم الزاهرة»: (٤/١٣٦)، «شذرات الذهب»: (٣/٦٨)، «تاريخ التراث»: (١/٣٢٦) .
(٢) الإمام المحدث القدوة أبو بكر محمد بن الحسين بن عبد الله البغدادي مصنف كتاب «الشريعة»، و«التصديق بالنظر إلى الله في الآخرة» وغيرهما، توفي سنة ٣٦٠هـ. انظر: «تذكرة الحفاظ»: (٣/٣٩٦)، «تاريخ بغداد»: (٢/٢٤٣)، «البداية والنهاية»: (١١/٢٧٠)، «تاريخ التراث»: (١/٣١٤) .
(٣) الإمام شيخ الإسلام أبو الحسن علي بن عمر بن أحمد بن مهدي البغدادي الحافظ الشهير صاحب السنن، قال القاضي أبو الطيب الطبري: الدارقطني أمير المؤمنين في الحديث، ومن آثاره: «كتاب الصفات» أو «أحاديث الصفات»، و«أحاديث النزول»، «فضائل الصحابة ومناقبهم»، «كتاب فيه ما ورد من النصوص المتعلقة برؤية الباري» وغيرها، توفي سنة ٣٨٥، وكان مولده سنة ٣٠٦هـ أو ٣٠٥هـ. «تاريخ بغداد»: (١٢/٣٤) وما بعدها، وانظر: «تذكرة الحفاظ»: (٣/٩٩١)، «غاية النهاية»: ص ٥٥٨، ٥٥٩، «تاريخ التراث»: (١/٥٠٩) .
(٤) الإمام الحافظ محدث العصر أبو عبد الله محمد بن الشيخ أبي يعقوب إسحاق بن الحافظ أبي عبد الله محمد بن أبي زكريا يحيى بن منده الأصفهاني، تلقى العلم عن ١٧٠٠ شيخ في أقطار العالم الإسلامي، ومن آثاره: «الرد على الجهمية»، و«كتاب التوحيد ومعرف أسماء الله وصفاته»، و«معرفة الصحابة» وغيرها، ولد سنة ٣١٠هـ وقيل غير ذلك، توفي سنة خمس وتسعين وثلاثمائة. انظر: «تذكرة الحفاظ»: (٣/١٠٣١)، و«تاريخ التراث»: (١/٣٥٣) وما بعدها، «الوافي بالوفيات»: (٢/١٩٠ - ١٩١)، «لسان الميزان»: (٥/٧٠ - ٧٢) .
(٥) ومضت ترجمته ص ٤١.
(٦) عبيد الله بن محمد بن محمد بن حمدان بن عمر بن عيسى بن إبراهيم بن سعد بن عتبة بن فرقد صاحب رسول الله - ﷺ - أبو عبد الله العكبري المعروف بابن بطة، ومن آثاره: «الإبانة الكبيرة»، و«الإبانة الصغيرة»، «السنن والمناسك» وغيرها، توفي سنة سبع وثمانين وثلاثمائة وكان مولده سنة ٣٠٤، انظر: «طبقات الحنابلة»: (٢/١٣٤ - ١٥٣)، وانظر: «المنهج الأحمد»: ص ٦٩ - ٧٣ (وسماه فيه عبد الله) .
[ ١ / ٥٤ ]
الطلمنكي (١) وأبي نعيم الأصبهاني (٢)، وأبي ذر الهروي (٣)، وأبي بكر البيهقي (٤) (٥) وغيرهم.
وقد سمى كثير منهم "مدوناتهم" في هذا الباب باسم السنّة أي كتاب «السنّة» (٦) .
_________________
(١) الحافظ الإمام المقرئ أبو عمر أحمد بن محمد بن عبد الله بن يحيى المعافري الأندلسي الطلمنكي نسبة إلى "طلمنكة" من ثغر الأندلس الشرقي.. وهو عالم أهل قرطبة، روى عنه أبو عمر بن عبد البر وأبو محمد بن حزم وغيرهما، قال ابن بشكوال:.. وكان سيفًا مجردًا على أهل الأهواء والبدع. ومن آثاره: «الدليل إلى معرفة الأصول»، و«فضائل مالك»، و«رجال الموطأ» وغيرها، توفي سنة تسع وعشرين وأربعمائة وكان مولده سنة ٣٣٩هـ انظر: «الديباج المذهب»: ص ٣٩ - ٤٠، و«طبقات الحفاظ»: (٣/١٠٩٨)، و«بغية الملتمس»: ص ١٥١، و«شذرات الذهب»: (٣/٢٤٣ - ٢٤٤) .
(٢) الحافظ الكبير محدث العصر أبو نعيم أحمد بن عبد الله بن أحمد بن إسحاق بن موسى الأصبهاني، من آثاره: «حلية الأولياء»، وكتاب «المعتقد»، و«فضائل الصحابة»، وكتاب «دلائل النبوة» وغيرها، توفي ٤٣٠هـ وكانت ولادته سنة ٣٣٦هـ أو ٣٣٤هـ. انظر: «تذكرة الحفاظ»: (٣/١٠٩٢)، «لسان الميزان»: (١/٢٠١ - ٢٠٢)، «البداية والنهاية»: (١٢/٤٥) .
(٣) الإمام العلامة الحافظ أبو ذر عبد بن أحمد بن محمد بن عبد الله الأنصاري الهروي، ومن آثاره: كتاب «السنة والصفات»، وكتاب «الجامع»، وكتاب «فضائل القرآن»، و«دلائل النبوة» وغيرها، توفي في سنة ٤٣٤هـ، انظر: «تذكرة الحفاظ»: (٣/١١٠٣)، «تاريخ التراث»: (١/٣٨٨) .
(٤) الإمام الحافظ العلامة شيخ خراسان أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي بن موسى البيهقي، قال الذهبي: عمل كتبًا لم يسبق إلى تحريرها منها: «الأسماء والصفات» وهو مجلدان، و«السنن الكبير» عشر مجلدات، و«السنن والآثار»، و«شعب الإيمان»، و«دلائل النبوة»، و«السنن الكبير» عشر مجلدات، و«السنن والآثار»، و«شعب الإيمان»، و«دلائل النبوة»، و«السنن الصغيرة»، و«البعث والمعتقد» .. وغيرها، توفي سنة ٤٥٨هـ، وكان مولده في سنة ٣٨٤. انظر: «تذكرة الحفاظ»: (٣/١١٣٢)، وانظر: «طبقات الشافعية»: (٤/٨ - ١٦)، «مرآة الجنان»: (٣/٨١ - ٨٢)، «شذرات الذهب»: (٣/٣٠٤، ٣٠٥) .
(٥) ابن تيمية: «عقيدة أهل السنّة» تعليق الشيخ عبد الرزاق عفيفي: ص ١٩ - ٢٠.
(٦) وممن سمى كتابه باسم السنّة: ابن شيبة أبو بكر عبد الله بن محمد بن إبراهيم بن =
[ ١ / ٥٥ ]
ومما تنبغي الإشارة إليه والتنبيه عليه أنه - كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -: (قد يقع في هذه المصنفات من الأحاديث الضعيفة ما يعرفه أهل المعرفة. وقد يروي كثير من الناس في الصفات وسار أبواب الاعتقادات وعامة أبواب الدين أحاديث كثيرة تكون موضوعة مكذوبة على رسول الله - ﷺ -) (١) .
وقد أقام الله سبحانه من يحفظ سنّة نبيه ويعنى بتمييز صحيحها من غيره ويضع المقاييس والضوابط لذلك، وقامت دراسات دقيقة ومحكمة لمتون الأحاديث وأسانيدها حتى أصبحت هناك إمكانية لمعرفة الأحاديث
_________________
(١) = عثمان العبسي، توفي سنة ٢٢٥هـ، وأبو بكر الأثرم (المتقدم ذكره) وأبو داود السجستاني (صاحب السنن)، وأبو بكر أحمد بن عمرو بن أبي عاصم البصري توفي سنة ٢٧٥هـ، وأبو بكر أحمد بن علي سعيد المروزي توفي سنة ٢٩٢هـ، وأبو بكر الخلال (المتقدم ذكره)، وأبو أحمد محمد بن أحمد بن إبراهيم الأصبهاني العسال توفي سنة ٣٤٩هـ، وأبو القاسم الطبراني (السابق ذكره)، وأبو محمد عبد الله بن محمد بن جعفر بن حبان ويقال ابن حبان توفي سنة ٤٣٤هـ، وأبو ذر الهروي (السابق ذكره) وغيرهم، وقد يسمون تلك المصنفات بأسماء أخرى انظر: ابن تيمية، «الفتوى الحموية الكبرى»، بتحقيق محمد عبد الرزاق حمزة: ص ١٧ - ٢٠، «منهاج السنّة»، بتحقيق محمد رشاد سالم: (٢/٢٨٣)، السفاريني: «لوامع الأنوار البهية»: (١/٢١، ٢٢)، «الرسالة المستطرفة»: (ص ٢٩- ٣٠)، وانظر: علي سامي النشار مقدمة «عقائد السلف»: (ص ٥- ٧) . وأقول - مع بالغ الأسف - إن هذه المدونات المهمة لم تأخذ العناية من المؤسسات التعليمية والباحثين في مجال العقائد الإسلامية، وأصبح اعتماد كثير من المؤسسات الثقافية في العالم الإسلامي على كتب المتأخرين المشوبة بكثير من الأفكار الغريبة والآراء الدخيلة، مع أن الواجب الشرعي والمنهج العلمي يقتضي أن نرجع إلى الأصول قبل كل شيء، وإنه لمن الضروري العناية بهذه الأصول وإخراج هذه الكنوز وتحقيقها، تلك التي قد ضاع بعضها وبعضها قابع في مراكز المخطوطات في العالم وقليل منها بين أيدي الناس
(٢) ابن تيمية: «عقيدة أهل السنّة» بتعليق الشيخ عبد الرزاق عفيفي: ص ٢٠.
[ ١ / ٥٦ ]
الصحيحة من غيرها، واطمأن المسلمون على سنّة نبيهم حتى إن الخليفة هارون الرشيد رد على الزنادقة حين تحداه بقوله: (فأين أنت عن ألف حديث وضعتها ونسبتها إلى رسول الله - ﷺ - ما فيها حرف نطق به رسول الله - ﷺ -؟) فكان جواب الرشيد لهذا الزنديق: (فأين أنت يا عدو الله من أبي إسحاق الغزاري، وعبد الله بن المبارك ينخلانها نخلًا فيخرجانها حرفًا حرفًا) (١) .
ولقد كان الأئمة في الحديث يعرفون الأحاديث بطرقها وأسانيدها بحيث لو روي حديث بغير سنده وطريقه لعرفوا أنه قد حرف عن موضعه، كما وقع مثل ذلك للإمام محمد ابن إسماعيل البخاري حين ورد إلى بغداد وقصد المحدثون امتحانه فسألوه عن أحاديث قلبوا أسانيدها فقال: لا أعرف هذه ولكن حدثني فلان، ثم أتى بجميع تلك الأحاديث على الوضع الصحيح وردّ كل متن إلى سنده (٢) .
ولقد اعترف "الشيعة" بتثبيت أئمة السنّة في رواية الحديث، جاء في كتاب «السرائر» - وهو من كتبهم المعتبرة (قال صاحب البحار: «كتاب السرائر لا يخفي الوثوق عليه وعلى مؤلفه على أصحاب السرائر» (٣» - جاء في هذا الكتاب حديثهم التالي عن بعض أصحابنا
_________________
(١) ياقوت الحموي «معجم الأدباء»: (جـ١/ ٢١٢ - ٢١٣) .
(٢) انظر ابن حجر: «هدي الساري»: ص ٤٨٦، ابن خلدون، «المقدمة»: (٣/٩، ١٠) قال الصنعاني في «توضيح الأفكار» عن قصة البخاري مع علماء الحديث في بغداد، (وهي مشهورة أخرجها ابن عدي عن مشائخ البخاري، وأخرجها أبو بكر الخطيب في «التاريخ» في غير موضع وساقها الحافظ ابن حجر في نكته على ابن الصلاح بإسناده) . «توضيح الأفكار لمعاني تنقيح الأنظار» (ص ١٠٣ - ١٠٤) .
(٣) «البحار»: (جـ١/ص ٣٣)، ووصفوا مؤلف السرائر بـ "الإمامة العلامة حبر العلماء والفقهاء وفخر الملة والحق والدين شيخ الفقهاء رئيس المذهب الفاضل الكامل عين =
[ ١ / ٥٧ ]