لا تقية له ويقول: قال الله: (.. إلا أن تتقوا منهم تقاة..) (١» (٢) .
وعن أبي إسحاق بن عمار عن أبي عبد الله (وتلا هذه الآية: (.. ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون الأنبياء بغير حق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون «٣) قال: والله ما ضربوهم بأيديهم ولا قتلوهم بأسيافهم، ولكن سمعوا أحاديثهم وأسرارهم فأذاعوها، فأخذوا عليها فقتلوا فصار قتلًا واعتداء ومعصية (٤) .
وعن يزيد عن أبي جعفر (في قوله: (يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا.. «٥) اصبروا.. يعني بذلك عن المعاصي، وصابروا يعني التقية، ورابطوا يعني الأئمة (٦) .
خامسًا: ولتأييد اعتقادهم في "الرجعة" يؤولون الآيات ويصرفونها عن معانيها؛ فقوله سبحانه: (ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلًا «٧) قالوا: الرجعة (٨)، فالآخرة يفسرونها في هذه الآية بالرجعة، وهذا التفسير وأمثاله هو عين منطق الباطنيين في القول بإبطال المعاد.
_________________
(١) آل عمران: آية ٢٨.
(٢) «تفسير العياشي»: (١/١٦٦- ١٦٧)، «البرهان»: (١/٢٧٥)، «الصافي»: (١/٢٥٣)، «الوسائل»: جـ٢ أبواب الأمر بالمعروف باب ٢٣.
(٣) آل عمران: آية ١١٢.
(٤) «تفسير العياشي»: (١/١٩٦)، «البرهان»: (١/٣٠٩)، «الصافي»: (١/٢٩٠) .
(٥) آل عمران: آية ٢٠٠.
(٦) «تفسير العياشي»: (١/٢١٤)، «البرهان»: (١/٣٣٥)، «البحار»: (٧/١٣٥) .
(٧) الإسراء: آية ٧٢.
(٨) «تفسير العياشي»: (٢/٣٠٦)، «البحار» للمجلسي: (١٣/١١٦) .
[ ١ / ٢٣٩ ]
ويفسرون قوله سبحانه: (وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت.. «١) بأن هذه الآية ليست في كفار قريش المنكرين للبعث، إنما هي في أعداء الشيعة المنكرين للرجعة!! وإليك النص:
عن بصير عن أبي عبد الله في قوله: (وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت (قال: ما يقولون فيها؟ - أي ما يقول أئمة السنّة في تفسيرها - قلت: يزعمون أن المشركين كانوا يحلفون لرسول الله أن الله لا يبعث الموتى قال: تبًّا لمن قال هذا، ويلهم هل كان المشركون يحلفون بالله أم باللات والعزى؟ قلت: جعلت فداك فأوجدنيه أعرفه قال: لو قد قام قائمنا بعث الله إليه قومًا من شيعتنا قبابع (٢) سيوفهم على عواتقهم فيبلغ ذلك قوم من شيعتنا لم يموتوا فيقولون: بعث فلان وفلان من قبورهم مع القائم فيبلغ ذلك قومًا من أعدائنا فيقولون: يا معشر الشيعة ما أكذبكم، هذه دولتكم وأنتم تكذبون فيها فحكى الله قولهم (٣) فقال: (وأقسموا بالله جهد أيمانكم) .
هذه أمثلة لتأويلاتهم للقرآن، وتعسفهم في فهم آياته، وهو كما يرى القارئ تفسير باطني لا تربطه بالآية أدنى صلة، وكأن القرآن لم ينزل بلسان عربي مبين، ولم يجعله الله سبحانه هداية ودستورًا لخلقه أجمعين.
وهذه التمحلات والتكلفات ليست من قبيل الأخطاء في الرأي والزلل في فهم الآيات، ولكنها مؤامرة مدبرة ضد الإسلام، وخطة محبوكة لإلغاء هداية القرآن للناس، وكأنها قد جاءت تالية لإخفاق
_________________
(١) النحل: الآية ٣٨.
(٢) قبعة السيف: ما كان على طرف مقبضه من فضة أو حديد، «القاموس»: مادة قبع.
(٣) «تفسير العياشي»: (٢/٢٥٩)، «البرهان»: (٢/٣٦٨)، «البحار»: (١٣/٢٢٣) .
[ ١ / ٢٤٠ ]
مؤامرة التحريف التي ادعوها في كتاب الله ولكن الله متم نوره ولو كره الكافرون.
وخطورة هذا الاتجاه الباطني في تفسير القرآن كبيرة، لأنه يقتضي بطلان الثقة بالألفاظ، ويسقط الانتفاع بكلام الله وكلام رسوله، فإن ما يسبق إلى الفهم لا يوثق به، والباطن لا ضابط له، بل تتعارض فيه الخواطر ويمكن تنزيله على وجوه شتى، وبهذا الطريق يحاول "الباطنية" التوصل إلى هدم جميع الشريعة بتأويل ظواهرها وتنزيلها على رأيهم (١) .
ولا شك أن تلك التأويلات إلحاد في كتاب الله: قال تعالى: (إن الذين يلحدون في آياتنا لا يخفون علينا «٢) قال ابن عباس: «هو أن يوضع الكلام في غير موضعه» (٣)، وذلك بالانحراف في تأويله (٤) .
قال في الإكليل: (ففيها الرد على من تعاطى تفسير القرآن بما لا يدل عليه جوهر اللفظ كما يفعله الباطنية، والاتحادية والملاحدة..) (٥) .
وهؤلاء الذين يلحدون في آيات الله ويحرفونها عن معانيها وإن كتموا كفرهم وتستروا بالتأويل الباطل وأرادوا الإخفاء لكنهم لا يخفون على الله (٦) . كما قال تعالى: (لا يخفون علينا) .
_________________
(١) «إحياء علوم الدين»: (١/٣٧) .
(٢) فصلت: آية ٤٠.
(٣) «تفسير الطبري»: (٢٤/١٢٣)، «فتح القدير» الشوكاني: (٤/٥٢٠) .
(٤) انظر: القاسمي: «محاسن التأويل»: (١٤/٥٢١١)، الألوسي: «روح المعاني»: (٢٤/١٢٦) .
(٥) «الإكليل» السيوطي: ص ٣٥٤، على هامش «جامع البيان في تفسير القرآن» .
(٦) «إكفار الملحدين» محمد أنور شاه الكشميري: ص٢.
[ ١ / ٢٤١ ]
ولمحاولة تمرير هذه الجريمة، وإنجاح تلك المؤامرة ربطوا هذا التفسير بأهل البيت، فضلًا عن أنهم جعلوا التفسير والتأويل من خصوصيات الأئمة الإثني عشر، وفي هذا عقد شيخهم الحر العاملي في كتابه «الفصول المهمة» بابًا بعنوان: (باب أنه لا يعرف تفسير القرآن إلا الأئمة) (١) .
ولا اعتبار لأي تفسير لا يرد من طريقهم؛ قال عالمهم محمد رضا النجفي - من علمائهم المعاصرين ويلقبونه بآية الله -: (إن جميع التفاسير الواردة عن غير أهل البيت لا قيمة لها ولا يعتد بها) (٢) .. ثم ذكر رواية لهم عن المجلسي في البحار وهي: (قال أبو جعفر لسلمة بن كهيل والحكم بن عنبسة شرقًا وغربًا لن تجد علمًا صحيحًا إلا شيئًا يخرج من عندنا أهل البيت) (٣) .
وقد جاء في أحاديثهم ورواياتهم ما يسوغون به هذا المسلك الغريب، جاء في أحاديثهم أن السياق القرآني غير منسجم مع النظر العقلي فهو أبعد ما يكون عن العقل فأول الآية في شيء وأوسطها في شيء وآخرها في شيء آخر، يقولون: عن جابر قال أبو عبد الله (: (يا جابر إن للقرآن بطنًا وللبطن ظهرًا، ثم قال: يا جابر وليس شيء أبعد من عقول الرجال منه أن الآية لتنزل أولها في شيء وأوسطها في شيء وآخرها في شيء وهو كلام متصل يتصرف على وجوه) (٤) .
_________________
(١) «الفصول المهمة»: ص ٥٧.
(٢) «الشيعة والرجعة»: ص ١٩.
(٣) المصدر السابق: ص ٢٩.
(٤) انظر: «تفسير العياشي»: (١/١١)، «البحار»: (١٩/٣٠، ٩٣- ٩٤)، «البرهان»: (١/٢٠- ٢١)، «الصافي»: (١/١٤- ١٧) .
[ ١ / ٢٤٢ ]