هذه معظم الآراء في نشأة الشيعة والذي أراه أن الشيعة باعتبارها فكرة وعقيدة لم تولد فجأة، بل إنها أخذت أطوارًا زمنية.. ولكن طلائع العقيدة الشيعية، وجذورها الأولى ظهرت على يد السبئية باعتراف كتب الشيعة التي قالت بأن ابن سبأ أول من أشهر القول بفرض إمامة علي - كما مر نقله - وهذه عقيدة «النص على علي بالإمامة» وهي أساس التشيع، وقالت: إن عبد الله بن سبأ أول من أظهر الطعن في أبي بكر وعمر وعثمان أصهار رسول الله؟ وأرحامه والصحابة - كما قال النوبختي وغيره - وهذه هي عقيدة الشيعة في الصحابة، وذكرت أنه لما بلغه نعي علي بالمدائن قال للذي نعاه: (كذبت، لو جئتنا بدماغه في سبعين صرة، وأقمت على قتله سبعين عدلًا لعلمنا أنه لم يمت ولم يقتل، ولا يموت حتى يملك الأرض، وهذه عقيدة الرجعة) .
وأما عقيدة الشيعة في أن الرسول - ﷺ - استودع عليًّا شيئًا غير ما في أيدي الناس، فقد وجدت هذه المقالة أيضًا في عهد علي - ﵁ -، وسئل عن ذلك فنفى هذه الدعوى نفيًا قاطعًا كما جاء في صحيح البخاري عن أبي جحيفة «٢) .
هذه بعض أصول الشيعة، وقد وجدت إثر مقتل عثمان وفي عهد علي ولم تأخذ مكانها في نفوس فرقة معينة، بل إن السبئية ما كادت
_________________
(١) = انظر نجيب العقيقي: «المستشرقون»: (٢/٧٨٨) .
(٢) «دائرة المعارف الإسلامية»: (١٤/٥٩) .
(٣) تقدم ذكر الحديث ص ٩٢.
[ ١ / ١٤٠ ]
تطل برأسها حتى حاربها علي - ﵁ -، ولكن ما تلا ذلك من أحداث هيأ جوًّا صالحًا لظهور هذه العقائد كمعركة صفين، وحادثة التحكيم التي أعقبتها، ومقتل علي ومقتل الحسين، كل هذه الأحداث هيأت جوًّا صالحًا لدخول الفكر الوافد من نافذة التشيع لعلي وآل بيته. ولم يكن استعمال "الشيعة" في عهد علي - ﵁ - إلا بمعنى الموالاة والنصرة، ولا يعني بحال الإيمان بعقيدة من عقائد الشيعة اليوم، ولم يختص إطلاقها بعلي - ﵁ -، ويدل على ذلك ما جاء في صحيفة التحكيم من إطلاق اسم الشيعة على كل من أتباع علي وأتباع معاوية ومما جاء فيها: (هذا ما تقاضى عليه علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان وشيعتهما ) «ومنها»: (وإن عليًّا وشيعته رضوا بعبد الله بن قيس ورضي معاوية وشيعته بعمرو بن العاص ) «ومنها» (فإذا توفي أحد الحكمين فلشيعته وأنصاره أن يختاروا مكانه ) «ومنها»: (وإن مات أحد الأميرين قبل انقضاء الأجل المحدود في هذه القضية فلشيعته أن يختاروا مكانه رجلًا يرضون عدله) (١) . فاسم الشيعة لم يتحدد بفئة معينة إلى ذلك الوقت. وقد أورد شيخ الإسلام ابن تيمية حديثًا في صحيح مسلم وفيه قول «حكيم بن أفلح»: لأني نهيتها - يعني عائشة - أن تقول في هاتين الشيعتين شيئًا» (٢) . وأخذ من هذا دلالة تاريخية على عدم اختصاص علي باسم الشيعة في ذلك الوقت (٣) .
_________________
(١) الدينوري: «الأخبار الطوال»: (ص ١٩٤ - ١٩٦)، «تاريخ الطبري»: (٥/٥٣ - ٥٤)، محمد حميد الله: «مجموعة الوثائق السياسية»: (ص ٢٨١ -٢٨٢) .
(٢) هذا جزء من حديث طويل في «صحيح مسلم» في باب جامع الصلاة الليل ومن نام عنه أو مرض، (٢/١٦٨ -١٧٠) .
(٣) انظر: «منهاج السنة»: (٢/٦٧) تحقيق د. رشاد سالم.
[ ١ / ١٤١ ]
ويستدل د. علي النشار ببعض النصوص التي تفيد عدم اختصاص علي باسم الشيعة في عهد خلافته ومنها قول معاوية لبسر بن أرطأة حين وجهه إلى اليمن: (أمعن حتى تأتي صنعاء فإن لنا بها شيعة) (١) .
لكن بعد مقتل الحسين رأينا بدء التجمع الفعلي لمن يدعون التشيع للأخذ بثأر الحسين.. يقول المسعودي (٢): (وفي سنة خمس وستين تحركت الشيعة في الكوفة) (٣) وتكونت حركة "التوابين" ثم حركة المختار "الكيسانية"، وبدأت الشيعة تتكون وتضع أصول مذهبها، وتستدل له.. وبعدما كانت الآراء الشيعية تطارد وجدت بعد هذه الأحداث الجو الذي تنمو فيه تحت ستار التشيع لآل البيت، وملخص القول أن بعض الأصول العقدية للشيعة ظهر على يد ابن سبأ في عهد علي، ولكنها لم تأخذ صفة الجماعة أو اسم التشيع، وبعد توالي الأحداث التي ذكرنا، ولا سيما بعد مقتل الحسين بدأت الشيعة كفرقة، وانطلقت لتأسيس مذهبها على أصول معينة، وبالتالي وجد أن الآراء التي نادى بها ابن سبأ أخذت مكانًا لها في المناخ الفكري للشيعة.
_________________
(١) النشار: «نشأة الفكر الفلسفي»: (٢/٣٣) .
(٢) علي بن الحسين بن علي أبو الحسن المسعودي، المؤرخ، قال ابن شاكر الكتبي: (كان إخباريًا علامة، صاحب غرائب وملح ونوادر)، قال ابن حجر: (وكتبه طافحة بأنه كان شيعيًا معتزليًّا) . مات في مصر سنة ٤٣٦هـ، ومن مصنفاته: «مروج الذهب»، «التنبيه والإشراف» وغيرهما. انظر: ابن شاكر الكتبي: «فوات الوفيات»: (٣/١٢ -١٣)، ابن حجر: «لسان الميزان»: (٤/٢٢٤ -٢٢٥) . وانظر: عباس القمي: «الكنى والألقاب»: (٣/١٦٠) .
(٣) المسعودي: «مروج الذهب»: (٣/١٠٠) .
[ ١ / ١٤٢ ]