ومع كل ما ورد في هذا المساق فقد تكون الرؤية في هذا المقام أكثر دقة إذا نحن نظرنا إلى بعض الملابسات. ولذا فإني أرى أن تعريف الشيعة مرتبط أساسًا بأطوار نشأتهم ومراحل التطور العقدي لهم، ولهذا كان في الصدر الأول لا يسمى شيعيًّا إلا من قدّم عليًّا على عثمان، ولذلك قيل شيعي وعثماني، والشيعي من قدّم عليًّا على عثمان، والعثماني من قدّم عثمان على علي - ﵁ - (١) .
فعلى هذا يكون تعريف الشيعة في الصدر الأول مقصورًا على الذين يقدمون عليًّا على عثمان فقط.
ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية إن: (الشيعة الأولى الذين كانوا على عهد علي كانوا يفضلون أبا بكر وعمر (٢)، ولما سأل سائل شريك بن عبد الله (٣) فقال له أيهما أفضل: أبو بكر أو علي؟ فقال له: أبو بكر. قال له السائل: تقول هذا وأنت شيعي؟ فقال له: نعم، ومن لم يقل هذا فليس شيعيًّا، والله لقد رقي عليٌّ هذه الأعواد، فقال: ألا إن خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر، فكيف نرد قوله وكيف نكذبه؟ والله ما كان كذابًا) (٤) .
_________________
(١) نشوان الحميري: «الحور العين»: ص ١٧٩، وانظر: ابن المرتضي: «المنية والأمل»: ص ٨١.
(٢) «منهاج السنة»: (٢/٦٠) تحقيق: رشاد سالم.
(٣) شريك بن عبد الله بن أبي نمر القرشي أبو عبد الله المدني. توفي سنة ١٤٠هـ، وقد أخرج له البخاري ومسلم وغيرهما. انظر: «الخلاصة»: ص ١٦٦، «تقريب التهذيب»: (١/٣٥١) .
(٤) «منهاج السنة»: (١/٧-٨) تحقيق: رشاد سالم.
[ ١ / ١٢٦ ]
وروى ابن بطة عن شيخه المعروف بأبي العباس بن مسروق: حدثنا محمد بن حميد، حدثنا جرير عن سفيان عن عبد الله بن زياد بن حدير قال: قدم أبو إسحاق السبيعي الكوفة، قال لنا شمر بن عطية: قوموا إليه، فجلسنا إليه، فتحدثوا، فقال أبو إسحاق: خرجت من الكوفة وليس أحد يشك في فضل أبي بكر وعمر وتقديمهما، وقدمت الآن وهم يقولون ويقولون، ولا والله ما أدري ما يقولون (١) .
قال محب الدين الخطيب (٢): (هذا نص تاريخي عظيم في تحديد تطور التشيع، فإن أبا إسحاق السبيعي كان شيخ الكوفة وعالمها، ولد في خلافة أمير المؤمنين عثمان قبل شهادته بثلاث سنين، وعمَّر حتى توفي سنة ١٢٧هـ، وكان طفلًا في خلافة أمير المؤمنين علي. وهو يقول عن نفسه رفعني أبي حتى رأيت علي بن أبي طالب يخطب، أبيض الرأس واللحية، ولو عرفنا متى فارق الكوفة ثم عاد فزارها لتوصلنا إلى معرفة الزمن الذي كان فيه شيعة الكوفة علويين يرون ما يراه إمامهم من تفضيل أبي بكر وعمر، ومتى أخذوا يفارقون عليًّا ويخالفونه فيما كان يؤمن به ويعلنه على منبر الكوفة من أفضلية أخويه صاحبي رسول الله - ﷺ - ووزيريه وخليفتيه على أمته في أنقى وأطهر أزمانها) (٣) .
_________________
(١) «المنتقى»: ص ٣٦٠ (مختصر منهاج السنة) .
(٢) محب الدين بن أبي الفتح محمد بن عبد القادر بن صالح الخطيب، من كبار الكتاب الإسلاميين، تولى تحرير مجلة الأزهر ٦ سنوات وأصدر مجلتيه: الزهراء، والفتح، ونشر عددًا كبيرًا من كتب التراث، ومن مؤلفاته: «الرعيل الأول»، «تاريخ مدينة الزهراء» وغيرهما. توفي سنة ١٣٨٩هـ، وكان مولده سنة ١٣٠٣هـ. «الأعلام»: (٥/٢٨٢) طبعة دار الملايين.
(٣) «حاشية المنتقى»: (ص ٣٦٠ - ٣٦١) .
[ ١ / ١٢٧ ]
وقال ليث بن أبي سليم (١): (أدركت الشيعة الأولى وما يفضلون على أبي بكر وعمر أحدًا) (٢) .
وذكر صاحب مختصر التحفة: (أن الذين كانوا في وقت خلافة الأمير - كرم الله وجهه ــ من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان، كلهم عرفوا له حقه، وأحلوه من الفضل محله، ولم ينتقصوا أحدًا من إخوانه أصحاب رسول الله؟ فضلًا عن إكفاره وسبه، بيد أن منهم من قاتل معه على تأويل القرآن كما قاتلوا مع رسول الله - ﷺ - على تنزيله، فقد كان معه - ﵁ - في حرب صفين من أصحاب بيعة الرضوان ثمانمائة صحابي، وقد استشهد منهم تحت رايته هناك ثلاثمائة) (٣) .
ولكن مبدأ التشيع تغير فأصبحت الشيعة شيعًا، لهذا نرى الإمام زيدًا يسمي الطاعنين في الشيخين بالروافض ويجردهم من وصف الشيعة لأنهم لا يستحقونه.
ومن عرف التطور العقدي لطائفة الشيعة لا يستغرب وجود طائفة من أعلام المحدثين وغير المحدثين من العلماء الأعلام أطلق عليهم لقب الشيعة، وقد يكونون من أعلام السنّة، لأن للتشيع في زمن السلف
_________________
(١) ليث بن أبي سليم القرشي الكوفي: هو أحد العلماء والنساك، أدرك عكرمة وأخذ عنه، وهو من شيوخ معمر وشعبة والثوري، وكان من أعلم أهل الكوفة بالمناسك، توفي سنة ١٤٣هـ، وقد أخرج له أصحاب السنن، وأخرج له مسلم مقرونًا بغيره. قال ابن حجر: صدوق اختلط أخيرًا ولم يتميز حديثه فترك. انظر: «تقريب التهذيب»: (٢/١٣٨)، «تهذيب التهذيب»: (٨/٤٦٥ - ٤٦٨)، «الكاشف»: (٣/١٤) .
(٢) «المنتقى»: (ص ٣٦٠ - ٣٦١) .
(٣) «مختصر التحفة الاثني عشرية»: ص ٣.
[ ١ / ١٢٨ ]
مفهومًا وتعريفًا غير المفهوم والتعريف المتأخر للشيعة، ولهذا قال الإمام الذهبي (١) (ت ٧٤٨هـ)، في معرض الحديث عمن رمى ببدعة التشيع من المحدثين قال: (إن البدعة على ضربين فـ"بدعة صغرى" كغلو التشيع أو كالتشيع من غير غلو، فهذا كثير في التابعين وأتباعهم مع الدين والورع والصدق، فلو رد حديث هؤلاء لذهب جملة من الآثار النبوية وهذه مفسدة بينة، ثم "بدعة كبرى" كالرفض الكامل والغلو فيه والحط على أبي بكر وعمر - ﵄ - والدعاء إلى ذلك، فهذا النوع لا يحتج بهم ولا كرامة، وأيضًا فما استحضر الآن في هذا الضرب رجلًا صادقًا ولا مأمونًا، بل الكذب شعارهم والتقِيَّة والنفاق دثارهم، فكيف يقبل نقل من هذا حاله؟ حاشا وكلاّ.
فالشيعي الغالي في زمان السلف وعرفهم هو من تكلم في عثمان والزبير وطلحة ومعاوية وطائفة ممن حارب عليًّا - ﵁ - وتعرض لسبهم.
والغالي في زماننا وعرفنا هو الذي يكفّر هؤلاء السادة ويتبرأ من الشيخين، فهذا ضال مفتر) (٢) .
_________________
(١) محمد بن أحمد بن عثمان بن قايماز بن عبد الله التركماني الأصل الفارقي ثم الدمشقي (أبو عبد الله شمس الدين الذهبي)، الحافظ الكبير المؤرخ صاحب التصانيف السائرة في الأقطار، قال ابن حجر: (مهر في فن الحديث وجمع فيه المجاميع المفيدة، وجمع تاريخ الإسلام فأربى فيه على ما تقدم) ومن كتبه: «تاريخ الإسلام»، «ميزان الاعتدال» وغيرهما، توفي سنة ٧٤٨هـ في دمشق وكان مولده في سنة ٦٧٣هـ. انظر ابن شاكر الكتبي: «فوات الوفيات»: (٣/٣١٥ - ٣١٧)، ابن حجر: «الدرر الكامنة»: (٣/٤٢٦ - ٤٢٧)، الشوكاني: «البدر الطالع»: (٢/١١٠ - ١١٢) .
(٢) «ميزان الاعتدال»: (١/٥ - ٦)، وانظر: «لسان الميزان» لابن حجر: (١/٩ - ١٠) .
[ ١ / ١٢٩ ]