ألا يكون هذا النص وأمثاله هو من الدوافع للقرامطة في فعلتهم وجريمتهم المشهورة في بيت الله الحرام وانتزاعهم الحجر الأسود من الكعبة المشرفة (١)، ولكنهم لم يضعوه في الكوفة. وقد توجد حركة تحاول ذلك فمصادر الشيعة مزرعة لأمثال هذه الحركات.
هذه منزلة مشاهدهم ومزاراتهم.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
(حدثني الثقات أن فيهم من يرى الحج إلى المشاهد أعظم من الحج إلى البيت العتيق، فيرون الإشراك بالله أعظم من عبادة الله، وهذا من أعظم الإيمان بالطاغوت) (٢) وأقول كيف لو اطلع ابن تيمية - ﵀ - على ما في البحار والوسائل والوافي؟!
رابعًا: غلوهم في مجتهديهم:
بعد اختفاء إمام الشيعة ادعى أربعة منهم على التوالي أنهم نواب الإمام - كما مر - وأعلن آخرهم انتهاء البابية. بمعنى الصلة المباشرة والدائمة بالإمام الغائب.
ثم قام مجتهدوهم بعد ذلك وادعوا النيابة عن الإمام الغائب وقالوا: (إن كانت النيابة الخاصة أو البابية قد انتهت فالنيابة العامة لم تنته، فنحن نواب الإمام) . والمهدي يقول: (أما الوقائع الحادثة
_________________
(١) انظر خبر ذلك في حوادث سنة ٣١٧ في المنتظم لابن الجوزي: (٦/٢٢٢) وما بعدها، و«البداية والنهاية» لابن كثير: (١١/١٦٠)، وتاريخ ابن خلدون «العبر»: (٣/١٩١) .
(٢) «منهاج السنّة»: (٢/١٢٤) الطبعة الأميرية.
[ ١ / ٣٠٦ ]
فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا، فإنهم حجتي عليكم وأنا حجة الله) (١) . ولهذا يقول عالمهم المعاصر محمد رضا المظفر: (عقيدتنا في المجتهد أنه نائب للإمام (في حال غيبته وهو الحاكم والرئيس المطلق.. والراد عليه راد على الإمام والراد على الإمام راد على الله تعالى، وهو على حد الشرك بالله) (٢) .
فأنت تلاحظ هنا أن الإمام الذي أضفوا عليه تلك الصفات الأسطورية قد ناب عنه المجتهدون وهذا في واقع الأمر ادعاء للمهدية بشكل ذكي وبطريقة مقنعة، إذ لا فرق بين ادعاء المهدية أو ادعاء النيابة عن المهدي في كل شيء، قد يكون هناك فارق واحد وهو أن كل مجتهد من مجتهديهم أعطوه لقب النائب عن الإمام فنحن أمام عدد من الأئمة المهديين لا مهدي واحد يقول الخميني: (إن معظم فقهائنا في هذا العصر تتوفر فيهم الخصائص التي تؤهلهم للنيابة عن الإمامة المعصوم) (٣) .
وبدعوى النيابة عن الإمام امتصوا عرق الكادحين من الشيعة وأكلوا أموالهم باسم "خمس الإمام"، وبدعوى النيابة جعلوا لفتاويهم صفة القداسة، فالراد على المجتهد راد على الله.
وكما يؤكد الشيعة على أن كل إمامة غير إمامة الاثني عشر باطلة، فلا يعترفون بأي حكومة إسلامية غير حكم علي بن أبي طالب
_________________
(١) «الكافي» على هامش «مرآة العقول»: (٤/٥٥) . وانظر: «الاحتجاج»: (٢/٢٨٣) . وقد استدل الخميني بهذا (التوقيع) المزعوم عن المهدي في دعواه نيابة الفقيه عن المعصوم في كل شيء في كتابه «الحكومة الإسلامية»: ص ٧٧.
(٢) محمد رضا المظفر: «عقائد الإمامية»: ص ٣٤.
(٣) «الحكومة الإسلامية»: ص ١١٣.
[ ١ / ٣٠٧ ]
- كما سيأتي - فكذلك كل ولاية - أي سلطة - غير ولاية المجتهد الشيعي باطلة لأنه هو نائب الإمام المعصوم.
ومن علماء الشيعة من يرى أن ولاية الفقيه الشيعي عن الإمام المعصوم ليست في كل شيء بل هي محدودة في ولاية أمور الفتوى وولاية القضاء والأوقاف العامة وأموال الغائب وارث من لا وارث له وما شابه ذلك (١)، لكن الخميني وطائفته يرون النيابة المطلقة عن الإمام الغائب ماعدا البدء بالجهاد (٢)، ومن أجل تأييد مذهبه هذا كتب كتابه «ولاية الفقيه» أو «الحكومة الإسلامية»، وهذا الغلو من الخميني في دعوى النيابة المطلقة أصبح موضع اعتراض بعض الشيعة، يقول محمد جواد مغنية في كتاب صدر له حديثًا بعنوان «الخميني والدولة الإسلامية»: (قول المعصوم وأمره تمامًا كالتنزيل من الله العزيز العليم (وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى (، ومعنى هذا أن للمعصوم حق الطاعة والولاية على الراشد والقاصر والعالم والجاهل وأن السلطة الروحية والزمنية - مع وجوده - تنحصر به وحده لا شريك له، وإلا كانت الولاية عليه وليست له، علمًا بأنه لا أحد فوق المعصوم عن الخطأ والخطيئة إلا من له الخلق والأمر - ﷿ -. أبعد هذا يقال إذا غاب المعصوم انتقلت ولايته بالكامل إلى الفقيه؟.. فما دامت هذه منزلة المعصوم فكيف يدعي النيابة الكاملة عنه؟) (٣) .
_________________
(١) انظر: «الخميني والدولة الإسلامية»: ص ٦٢ - ٦٤.
(٢) أي أن الجهاد لا يبدأ به إلا مع الإمام المعصوم بخلاف الدفاع. انظر: «تحرير الوسيلة»: (١/٤٨٢) .
(٣) محمد جواد مغنية: «الخميني والدولة الإسلامية»: ص ٥٩.
[ ١ / ٣٠٨ ]
أي كيف يدعي الخميني النيابة المطلقة عن الإمام الغائب، والإمام الغائب بمنزلة النبي أو الإله عندهم؟. وأقول أليس هذا تقمصًا لشخصية الإمام أو ادعاء للمهدية، ولذا فهو يسمى اليوم بالإمام وهو مصطلح له مفهوم الخاص عندهم كما ترى، فدعوى النيابة المطلقة عن الإمام هي بعث للإمامة والمهدية والتشيع من جديد.
ولا يرى الخميني من يتولى النيابة عن الإمام إلا الفقيه الشيعي يقول: (والفقيه هو وصي النبي وفي عصر الغيبة يكون إمامًا للمسلمين وقائدهم) (١)، ويريد بالفقيه: الفقيه الرافضي لأن عقيدة الغيبة لا يؤمن بها إلا فقهاء الروافض.
ومن مظاهر الغلو في المجتهد ما مر بنا (٢) من زعمهم أن مجتهديهم يلتقون بالإمام الغائب الذي هو في الواقع لم يولد، كما أن من مظاهر غلوهم في مجتهديهم أنهم قالوا بأن من لم يصل رتبة الاجتهاد يجب عليه أن يقلد مجتهدًا حيًا معينًا، وإلا فجميع عباداته باطلة لا تقبل منه (٣) وإن صلى وصام وتعبد طول عمره إلا إذا وافق عمله رأي من يقلده بعد ذلك (٤) .
وهذه المنزلة للمجتهدين عند الشيعة تذكرك بمنزلة الباباوات والقسس عند النصارى.
_________________
(١) «الحكومة الإسلامية»: ص ٦٧.
(٢) انظر: ص ٢٦٧ من هذا البحث.
(٣) ومن الطرائف لاعتقادهم هذا (أنه عندما مرض مجتهد في النجف استمر صيام مقلديه على الرغم من إفطار الآخرين من الشيعة من أجل أن مرض ذلك المجتهد حال دون سماع شهادة شهود الرؤية) . جلال الحنفي: «نقاش مع الخالصي»: ص ٥٦.
(٤) محمد رضا المظفر: «عقائد الإمامية»: ص ٥٥.
[ ١ / ٣٠٩ ]