وهم أتباع زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (١) وسموا بالزيدية نسبة إليه (٢)، وقد افترقوا عن "الإمامية" "الرافضة" حينما سئل زيد عن أبي بكر وعمر فترضى عنهما فرفضه قوم، فسموا رافضة لرفضهم إياه، وسمي من لم يرفضه من الشيعة زيدية لانتسابهم إليه، وذلك في آخر خلافة هشام سنة إحدى وعشرين أو اثنتين وعشرين ومائة (٣) .
والزيدية كما يقول الشهرستاني: (ساقوا الإمامة في أولاد فاطمة ﵂ ولم يجوزوا ثبوت الإمامة في غيرهم، إلا أنهم جوزوا أن يكون كل فاطمي عالم شجاع سخي خرج بالإمامة أن يكون إمامًا واجب الطاعة، سواء كان من أولاد الحسن أو من أولاد الحسين ﵄، وجوزوا إمامة المفضول مع وجود الأفضل) (٤) .
والزيدية «يوافقون المعتزلة في العقائد» (٥) لأن زيد بن علي
_________________
(١) «الملل والنحل»: (١/١٥٤)، وانظر: «مقدمة البحر الزخار»: ص ٤٠.
(٢) انظر: «الرسالة الوازعة» يحيى بن حمزة اليمني: ص ٢٨، وانظر: الأشعري: «مقالات الإسلاميين»: (جـ١/ص ١٣٦) . وانظر: السمعاني: «الأنساب»: (٦/٣٦٥)، ابن الأثير: «اللباب»: (١/٥١٧) .
(٣) «منهاج السنّة»: (١/٢١)، وانظر: «الرسالة الوازعة»: (ص ١٧- ١٨) .
(٤) «الملل والنحل»: (١/١٥٤- ١٥٥) .
(٥) «العلم الشامخ» المقبلي: ص ٣١٩. وقال الرازي في «المحصل» أن مذهبهم في الأصول قريب من مذهب المعتزلة. «المحصل»: ص ٢٤٨. أما الشهرستاني فيقول: أما في الأصول فيرون رأي المعتزلة حذو القذة بالقذة. «الملل والنحل»: (١/١٦٢) . =
[ ١ / ١٥٩ ]
تتلمذ في الأصول على واصل بن عطا (١) .
ومذهب الزيدية المعتدلة أو الزيدية الحقيقية في الصحابة هو الترضي عنهم كما ينقل ذلك ابن الوزير (٢) عن "الإمام الكبير المنصور بالله" (٣)، إذ قال في الرسالة الإمامية في الجواب عن المسائل التهامية:
فأما ما ذكره المتكلم عنا من تضعيف آراء الصحابة فعذرنا أنهم أشرف قدرًا، وأعلى أمرًا، وأرفع ذكرًا من أن تكون آراؤهم ضعيفة، أو موازينهم في الشرف والدين خفيفة، فلو كان كذلك لما اتبعوا
_________________
(١) = المعتزلة: سموا بذلك لاعتزال واصل بن عطاء وبعض أتباعه مجلس الحسن البصري فقال الحسن: (اعتزل عنا واصل)، فسمي هو وأصحابه معتزلة. وقال البغدادي: إن أهل السنّة هم الذين دعوهم معتزلة لاعتزالهم قول الأمة بأسرها في مرتكب الكبيرة من المسلمين وتقريرهم أنه لا مؤمن ولا كافر بل هو في منزلة بين منزلتي الإيمان والكفر، وقيل غير ذلك في سبب تسميتهم. وقيل إن واصل بن عطاء هو الذي وضع أصول مذهب المعتزلة وتابعه عمرو بن عبيد، فلما كان زمن هارون الرشيد صنف لهم أبو الهذيل كتابين، وبين مذهبهم، وبنى مذهبهم على الأصول الخمسة التي سموها: العدل، والتوحيد، وإنفاذ الوعيد، والمنزلة بين المنزلتين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ولبّسوا فيها الحق بالباطل.. انظر في هذا الموضوع: ابن المرتضي «المنية والأمل»: ص ١٥، ١٢٢، «الفرق بين الفرق»: ص ٢٠، «شرح العقيدة الطحاوية»: (ص ٥٨٨ - ٥٨٩)، زهدي جار الله: «المعتزلة» .
(٢) «الملل والنحل»: (١/١٥٥) .
(٣) محمد بن إبراهيم بن علي بن المرتضي بن الهادي اليماني المعروف بابن الوزير. ولد تقريبًا سنة ٧٦٥هـ باليمن وتعلم بصنعاء وصعدة ومكة وتوفي بصنعاء سنة ٨٤٠هـ. ومن مصنفاته: «العواصم من القواصم في الذب عن سنة أبي القاسم»، وغيره. «السخاوي»: «الضوء اللامع»: (٦/٢٧٢) .
(٤) عبد الله بن حمزة بن سليمان بن حمزة اليمني (المنصور بالله)، من أئمة الزيدية باليمن، من تصانيفه: «الشافي في أصول الدين»: في ٤ مجلدات، توفي سنة ٦١٤هـ. انظر: «الأعلام»: (٤/٢١٣) .
[ ١ / ١٦٠ ]
رسول الله - ﷺ -، ومالوا عن إلف دين الآباء والأتراب والقرباء إلى أمر لم يسبق لهم به أُنس، ولم يسمع له ذكر، شاق على القلوب، ثقيل على النفوس. فهم خير الناس على عهد رسول الله - ﷺ - وبعده فرضي الله عنهم وجزاهم عن الإسلام خيرًا - إلى قوله - فهذا مذهبنا لم نكتم سواه تقية وكيف وموجبها زائل ومن هو دوننا مكانًا وقدوة يسب ويلعن ويذم ويطعن ونحن إلى الله سبحانه من فعله براء، وهذا ما يقضي به علم آبائنا منا إلى علي ﵇ - إلى قوله - وفي هذه الجهة من يرى محض الولاء بسب الصحابة ﵃ والبراءة منهم فتبرأ من محمد (من حيث لا يعلم (١) .
ويقول.. المقبلي (٢): (إن الزيدية ليسوا من الرافضة بل ولا من غلاة الشيعة في عرف المتأخرين (٣) ولا في عرف السلف (٤) . فإنهم الآن مستقر مذهبهم الترضي على عثمان وطلحة والزبير وعائشة - ﵃ - فضلًا عن الشيخين) (٥) .
ولكن في الزيدية من هو رافضي ومذهبه في الصحابة كمذهب الرافضة كطائفة الجارودية، ولهذا رأينا شيخ الرافضة في القرن الرابع "المفيد" ينظمهم في سلك التشيع (بمعنى الرفض) ويخرج ما عداهم
_________________
(١) ابن الوزير: «الروض الباسم»: (ص ٤٩ - ٥٠) .
(٢) صالح بن مهدي بن علي بن عبد الله بن سليمان.. المقبلي ثم الصنعاني ثم المكي، ولد سنة ١٠٤٧هـ، وأخذ العلم عن جماعة من كبار علماء اليمن، وبرع في علوم الشريعة وغيرها، توفي بمكة سنة ١١٠٨هـ ومن مؤلفاته: «العلم الشامخ» وغيره. انظر: الشوكاني: «البدر الطالع»: (١/٢٨٨ - ٢٩٢) .
(٣) و(٤) انظر: ص ١٢٩ من هذه الرسالة.
(٤) المقبلي: «العلم الشامخ»: ص ٣٢٦.
[ ١ / ١٦١ ]
من فرق الزيدية من شمول اسم التشيع لهم (١) - كما أشرنا إلى ذلك - ولقد أصبحت فئة الجارودية في فترة من الفترات هي الممثلة للزيدية ولا يوجد غيرها، كما يذكر صاحب «الحور العين» حصول ذلك في زمنه حيث قال: (وليس باليمن من فرق الزيدية غير الجارودية وهم بصنعاء وصعدة وما يليهما) (٢) .
ويذكر الشهرستاني: (أن أكثر الزيدية طعنت في الصحابة طعن الإمامية) (٣) .
ويذكر المقبلي: (أن الزيدية ليست لهم قاعدة محددة فإنهم أحيانًا يطعنون في بعض خيار الصحابة كأبي هريرة وجرير البجلي وأم المؤمنين حبيبة (لأنهم رووا ما يخالف هواهم، وإذا جاءهم الحديث على ما يوافق هواهم قبلوه من طريق ذلك الصحابي وإن كان أقل فضلًا ورتبة ممن طعنوا فيه) (٤) .
ويتحدث المقبلي: (أنه قد سرى داء الإمامية في الزيدية في هذه الأعصار حتى تظهر جماعة مح (٥) مذهب الإمامية، وهو تكفير الصحابة ومن تولاهم - صانهم الله تعالى - (٦) ولعل هذه الظاهرة - اعتناق الزيدية لمذهب الرفض - هي التي جعلت بعضهم يقول: جئني بزيدي صغير أخرج لك منه رافضيًا كبيرًا) (٧) .
_________________
(١) المفيد: «أوائل المقالات»: ص ٤٠.
(٢) نشوان الحميري: «الحور العين»: ص ٥٦.
(٣) «الملل والنحل»: (١/١٥٧) .
(٤) المقبلي: «الأرواح النوافح» (ذيل العلم الشامخ): (ص ٦٩٣ - ٦٩٤) بتصرف.
(٥) المح (بالضم) خالص كل شيء. «القاموس»: مادة مح.
(٦) المقبلي: «العلم الشامخ»: ص ٨٨.
(٧) المصدر السابق: ص ١١١.
[ ١ / ١٦٢ ]
ومن عقائد الزيدية قولهم: (بعصمة فاطمة وعلي والحسين) (١) .
ويقول يحيى بن حمزة بن علي الهاشمي اليمني (٢): (بأن معظم فرق الزيدية يقولون بالنص على إمامة الثلاثة علي وولديه، واعتقاد ثبوت إمامة من عداهم من أولادهما بالدعوة) (٣) .
ومسألة "العصمة والنص" هي كالطعن في الصحابة، كلها من أدواء الإمامية التي استشرت في بعض فرق الزيدية، والبعض الآخر يخالفهم في هذا كالسليمانية والصالحية والبترية الذين يقولون: الإمامة شورى ويجوزون إمامة المفضول مع وجود الأفضل (٤)، كما أن القائلين بالنص والعصمة يخالفون من ينتسبون إليه وهو الإمام زيد الذي لم يقل بالنص (٥) كما لم يقل بالعصمة (٦) .
_________________
(١) «البحر الزخار»: ص ٩٦، وانظر: «العلم الشامخ»: ص ٣٨٦، وفي كتاب «نصرة مذاهب الزيدية» للصاحب بن عباد المتوفى سنة ٣٨٥هـ ما يشير إلى أن القول بالعصمة هو مذهب لبعض الزيدية. انظر «نصرة المذاهب الزيدية»: (ص ١٦٤- ١٦٩) ومعنى هذا أن القول بالعصمة قد استشرى بالزيدية مع امتداد الزمن حتى شمل معظمهم.
(٢) يحيى بن حمزة بن علي بن إبراهيم الحسيني العلوي الطالبي من أكابر أئمة الزيدية، من تصانيفه: «الرسالة الوازعة»، «الإفحام لأفئدة الباطنية الطغام» وغيرها. توفي سنة ٧٤٥هـ، وكان مولده سنة ٦٦٩هـ. انظر: «البدر الطالع»: (٢/٣٣١)، «الأعلام»: (٩/١٧٤- ١٧٥) .
(٣) «الرسالة الوازعة»: ص ٢٨.
(٤) «الملل والنحل» الشهرستاني: (١/١٥٩- ١٦١) .
(٥) انظر كلام زيد في «الملل والنحل» للشهرستاني في أن عليًا وإن كان الأفضل، إلا أن المصلحة في تولية أبي بكر، فلو كان ثمة نص لم تراع المصلحة تلك. انظر: «الملل والنحل»: (١/١٥٥) . وانظر: «الإمام زيد» لأبي زهرة: (ص ١٨٤- ١٨٥) .
(٦) انظر: «الإمام زيد» لأبي زهرة: ص ١٨٨.
[ ١ / ١٦٣ ]