حديث الشيعة عن فضائل أئمتهم وصفاتهم حديث كثير وخطير، وسنذكر فيما يلي أهم الأبواب في كل من الكافي والبحار التي حوت أحاديثهم عن فضائل الأئمة.
وهذه الأبواب خلاصة موجزة لأحاديثهم تبين حجم الغلو واتساعه، فهي ليست روايات شاذة في كتبهم بل هي أبواب تحمل عناوين أشبه ما يكون بقواعد وأصول أساسية في معتقدهم، وهي أمكن القارئ من أخذ فكرة متكاملة عن منزلة الأئمة عندهم بصورة سريعة حيث تم بعد العرض لهذه الأبواب الإتيان من كل باب بمثال لتتضح الحقيقة في ذهن القارئ وسأذكر عناوين الأبواب أولًا وعدد أحاديث كل باب ثم أمثلة لهذه الأبواب على الترتيب نفسه.
فلنستمع للعناوين ثم للأحاديث بعدها.
١- باب (أنهم أعلم من الأنبياء ﵈) وفيه ثلاثة عشر حديثًا (٣) .
٢- باب (تفضيلهم «ع» على الأنبياء وعلى جميع الخلق وأخذ
_________________
(١) ، (٢) «البحار»: (٢٦/٢٨) .
(٢) المجلسي: «البحار»: (٢٦/ ١٩٤- ٢٠٠) .
[ ١ / ٢٩٠ ]
ميثاقهم عنهم وعن الملائكة وعن سائر الخلق، وأن أُولي العزم إنما صاروا أُولي العزم بحبهم صلوات الله عليهم) وفيه ٨٨ حديثًا (١) .
٣- باب (أن دعاء الأنبياء استجيب بالتوسل والاستشفاع بهم "ع") وفيه ١٦ حديثًا (٢) .
٤- باب (أنهم يقدرون على إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص وجميع معجزات الأنبياء) وفيه ٤ أحاديث (٣) .
٥- باب (أنهم لا يحجب عنهم علم السماء والأرض والجنة والنار، وأنه عرض عليهم ملكوت السموات والأرض ويعلمون علم ما كان وما يكون إلى يوم القيامة) وفيه ٢٢ حديثًا (٤)، وهذا الباب جاء في الكافي بعنوان باب (أن الأئمة يعلمون علم ما كان وما يكون وأنه لا يخفى عليهم الشيء صلوات الله عليهم) وفيه ستة أحاديث (٥) .
٦- باب (أنهم يعرفون الناس بحقيقة الإيمان وبحقيقة النفاق، وعندهم كتاب فيه أسماء أهل الجنة وأسماء شيعتهم وأعدائهم، وأنه لا يزيلهم خبر مخبر عما يعلمون من أحوالهم) وفيه أربعون حديثًا (٦) . وفي الكافي باب (أن الأئمة لو ستر عليهم لأخبروا كل امرئ بما له وعليه) وفيه حديثان (٧) .
_________________
(١) المصدر السابق: (٢٦/ ٢٦٧- ٣١٨) .
(٢) المصدر السابق: (٢٦/ ٣١٩ - ٣٣٢) .
(٣) المصدر السابق: (٢٧/ ٢٩ - ٣١) .
(٤) المصدر السابق: (٢٦/ ١٠٩- ١١٧) .
(٥) الكليني: «الكافي»: (١/٢٦٠- ٣٦٣) .
(٦) «البحار»: (٢٦/١١٧- ١٣٢) .
(٧) «الكافي»: (١/٢٦٤ - ٢٦٨) .
[ ١ / ٢٩١ ]
٧- باب (أن الأئمة إذا شاؤوا أن يعلموا علموا) وفيه ثلاثة أحاديث (١) .
٨- باب (أن الأئمة يعلمون متى يموتون وأنهم لا يموتون إلا باختيار منهم) وفيه خمسة أحاديث (٢) .
٩- باب (أنه لا يحجب عنهم شيء من أحوال شيعتهم وما تحتاج إليه الأمة من جميع العلوم، وأنهم يعلمون ما يصيبهم من البلايا ويصبرون عليها ولو دعوا الله في دفعها لأجيبوا، وأنهم يعلمون ما في الضمائر وعلم المنايا والبلايا وفصل الخطاب والمواليد) وفيه ثلاثة وأربعون حديثًا (٣) .
١٠- باب (أن عندهم الاسم الأعظم وبه يظهر منهم الغرائب) وفيه عشرة أحاديث (٤)، وغيرها من أبواب (٥)، وإليك أمثلة لما سبق على الترتيب السالف.
_________________
(١) المصدر السابق: (١/٢٥٨) .
(٢) المصدر السابق: (١/٢٥٨- ٢٦٠) .
(٣) «البحار»: (٢٦/١٣٧- ١٥٣) .
(٤) «البحار»: (٢٧/٢٥- ٢٨) .
(٥) مثل: باب (أنهم يظهرون بعد موتهم ويظهر منهم الغرائب وتأتيهم أرواح الأنبياء "ع" وتظهر لهم الأموات من أوليائهم وأعدائهم) وفيه ١٣ حديثًا. «البحار»: (٢٧/٣٠٢- ٣٠٨) . باب (أنهم أمان لأهل الأرض من العذاب) وفيه ٦ أحاديث. «البحار»: (٢٧/٣٠٨- ٣١٠) . باب (أن الله تعالى يرفع للإمام عمودًا ينظر فيه إلى أعمال العباد) وفيه ١٦ حديثًا. «البحار»: (٢/١- ١١) . باب (أنهم ﵈ يعلمون جميع الألسن واللغات ويتكلمون بها) وفيه ٧ أحاديث. «البحار»: (٢٦/١٩٠- ١٩٣) . باب ( أنهم يعلمون منطق الطيور والبهائم) وفيه ٢٦ حديثًا. «البحار»: (٢٧/٢٦١- ٢٧٩) . باب (أن الجن خدامهم ويظهرون لهم ويسألونهم عن معالم دينهم) وفيه ١٦ حديثًا. «البحار»: (١٧/١٣- ٢٤) إلخ.
[ ١ / ٢٩٢ ]
مثال للباب رقم -١-: وهو (أنهم أعلم من الأنبياء):
عن عبد الله التمار قال: كنا مع أبي عبد الله "ع" في الحجر فقال: علينا عين؟ فالتفتنا يمنة ويسرة وقلنا: ليس علينا عين. فقال: ورب الكعبة - ثلاث مرات - أن لو كنت بين موسى والخضر لأخبرتهما أني أعلم منهما ولأنبأتهما بما ليس في أيديهما (١) .
مثال للباب رقم -٢-: وهو (تفضيلهم على الأنبياء ):
في البحار قال أبو عبد الله: (والله ما استوجب آدم أن يخلقه الله بيده وينفخ فيه من روحه إلا بولاية علي "ع"، وما كلم الله موسى تكليمًا إلا بولاية علي "ع"، ولا أقام الله عيسى ابن مريم آية للعالمين إلا بالخضوع لعلي، ثم قال: أجُمل الأمر؟: ما استأهل خلق من الله النظر إليه إلا بالعبودية لنا (٢) وقال أمير المؤمنين: إن الله عرض ولايتي على أهل السموات وعلى أهل الأرض أقر بها من أقر وأنكرها من أنكر، وأنكرها يونس فحبسه الله في بطن الحوت حتى أقر بها (٣) وكذلك أيوب لما شك في ملك علي قال له الله: فوعزتي لأُذيقنك من عذابي أو تتوب إلي بالطاعة لأمير المؤمنين) (٤) .
_________________
(١) المجلسي: «البحار»: (ص٢٦- ١٩٦)، وانظر: «بصائر الدرجات»: ص ٢٥٠، وانظر: الكليني: «الكافي»: (١/٢٦٠- ٢٦١) .
(٢) المجلسي: «البحار»: (٢٦/ ٢٩٤)، وانظر: المفيد: «الاختصاص»: ص ٢٥٠.
(٣) المجلسي: «البحار»: (٢٦/ ٢٨٢)، عن: «بصائر الدرجات»: (ص ٢٥- ٢٦) .
(٤) «البحار»: (٢٦/ ٢٩٣)، عن «كنز الفوائد»: (ص ٢٦٤- ٢٦٥) .
[ ١ / ٢٩٣ ]
وعن سدير قال: سألت أبا عبد الله عن قول أمير المؤمنين «إن أمرنا صعب مستصعب لا يقر به إلا ملك مقرب أو نبي مرسل أو عبد امتحن الله قلبه للإيمان» فقال: إن في الملائكة مقربين وغير مقربين ومن الأنبياء مرسلين وغير مرسلين ومن المؤمنين ممتحنين، وغير ممتحنين فعرض أمركم هذا على الملائكة فلم يقر به إلا المقربون، وعرض على الأنبياء فلم يقر به إلا المرسلون وعرض على المؤمنين فلم يقر به إلا الممتحنون، قال: ثم قال لي: مر في حديثك (١) .
مثال للباب رقم -٣-: وهو (استشفاع الأنبياء بهم):
عن علي بن الحسن عن فضال عن أبيه عن الرضا "ع" قال:
(لما أشرف نوح "ع" على الغرق دعا الله بحقنا فدفع الله عنه الغرق، ولما رمي إبراهيم في النار دعا الله بحقنا فجعل الله النار عليه بردًا وسلامًا، وإن موسى لما ضرب طريقًا في البحر دعا الله بحقنا فجعله يبسًا، وإن عيسى "ع" لما أراد اليهود قتله دعا الله بحقنا فنجي من القتل فرفعه إليه) (٢) .
مثال للباب رقم -٤-: وهو (أنهم يقدرون على إحياء الموتى):
قال أبو عبد الله: إن أمير المؤمنين كانت له خؤولة في بني مخزوم وإن شابًا منهم أتاه فقال: يا خال، إن أخي وتِرْبي مات وقد حزنت عليه حزنًا شديدًا فقال له: تشتهي أن تراه؟ قال: نعم. قال: فأرني قبره.. فلما انتهى إلى القبر تكلم - أي علي - بشفتيه ثم ركضه
_________________
(١) «البحار»: (٢٦/٢٧٤)، انظر: «معاني الأخبار»: ص ١١٥.
(٢) «البحار»: (٢٦/٣٢٥) .
[ ١ / ٢٩٤ ]
برجله فخرج من قبره وهو يقول: "وميكا" بلسان الفرس فقال له علي "ع": ألم تمت وأنت رجل من العرب؟ فقال: بلى ولكنا متنا على سنّة فلان وفلان - أبو بكر وعمر - فانقلبت ألسنتنا) (١) .
مثال للباب رقم -٥-: وهو (أنهم لا يحجب عنهم علم ):
قال أبو عبد الله: (أني لأعلم ما في السموات وأعلم ما في الأرضين وأعلم ما في الجنة وأعلم ما في النار، وأعلم ما كان وما يكون) (٢) .
مثال للباب رقم -٦-: (أنهم يعرفون الناس بحقيقة الإيمان):
قال أبو الحسن الرضا: (إنا لنعرف الرجل إذا رأيناه بحقيقة الإيمان وبحقيقة النفاق) (٣) .
مثال للباب رقم -٧-: (أن الأئمة إذا شاؤوا أن يعلموا علموا):
عن أبي عبد الله قال: (إن الإمام إذا شاء أن يعلم علم) (٤) .
مثال للباب رقم -٨-: (أن الأئمة يعلمون متى يموتون):
ويروي الكليني عن الحسن بن الجهم قال: (قلت للرضا "ع"
_________________
(١) المجلسي: «البحار»: (٢٧/٣٠- ٣١)، عن «مناقب آل أبي طالب»: (٢/١٦٤) .
(٢) المجلسي: «البحار»: (٢٦/١١١)، عن «بصائر الدرجات»: ص ٣٥، وانظر: الكليني: «الكافي»: (١/٢٦١) .
(٣) المجلسي: «البحار»: (٢٦/١١٨، ١٢٧)، وانظر: «عيون الأخبار»: ص ٣٤٣، «الاختصاص»: ص ٢٧٨.
(٤) الكليني: «الكافي»: (١/ ٢٥٨) .
[ ١ / ٢٩٥ ]
أن أمير المؤمنين "ع" قد عرف قاتله والليلة التي يقتل فيها، والموضع الذي يقتل فيه، وقوله: لما سمع صياح الأوز (١) في الدار: صوائح تتبعها نوائح، وقول أُم كلثوم: لو صليت الليلة داخل الدار وأمرت غيرك يصلي بالناس فأبى عليها وكثر دخوله وخروجه تلك الليلة بلا سلاح، وقد عرف (أن ابن ملجم لعنه الله قاتله بالسيف..) (٢) وعن أبي الحسن موسى "ع" "الكاظم" قال: (إن الله (غضب على الشيعة فخيرني نفسي أو هم فوقيتهم والله بنفسي (٣) - أي منطق النصارى نفسه بأن عيسى صلب لتخليصهم من ذنوبهم) .
مثال للباب رقم -٩-: (أنهم لا يحجب عنهم شيء):
في البحار: (أن عليًّا قال على منبر الكوفة: والله إني لديان الناس يوم الدين، قسيم الله بين الجنة والنار لا يدخلها داخل إلا على أحد قسّمي، وأنا الفارق الأكبر، وقرن من حديد وباب الإيمان وصاحب الميسم وصاحب السنين، وأنا صاحب النشر الأول والنشر الآخر وصاحب القضاء وصاحب الكرات ودولة الدول وأنا إمام لمن بعدي والمؤدي من كان قلبي، ما يتقدمني إلا أحمد ﵌ وإن جميع الملائكة والرسل والروح خلفنا، وإن رسول الله ليدعى فينطق، وأُدعى فأنطق على حد منطقه.
ولقد أُعطيت السبع التي لم يسبق إليها أحد قبلي: بصُرت سبل الكتاب، وفُتحت لي الأسباب، وعلمت الأنساب، ومجرى الحساب،
_________________
(١) الأوز: البط.
(٢) الكليني: «الكافي»: (١/٢٥٩) .
[ ١ / ٢٩٦ ]
وعلمت المنايا والبلايا والوصايا وفصل الخطاب، ونظرت في الملكوت فلم يعزب عني شيء غاب عني، ولم يفتني ما سبقني، ولم يشركني أحد فيما أشهدني يوم شهادة الأشهاد، وأنا الشاهد عليهم، وعلى يدي يتم موعد الله وتكمل كلمته، وبي يكمل الدين، وأنا النعمة التي أنعمها الله على خلقه، وأنا الإسلام الذي ارتضاه لنفسه، كل ذلك منٌّ من الله) (١) .
مثال للباب رقم -١٠-: (عندهم الاسم الأعظم ):
عن جابر الجعفي عن أبي جعفر "ع" قال: (إن اسم الله الأعظم علي ثلاثة وسبعين حرفًا، وإنما عند آصف منها حرف واحد فتكلم به فخسف بالأرض ما بينه وبين سرير بلقيس ثم تناول السرير بيده ثم عادت الأرض كما كانت أسرع من طرفة عين، وعندنا نحن من الاسم اثنان وسبعون حرفًا، وحرف عند الله استأثر به في علم الغيب عنده ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم) (٢) .
هذه أمثلة لما يصفون به أئمتهم وهي "دعاوى" في غاية الغرابة تخرج الأئمة من "منزلة الإمامة" إلى "منزلة النبوة" أحيانًا، وأحيانًا أخرى إلى "مرتبة الألوهية".
ووجود عشرات الروايات فضلًا عن مئاتها تصف الأئمة بهذه الأوصاف الخيالية هي عملية إفراغ فكري ونفسي لحقيقة الألوهية، وحقيقة النبوة من نفس "الشيعي" الذي يؤمن بهذه الروايات لتحل محلها حقيقة الأئمة.
_________________
(١) «البحار»: (٢٦/١٥٣- ١٥٤) .
(٢) المجلسي: «البحار»: (٢٧/٢٥)، عن «بصائر الدرجات»: ص ٥٣.
[ ١ / ٢٩٧ ]
وإذا وجد من ينفي صفة النبوة والربوبية عن الأئمة، فإن هذا النفي أشبه ما يكون بصرخة في واد إزاء هذا "الزخم" وهذا "الركام" الهائل من الفضائل المزعومة.
وهذه الروايات هي في الحقيقة؛ الأرضية، والقاعدة، والمنطلق، للأفكار الباطنية المنتشرة اليوم والتي تؤلّه الأئمة وتلوذ بجحور التقية عند مواجهتها للملأ.
ولولا خشية الإطالة لوقفنا عند كل نص نحلله ونرسم أبعاده.
إن هذه "الدعاوى" التي امتلأت بها كتب القوم التي يعدونها مصادر أساسية في التلقي والتشريع؛ هي محادة لله ولرسوله. فماذا أبقوا لله - ﷿ - من خصائص الألوهية حين يوردون عشرات من رواياتهم تقول (أن الأئمة يعلمون ما كان وما يكون وأنهم لا يخفى عليهم الشيء)؟ أي أن الأئمة عندهم علم الله. وكيف يتجرأون على القول بأن الأئمة عندهم ٧٢ حرفًا من الاسم الأعظم والله عنده حرف واحد، أهم أعلم أم الله؟!! سبحانك هذا بهتان عظيم.
وهذه "الدعاوى" باب للزندقة والإلحاد.. لم يقلها نبي مرسل، ولا ملك مقرب. هي محاربة لدين الله (، وكتابه.
وهذه المزاعم انتقلت بشكل عملي واضح إلى جانبين خطيرين:
أحدهما: أنها انتقلت من حديث نظري عن فضائل الأئمة إلى غلو في قبورهم وأضرحتهم، وانتشر الشرك في بلاد الشيعة بلا نكير.
وثانيها: ظاهرة غلوهم في مجتهديهم باعتبار أنهم نواب الإمام المعصوم، (وهذان الجانبان يشكلان مفهوم الإمامة بصورة واقعية فلنتحدث عنهما) .
[ ١ / ٢٩٨ ]