(ب) ويطلق على أهل السنة: الجماعة (١):
فيقال: أهل السنة والجماعة، وقد ورد تفسير الجماعة في بعض الأحاديث بأنها: جماعة المسلمين التي هي على مثل ما كان عليه رسول الله - ﷺ - وأصحابه؛ ففي حديث حذيفة بن اليمان (أن رسول الله - ﷺ - قال: « تلزم جماعة المسلمين وإمامهم الحديث» (٢) فبيّن أن المراد بالجماعة: جماعة المسلمين (٣) . وعن عبد الله بن عمرو - ﵄- قال: قال رسول (الله حينما سئل عن الفرقة الناجية من هي؟ قال: «ما أنا عليه وأصحابي» (٤) . وقد ورد عن ابن مسعود
_________________
(١) الجماعة في اللغة: قال عنها صاحب المحكم: (الجماعة، والجميع والمجمع والمجمعة كالجمع، وقد يستعملون ذلك في غير الناس حتى قالوا: جماعة الشجر وجماعة النبات، والجمع وجمعه جمع: المجتمعون) . «المحكم» لابن سيدة: جـ١ مادة جمع. والجمع كالمنع تأليف: المفرق. «تاج العروس»: جـ٥ مادة جمع. والجيم والميم والعين أصل واحد يدل على تضام الشيء. «معجم مقاييس اللغة»: جـ١ مادة جمع، وجامعت الرجل على الأمر مجامعة وجماعًا إذا مالأته عليه، والجمعة مشتقة من اجتماع الناس فيها للصلاة، ونادوا الصلاة جامعة: أي اجتمعوا لها، وفلاة مجمعة: يجتمع فيه القوم، ولا يفترقون خوف الضلال. «جمهرة اللغة» لابن دريد: جـ٢ مادة جمع.
(٢) رواه البخاري: (٨/٩٣)، مسلم: (٦/٢٠) .
(٣) وعلى هذا التعريف للجماعة اقتصرت (دائرة المعارف الإسلامية) ونبهت إلى ملاحظة التفريق بين (الإجماع) الذي يعني اتفاق فقهاء الإسلام في عصر من العصور.. وبين (الجماعة) التي هي جماعة المسلمين المخالفة للمارقين والخارجين. انظر: «دائرة المعارف الإسلامية»: (٧/٩٤) .
(٤) تقدم تخريج هذا الحديث ص ٢٧ من هذه الرسالة. وقد قال الشاطبي عن هذا الحديث: (فأجاب (بأن الفرقة الناجية من اتصف بأوصافه ﵊ وأوصاف أصحابه، وكان ذلك معلومًا عندهم غير خفي فاكتفوا به، وربما يحتاج إلى تفسيره بالنسبة إلى من بعد تلك الأزمان. وحاصل الأمر أن الصحابة كانوا مقتدين به، مهتدين بهديه، وقد جاء مدحهم في القرآن الكريم، وأثنى عليهم متبوعهم محمد (، وإنما خُلقه (القرآن.. فالقرآن إنما هو المتبوع على الحقيقة، وجاءت السنّة مبينة له، فالمتبع للسنّة متبع للقرآن، والصحابة كانوا أولى الناس بذلك، فكل من اقتدى بهم فهو من الفرقة الناجية.. وهو معنى قوله ﵊: «ما أنا عليه وأصحابي» . فالكتاب والسنة هما الطريق المستقيم، وما سواهما من الإجماع وغيره فناشئ عنهما، هذا هو الوصف الذي كان عليه النبي - ﷺ - وأصحابه، وهو معنى ما جاء في الرواية الأخرى من قوله: «وهي الجماعة»، لأن الجماعة في وقت الإخبار كانوا على ذلك الوصف) «الاعتصام»: (٢/٢٥٢) .
[ ١ / ٢٨ ]
(موقوفًا تفسير لمفهوم الجماعة حيث قال: « الجماعة ما وافق الحق وإن كنت وحدك» (١) . ويأخذ أبو شامة (٢) بهذا التفسير ويؤكده، فيقول: (حيث جاء الأمر بلزوم الجماعة، فالمراد به لزوم الحق واتباعه، وإن كان المتمسك بالحق قليلًا، والمخالف له كثيرًا، لأن الحق هو الذي كانت عليه الجماعة الأولى من عهد النبي - ﷺ - وأصحابه، ولا نظرة إلى كثرة أهل الباطل بعدهم) (٣) .
فالجماعة - هنا - تعني موافقة الحق.
ومن الملاحظ أن (لفظ السنة في كلام السلف يتناول السنة في العبادات وفي الاعتقادات) (٤)، ثم خص بقضايا العقيدة ولا سيما المسائل
_________________
(١) رواه اللالكائي بسنده عن ابن مسعود في كتاب السنّة، باب سياق ما روي عن النبي - ﷺ - في الحث على اتباع الجماعة والسواد الأعظم. انظر: اللالكائي: «كاشف الغمة في اعتقاد أهل السنّة»: ص ٩ (مخطوط)، وانظر: «الباعث على إنكار البدع والحوادث» لأبي شامة: ص ٢٢، و«إغاثة اللهفان» لابن القيم: (١/٧٠) .
(٢) عبد الرحمن بن إسماعيل بن إبراهيم المقدسي الدمشقي أبو القاسم شهاب الدين المعروف بأبي شامة، محدث حافظ مؤرخ مفسر فقيه أصولي متكلم مقرئ نحوي، ولد بدمشق سنة ٥٩٩هـ، وبها منشأه ووفاته سنة ٦٦٥هـ، ومن آثاره: كتاب «الروضتين في أخبار الدولتين»، و«الباعث على إنكار البدع والحوادث» وغيرهما. انظر: ابن كثير: «البداية»: (١٣/٢٥٠)، «شذرات الذهب»: (٥/٣١٨)، «الأعلام»: (٤/٧٠) .
(٣) أبو شامة: «الباعث»: ص ٢٢.
(٤) ابن تيمية: «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» بتحقيق: صلاح الدين المنجد: ص ٧٧.
[ ١ / ٢٩ ]
التي خالف فيها أهل البدع كما سبق. كذلك نجد لفظ الجماعة يعني: حسب ما جاء عن ابن مسعود - موافقة الحق على وجه العموم، ثم نراه يخصص بمسائل العقيدة التي انحرف عنها المبتدعة؛ فنجد الإمام أبا حنيفة يعرف الجماعة على هذا الوجه؛ فيقول - ﵀ -: (الجماعة: أن تفضل أبا بكر وعمر، وعليًّا، وعثمان (١)، ولا تنتقص أحدًا من أصحاب رسول الله - ﷺ - ولا تكفر الناس بالذنوب وتصلي على من يقول لا إله إلا الله وخلف من قال: لا إله إلا الله، وتمسح على الخفين..) (٢) . ونجد فيما بين أيدينا من مصادر عدة تعاريف للجماعة تعرف بها من خلال بعض مبادئها وأصولها، فكما عرف أبو حنيفة الجماعة ببعض أصولها نجد شيخ الإسلام ابن تيمية يجعل الالتزام بمصادر أهل السنة في التلقي هو الفيصل بين أهل السنة والجماعة ومن عداهم، فيقول: (فمن قال بالكتاب والسنّة والإجماع كان من أهل السنّة والجماعة) (٣) ويقول: (لأن الجماعة هي الاجتماع وضدها الفرقة وهم يزنون بهذه الأصول الثلاثة جميع ما عليه الناس من أقوال وأعمال.. مما له تعلق بالدين) (٤) .
_________________
(١) قال شارح الطحاوية: (روي عن أبي حنيفة تقديم علي على عثمان، ولكن ظاهر مذهبه تقديم عثمان على علي، وعلى هذا عامة أهل السنّة) «شرح الطحاوية»: ص ٤٨٦، وانظر: الخطابي: «معالم السنن»: (٤/٣٠٢، ٣٠٣)، ملا علي القاري: «شرح الفقه الأكبر»: ص ١١٩. وقال ابن تيمية: (وهذه المسألة - مسألة عثمان وعلي - ليست من الأصول التي يضلل المخالف فيها) «الفتاوى»: (٣/١٥٣) .
(٢) ابن عبد البر: «الانتقاء»: ص ١٦٣، ١٦٤.
(٣) «الفتاوى»: (٣/٣٤٦) .
(٤) المصدر السابق: (٣/١٥٧) .
[ ١ / ٣٠ ]
ولما كان من "أصول أهل السنة والجماعة لزوم الجماعة وترك قتال الأئمة.. بخلاف أهل الأهواء الذين يرون القتال للأئمة من أصول دينهم" (١) . نجد من يفسر الجماعة بأنها جماعة المسلمين إذا اجتمعوا على أمير (٢) . وبهذا المعنى روى الطبري بسنده أن عمرو بن حريث سأل سعيد بن زيد قال: «فمتى بويع أبو بكر؟ قال: يوم مات رسول الله - ﷺ -؛ كرهوا أن يبقوا بعض يوم وليسوا في جماعة» (٣) .
ومن أصول أهل السنّة الاعتصام بحبل الله جميعًا، وعدم التفرق والتنازع، وفي المعنى روى البخاري عن عليٍّ (قال: «اقضوا كما كنتم تقضون، فإني أكره الاختلاف حتى يكون الناس جماعة» (٤) .
قال ابن حجر (٥): قوله «فإني أكره الاختلاف» أي: الذي يؤدي إلى النزاع. قال ابن التين: يعني مخالفة أبي بكر وعمر، وقال غيره: المراد المخالفة التي تؤدي إلى النزاع والفتنة، ويؤيده قوله بعد ذلك «حتى يكون الناس جماعة» (٦) .
وبهذا المعنى سمي العام الذي تنازل فيه الحسن لمعاوية - رضي الله
_________________
(١) ابن تيمية: «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر»: ص ٢٠.
(٢) الشاطبي: «الاعتصام»: (٢/٢٦٤)، وانظر: الخطابي: «معالم السنن»: (٤/٣١١) .
(٣) «تاريخ الطبري»: (٢/٤٤٧) .
(٤) «صحيح البخاري» مع «فتح الباري»: (٧/٧١) .
(٥) أحمد بن علي بن محمد الكناني العسقلاني، أبو الفضل شهاب الدين، ابن حجر، حافظ الإسلام في عصره.. وتصانيفه كثيرة جليلة منها «فتح الباري في شرح صحيح البخاري»، و«لسان الميزان»، و«تهذيب التهذيب» وغيرها. توفي سنة ٨٥٢هـ وكان مولده سنة ٧٧٣هـ. انظر «الضوء اللامع»: (٢/٣٦)، «البدر الطالع»: (١/٨٧)، «الأعلام»: (١/١٧٣) .
(٦) «فتح الباري»: (٧/٧٣) .
[ ١ / ٣١ ]