ثالثًا: غلوهم في قبور أئمتهم واتخاذها مزارات ومشاهد:
إن للمسلمين كعبة واحدة يتوجهون إليها في صلاتهم ودعائهم ويحجون إليها، أما الشيعة فلهم مزارات ومشاهد وكعبات تنافس بيت الله (ويقام فيها الشرك ويهدم التوحيد.
وقد يقال: إن الشرك والمشاهد منتشرة في بلاد السنة؟
والجواب: أن هذا واقع. ولكن الفرق بين الشيعة وأهل السنة أن ما عند أهل السنة هو انحراف في واقعهم تنكره أصولهم، وما عند الشيعة هو ما يتفق مع أصولهم، بل هو ما تدعو إليه وتحث عليه أحاديثهم ورواياتهم، فهو معروف في أصول الشيعة منكر في أصول السنة.
ونتيجة هذا الفرق أن ما عند أهل السنة قابل للإصلاح وما عند الشيعة غير قابل حتى تغير أصولهم أولًا.
وهذه النتيجة ليست نظرية أو خيالية، بل ظهرت بشكل واقعي في تأثير دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب في العالم الإسلامي في محاربة الشرك واستعصاء الشيعة على هذا الإصلاح.
يقول العالم الإيراني - الشيعي الأصل - أحمد الكسروي (١):
(ومما يرى "من" لجاج الشيعة أنه قد انقضى منذ ظهور الوهابيين أكثر من مائة وخمسين عامًا، وجرت في تلك المدة مباحثات ومجادلات كثيرة بينهم وبين الطوائف الأخرى من المسلمين، وانتشرت رسالات وطبعت كتب وظهر جليًا أن ليست
_________________
(١) ستأتي ترجمته في محاولات التقريب.
[ ١ / ٢٩٩ ]
زيارة القبب والتوسل بالموتى ونذر النذور للقبور وأمثالها إلا الشرك، ولا فرق بين هذه وبين عبادة الأوثان التي كانت جارية بين المشركين من العرب فقام الإسلام يجادلها ويبغ - كذا - قلع جذورها، يبين ذلك آيات كثيرة من القرآن.
فأثرت الوهابية في سائر طوائف المسلمين غير الروافض أو الشيعة الإمامية، فإن هؤلاء لم يكترثوا بما كان ولم يعنوا بالكتب المنتشرة والدلائل المذكورة أدنى عناية ولم يكن نصيب الوهابيين منهم إلا اللعن والسب كالآخرين) (١) .
إن الشرك قد ألبس في كتب الحديث عند الشيعة ثوب الحق وهذا هو الخطر الأكبر، والداء الأعظم، وقد عقدت أمهات كتبهم "كتبًا وأبوابًا" في المزارات والمشاهدات، ضمنتها مئات من الروايات تجسد الشرك، وترسي قواعده.
ففي «البحار» للمجلسي "كتاب المزار" وقد استغرق ثلاثة مجلدات من «البحار» (٢)، وفي «وسائل الشيعة»، للحر العاملي "أبواب المزار" وبلغت هذه الأبواب (١٠٦) أبواب (٣)، وفي «الوافي» الجامع لأصولهم الأربعة:
"أبواب المزارات والمشاهد" وتضمنت (٣٣) بابًا (٤) .
_________________
(١) «التشيع والشيعة»: ص ٨٩، وقد رأيت في فهارس مكتبات الشيعة كمكتبة الكاظمية في بغداد كتبًا كثيرة وضعت من قبل الشيعة لمحاربة دعوة التوحيد التي قام بها الشيخ محمد بن عبد الوهاب.
(٢) هي المجلدات: ١٠٠، ١٠١، ١٠٢.
(٣) انظرها في جـ١٠ ص ٢٥١ وما بعدها.
(٤) انظرها في المجلد الثاني جـ٨ ص ١٩٣ وما بعدها.
[ ١ / ٣٠٠ ]
وفي «فقيه من لا يحضره الفقه» وهو أحد أصولهم المعتبرة عدة أبواب حول المشاهد وتعظيمها، كباب "تربة الحسين وحريم قبره" و"أبواب في زيارة الأئمة وفضلها". وغيرها (١) .
وفي «تهذيب الأحكام» - أحد الأصول الأربعة المعتبرة - طائفة كثيرة من الأبواب تتعلق بتعظيم المشاهد والقبور، ومناجاة الأئمة بأدعية تتضمن تأليههم.. (٢) .
وألف في الزيارات ومناسكها كتب مستقلة مثل «مناسك الزيارات للمفيد» (٣) وغيره (٤) .
والموضوع يستحق دراسة خاصة لخطورته وحسبنا في هذا المقام ذكر بعض "الأمثلة" لغلوهم في قبور أئمتهم.
لقد اعتبر الشيعة أماكن قبور أئمتهم المزعومة أو الحقيقة "حرمًا" مقدسًا: فالكوفة حرم، وكربلاء حرم، وقم حرم - عندهم - وغيرها. في «الوافي» (أن الكوفة حرم الله وحرم رسوله - ﷺ - وحرم أمير المؤمنين، وأن الصلاة فيها بألف صلاة والدرهم بألف درهم) (٥) . ويروون عن الصادق: (إن لله حرمًا هو مكة ولرسوله حرمًا وهو المدينة ولأمير المؤمنين حرمًا وهو الكوفة ولنا
_________________
(١) ابن بابويه القمي: «من لا يحضره الفقيه»: (٢/٣٣٨) وما بعدها.
(٢) الطوسي: «تهذيب الأحكام»: (٦/٣ - ١١٦) .
(٣) ذكره الحر العاملي في «وسائل الشيعة»: (٢٠/٤٩)، ونقل عنه.
(٤) مثل كتاب «المزار» لمحمد بن علي الفضل، و«المزار» لمحمد بن المشهدي و«المزار» لمحمد بن همام، و«المزار» لمحمد بن أحمد بن داود وغيرها. انظر: «وسائل الشيعة»: (٢٠/٤٨ - ٤٩) .
(٥) «الوافي»، باب فضل الكوفة ومساجدها. المجلد الثاني جـ٨ ص ٢١٥.
[ ١ / ٣٠١ ]
حرمًا وهو قم (١)، ستدفن فيه امرأة من ولدي تسمى فاطمة من زارها وجبت له الجنة) (٢) .
وكربلاء عندهم أفضل من الكعبة، ففي حديث لهم عن أبي عبد الله أنه قال: (..إن الله أوحى إلى الكعبة لولا تربة كربلاء ما فضلتك، ولولا من تضمنه أرض كربلاء ما خلقتك ولا خلقت البيت الذي به افتخرت، فقرِّي واستقري وكوني ذنبًا متواضعًا ذليلًا مهينًا غير مستنكف ولا مستكبر لأرض كربلاء وإلا سخت بك وهويت بك نار جهنم) (٣) .
وزيارة قبور الأئمة والدعاء والصلاة عندها والتوسل والاستشفاع بهم ذلك عندهم أفضل من الحج إلى بيت الله.
في «الكافي»: أتى رجل أبا عبد الله فقال له: (إني قد حججت تسع عشرة حجة فادع الله أن يرزقني تمام العشرين، قال: هل زرت قبر الحسين «ع»؟ قال: لا. قال: لزيارته خير من عشرين حجة) (٤) .
وعن ابن أبي يعفور قال: سمعت أبا عبد الله يقول: (والله لو أني حدثتكم بفضل زيارته وبفضل قبره لتركتم الحج رأسًا وما حج منكم أحد، ويحك أما علمت أن الله اتخذ كربلاء حرمًا آمنًا مباركًا قبل أن
_________________
(١) قم: بالضم والتشديد كلمة فارسية، وهي مدينة مقدسة عند الشيعة مشهورة في إيران وأهلها كلهم شيعة إمامية. انظر: «معجم البلدان»: (٤/٣٩٧) . ومن أسباب تقديسهم لقم وجود قبر فاطمة بنت موسى بن جعفر إمامهم السابع فيها. انظر: عبد الرزاق الحسيني: «مشاهد العترة»: ص ١٦٢ وما بعدها.
(٢) «البحار»: جـ١٠٢ ص ٢٦٧.
(٣) «البحار»: جـ١٠١ ص ١٠٧.
(٤) «الوافي»: المجلد الثاني: جـ ٨ ص ٢١٩.
[ ١ / ٣٠٢ ]
يتخذ مكة حرمًا. قال ابن أبي يعفور: فقلت له: قد فرض الله على الناس حج البيت ولم يذكر زيارة قبر الحسين "ع" فقال: إن كان كذلك فإن هذا شيء جعله الله هكذا) (١) .
وعن أبي عبد الله: (إن الله يبدأ بالنظر إلى زوار قبر الحسين بن علي "ع" عشية عرفة قبل نظره إلى أهل الموقف، قال "الراوي": وكيف ذلك؟ قال أبو عبد الله - كما يزعمون -: لأن في أولئك أولاد زنا وليس في هؤلاء أولاد زنا) (٢) .
وفي «الوافي» قال الصادق: (من عرَّف عند قبر الحسين فقد شهد عرفة) (٣) .
وعن الصادق: (من زار قبر الحسين يوم عرفة كتب الله له ألف ألف حجة مع القائم "ع"، وألف ألف عمرة مع رسول الله صلى الله عليه وآله، وعتق ألف ألف نسمة، وحمل ألف ألف فرس في سبيل
_________________
(١) المجلسي «البحار»: جـ ١٠١ ص ٣٣.
(٢) الفيض الكاشاني: «الوافي»: المجلد جـ٨ ص ٢٢٢. مفهوم أولاد الزنا عند الشيعة: هم غير الشيعة من المسلمين. يدل على ذلك ما جاء في «الكافي» عن أبي جعفر قال: والله إن الناس كلهم أولاد بغايا ما خلا شيعتنا. الكليني: الفروع من الكافي كتاب الروضة: ص ١٣٥ طبعة لكنوء ١٨٨٦م، وانظر: «البحار»: (٢٤/٣١١) . وعن أبي ميثم بن أبي يحيى عن جعفر بن محمد قال: ما من مولود يولد إلا وإبليس من الأبالسة بحضرته، فإن علم الله أن المولود من شيعتنا حجبه من ذك الشيطان، وإن لم يكن المولود من شيعتنا أثبت الشيطان أصبعه في دبر الغلام فكان مأبونًا وفي فرج الجارية فكانت فاجرة. «تفسير العياشي»: جـ٢ ص ٢١٨، وانظر: «الوافي»: (١٣: ١٧) عن «الوشيعة»: ص ٤٠، وعقد المجلسي في «البحار» بابًا لهذا الاعتقاد بعنوان (باب أنه يدعى الناس بأسماء أُمهاتهم إلا الشيعة) وذكر فيه ١٢ حديثًا. «البحار»: جـ٧ ص ٢٣٧.
(٣) الفيض الكاشاني: «الوافي»: المجلد الثاني جـ٨ ص ٢٢٢.
[ ١ / ٣٠٣ ]
الله، وسماه الله ﷿ عبدي الصديق آمن بوعدي، وقالت الملائكة: فلان الصديق وزكاه الله من فوق عرشه..) (١) .
والصلاة عند القبور التي هي وسيلة للشرك بالله تعد عندهم من القربات المضاعفة في «الوافي» يقول حديث لهم: (الصلاة في حرم الحسين: لك بكل ركعة تركعها عنده كثواب من حج ألف حجة، واعتمر ألف عمرة وأعتق ألف رقبة، وكأنما وقف في سبيل الله ألف ألف مرة مع نبي مرسل) (٢) .
وهذه دعوة إلى الشرك بالله لا شك في ذلك.
وليس هذا خاصًا بحرم الحسين بل كل أئمتهم كذلك؛ ففي «البحار» للمجلسي: (من زار الرضا (٣) أو واحدًا من الأئمة فصلى عنده.. فإنه يكتب له - ثم ذكر ما جاء في النص السابق وزاد - وله بكل خطوة مائة حجة ومائة عمرة وعتق مائة رقبة في سبيل الله وكتب له مائة حسنة وحط عنه مائة سيئة) (٤) .
ويزور قبور أئمتهم الأنبياء والملائكة، ولم يكتفوا بذلك كعادتهم في الغلو والمبالغة بل قالوا - كبرت كلمة تخرج من أفواههم - إن الله تعالى يزور قبور أئمتهم. تعالى عما يقول الظالمون علوًّا كبيرًا. ففي «البحار» للمجلسي: (أن قبر أمير المؤمنين يزوره المؤمنون) (٥) .
_________________
(١) المصدر السابق: ص ٢٢٣.
(٢) المصر السابق: ص ٢٣٤.
(٣) يعد مرقد إمامهم الرضا أهم الأماكن المقدسة في إيران ومن أضخم الأماكن المقدسة لدى الشيعة، ويقع الضريح تحت قبة ضخمة مكسوة بالذهب. عبد الله فياض: «مشاهداتي في إيران»: ص ١٠٢.
(٤) المجلسي: «البحار»: (١٠٠/١٣٧- ١٣٨) .
(٥) المجلسي: «البحار»: (١٠٠/٢٥٨) .
[ ١ / ٣٠٤ ]
وللزيارة عندهم مناسك معينة، وألفوا في ذلك مؤلفات كـ «مفاتيح الجنان» لشيخهم عباس القمي (١) و«مناسك الزيارات» للمفيد - كما مر (٢) - وغيرها، ومن مناسك مشاهدهم يذكر المجلسي:
١- الغسل قبل دخول المشهد.
٢- الوقوف على بابه والدعاء والاستئذان بالمأثور.
٣- الوقوف على الضريح، فقد نص على الاتكاء على الضريح وتقبيله.
٤- استقبال وجه المزور واستدبار القبلة حال الزيارة..
٥- صلاة ركعتين.
ورويت رخصة في صلاتها إلى القبر، ولو استدبر القبلة وصلى جاز، وإن كان غير مستحسن إلا مع البعد (٣)، أي مع البعد يستحسن أن يجعل قبر الإمام كعبة يتوجه المصلي إليها.
أليست هذه النصوص هي دعوة إلى الشرك بالله ﷿ وتغيير شرع الله ودينه؟، واختيار نحلة المشركين على ملة المرسلين، واستبدال الوثنية بالحنيفية؟..
وجاء في بعض نصوصهم المقدسة أن الحجر الأسود سينزع من مكانه ويوضع في حرمهم الكوفة، ففي «الوافي» أن علي بن أبي طالب قال لأهل الكوفة: (يا أهل الكوفة لقد حباكم الله (بما لم يحبُ أحدًا من فضل، مصلاكم بين آدم وبيت نوح وبيت إدريس، ومصلى إبراهيم - إلى أن قال فيما زعموا - ولا تذهب الأيام والليالي حتى ينصب الحجر الأسود فيه..) (٤) .
_________________
(١) منشورات دار الحياة.
(٢) انظر: ص ٢٧٨ من هذا الكتاب.
(٣) المجلسي: «البحار» كتاب المزار: جـ ١٠٠ ص ١٣٤- ١٣٥.
(٤) الفيض الكاشاني: «الوافي»: باب فضل الكوفة ومساجدها. المجلد الثاني جـ٨ ص ٢١٥.
[ ١ / ٣٠٥ ]