هو موقف مرجع الشيعة "الحالي" من هذه القضية:
أكبر مرجع للشيعة في العصر الحاضر هو "الخوئي"، خص هذه المسألة بحديث طويل في كتابه «البيان» وخلاصة رأيه في هذه الفرية ما يلي:
أن المشهور بين علماء الشيعة ومحققيهم، بل المتسالم عليه بينهم هو القول بعدم التحريف (١)، لكنه يعترف بوجود روايات التحريف في كتب الشيعة، بل يقطع بصحة بعضها فيقول: (إن كثرة الروايات تورث القطع بصدور بعضها عن المعصومين ﵈، ولا أقل من الاطمئنان بذلك وفيها ما روي بطريق معتبر) (٢) !!
ثم يقسم روايات الشيعة في هذا الباب إلى أقسام:
أولًا: رواياتهم التي تقول بوجود مصحف لعلي غير المصحف الموجود وأنه مشتمل على أبعاض ليست موجودة في القرآن الذي بأيدينا، ويقول إن رواياتهم في هذا كثيرة (٣)، ويذكر أمثلة لذلك، ومما ذكره ما يروونه عن أبي جعفر أنه قال: (ما ادعى أحد من الناس أنه جمع القرآن كله كما أُنزل إلا كذاب، وما جمعه وحفظه كما نزله الله تعالى إلا علي بن أبي طالب والأئمة من بعده ﵈) (٤) .
_________________
(١) «البيان»: ص ٢٢٦.
(٢) «البيان»: ص ٢٢٢.
(٣) «البيان»: ص ٢٢٢.
(٤) «البيان»: ص ٢٢٣ عن «الكافي» للكليني بإسناده عن جابر الجعفي..
[ ٢ / ٣٣ ]
وكان موقف مرجع الشيعة من هذا النوع من "أساطيرهم" هو: (الاعتراف بوجود هذا المصحف والتصريح بأنه مختلف عن القرآن الموجود في ترتيب السور وفي اشتماله على زيادات ليست في القرآن الذي بين أيدينا) (١) !!
ولكنه يقول: (إنه لا دلالة في ذلك على أن هذه الزيادات كانت من القرآن وقد أُسقطت منه بالتحريف، بل الصحيح أن تلك الزيادات كانت تفسيرًا بعنوان التأويل وما يؤول إليه الكلام، أو بعنوان التنزيل من الله شرحًا للمراد) (٢) .
ثانيًا: رواياتهم التي دلت على التحريف بعنوانه - كما يعبر - وبلغت عندهم - على حسب اعترافه - عشرين رواية، وذكر لذلك عدة أمثلة، منها ما عن الكافي والصدوق بإسنادهما عن علي بن سويد قال: كتبت إلى أبي الحسن موسى (- وهو في الحبس - كتابًا إلى أن ذكر جوابه "ع" بتمامه وفيه قوله "ع": (أؤتمنوا على كتاب الله فحرّفوه وبدّلوه) ويجيب شيخ الشيعة عن أمثال هذه "الأكاذيب" بأن الأمة وعلى رأسهم الصحابة - رضوان الله عليهم - قد حملوا آيات القرآن على غير معانيها الحقيقية، ونص كلامه في هذا هو قوله: (فهي ظاهرة الدلالة على أن المراد بالتحريف حمل الآيات على غير معانيها.. ولولا هذا التحريف لم تزل حقوق العترة محفوظة، وحرمة النبي فيهم مرعية، ولما انتهى الأمر إلى ما انتهى إليه من اهتضام حقوقهم وإيذاء النبي ﵌ فيهم) (٣) .
_________________
(١) ، (٢) «البيان»: ص ٢٢٣.
(٢) «البيان»: ص ٢٢٩.
[ ٢ / ٣٤ ]
ثالثًا: رواياتهم التي دلت على أن بعض الآيات المنزلة من القرآن قد ذكرت فيها أسماء الأئمة - ﵈ - وهي كثيرة كما يقول (١) وذكر لها أمثلة من كتبهم، ومما ذكره رواية العياشي بإسناده من الصادق "ع": (لو قرئ القرآن كما أنزل لألفينا مُسَمّين) (٢) .
وأجاب عن هذه الروايات بأنها من قبيل التفسير للقرآن المنزل من عند الله، وليست من القرآن نفسه، ثم قال: (وإذا لم يتم هذا الحمل فلا بد من طرح هذه الروايات) (٣) .
رابعًا: رواياتهم التي دلت على التحريف في القرآن بالنقيصة فقط.. وجوابه عنها.. أنه لا بد من حملها على ما تقدم في معنى الزيادات في مصحف أمير المؤمنين "ع"، وإن لم يمكن الحمل في جملة منها فلا بد من طرحها، ثم ذكر أن لهذه "الروايات" جوابًا آخر ذكر في مجلس بحثه، وضن علينا بذكره واعتذر عن ذلك بالإطالة!
وقال بأن كثيرًا هذه الروايات بل أكثرها ضعيف السند. ثم نقل عن بعض علمائهم قوله: (إن نقصان الكتاب مما لا أصل له، وإلا لاشتهر وتواتر نظرًا إلى العادة في الحوادث العظيمة، وهذا منها لا بل أعظمها) (٤) .
_________________
(١) المصدر السابق: ص ٢٢٩.
(٢) المصدر السابق: ص ٢٣٠ عن «تفسير العياشي»، وقد مرت في هذا البحث: ص ١٩٧.
(٣) «البيان»: (ص ٢٣٠- ٢٣١) .
(٤) «البيان»: ص ٢٣٣.
[ ٢ / ٣٥ ]
خامسًا: أساطيرهم التي دلت على وقوع التحريف في القرآن بالزيادة والنقصان وأن الأمة بعد النبي - ﷺ - غيرت بعض الكلمات وجعلت مكانها كلمات أخرى. وذكر لذلك أمثلة ومما أورده عن العياشي عن هشام بن سالم قال: سألت أبا عبد الله "ع" عن قوله تعالى: (إن الله اصطفى آدم ونوحًا وآل إبراهيم وآل عمران) قال: هو آل إبراهيم وآل محمد على العالمين فوضعوا اسمًا مكان اسم. أي أنهم غيروا فجعلوا مكان آل محمد آل عمران.
وكان جوابه عن ذلك - أنها مخالفة للكتاب والسنّة، ولإجماع المسلمين على عدم الزيادة في القرآن ولا حرفًا واحدًا حتى من القائلين بالتحريف (١) .