قال شيخهم المجلسي عن حديثهم هذا: (صحيح) (١) . وكفى في تصحيح أمثال هذه الروايات عار وسبّة.
سابعًا: تكفيرهم لمن أنكر إمامة الأئمة الاثني عشر:
وردت روايات كثيرة عندهم تكفر من أنكر إمامة الأئمة الاثني عشر، وهذا التكفير يشمل خلفاء المسلمين من أبي بكر (إلى أن تقوم الساعة - ما عدا حكم علي والحسن ﵄ - لأنهم ادعوا الإمامة بغير حق، كما يشمل الشعوب الإسلامية التي بايعت خلفاء المسلمين من عهد أبي بكر إلى أن تقوم الساعة، لأنها بايعت إمامًا ليس من عند الله. ومن رواياتهم في ذلك:
عن أبي عبد الله "ع" قال: (من ادعى الإمامة وليس من أهلها فهو كافر) (٢) وأهلها هم الأئمة الاثني عشر أو من ينوب عنهم من فقهاء الشيعة.
وعن أبي عبد الله قال: (ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم من ادعى إمامة من الله ليست له، ومن جحد إمامًا من الله، ومن زعم أن لهما (٣) في الإسلام نصيبًا) (٤) .
فهذا تكفير للأمة شنيع لم يبلغ الخوارج مبلغه تكفير للأحياء
_________________
(١) «مرآة العقول»: (٤/٣٦٩) .
(٢) «الكافي»، كتاب الحجة، باب من ادعى الإمامة وليس لها بأهل: (١/٣٧٢) .
(٣) يعنون بهما اللذين أقاما دولة الإسلام بعد النبي - ﷺ - ونشرا دينه، الخليفتين الراشدين أبا بكر وعمر.
(٤) «الكافي»، كتاب الحجة، باب من ادعى الإمامة وليس لها بأهل إلخ: (١/٣٧٣)، وانظر: «تفسير العياشي»: (١/١٧٨)، «تفسير البرهان»: (١/٢٩٣)، «البحار»: (٨/٢١٨) .
[ ١ / ٣١٤ ]
والأموات، حقد عظيم على أمة الإسلام وخلفاء المسلمين.
والعبادة عندهم لا قبول لها إلا بالإيمان بولاية الاثني عشر، ففي «البحار» للمجلسي: (.. لو أن عبدًا عبد الله ألف سنة وجاء بعمل ٧٢ نبيًّا ما تقبل الله منه حتى يعرف ولايتنا أهل البيت، وإلا أكبه الله على منخريه في نار جهنم) (١) .
وعن الصادق - كما يفترون - قال: (الجاحد لولاية علي كعابد الوثن) (٢) .
وعقد المجلسي في «البحار» عدة أبواب في هذا المعنى منها:
(باب أنه لا تقبل الأعمال إلا بالولاية) وذكر فيه واحدًا وسبعين حديثًا لهم (٣) .
(باب ثواب حبهم ونصرهم وولايتهم صلوات الله عليهم وأنهم أمان من النار) وذكر فيه ١٥٠ حديثًا (٤) .
(باب أنه يسأل عن ولايتهم في القبر) وفيه ٢٢ حديثًا (٥) .
(باب ذم مبغضهم وأنه كافر حلال الدم وثواب اللعن على أعدائهم) وذكر فيه ٦٢ حديثًا (٦) .
(باب أنهم شفعاء الخلق، وأن إياب الخلق إليهم وحسابهم عليهم،
_________________
(١) «البحار»: (٢٧/١٩٧) .
(٢) المصدر السابق: (٢٧/١٨١) .
(٣) «البحار»: (٢٧/١٦٦) وما بعدها.
(٤) «البحار»: (٢٧/٧٣- ١٤٤) .
(٥) «البحار»: (٢٧/١٥٧- ١٦٥) .
(٦) «البحار»: جـ ٢٧، ص ٢١٨- ٢٣٩.
[ ١ / ٣١٥ ]
وأنه يسأل عن حبهم وولايتهم في يوم القيامة) وفيه ١٥ حديثًا (١) .
وجاء كلام علمائهم مؤكدًا لهذا الضلال.
قال ابن بابويه القمي في رسالته في الاعتقادات:
(واعتقادنا فيمن جحد إمامة أمير المؤمنين والأئمة من بعده "ع" أنه بمنزلة من جحد نبوة الأنبياء.
واعتقادنا فيمن أقر بأمير المؤمنين وأنكر واحدًا من بعده من الأئمة أنه بمنزلة من آمن بجميع الأنبياء ثم أنكر نبوة محمد - ﷺ -. وقال النبي - صلى الله عليه وآله - كما يفتري هذا القمي - (الأئمة من بعدي اثنا عشر أولهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وآخرهم القائم، طاعتهم طاعتي ومعصيتهم معصيتي فمن أنكر واحدًا منهم فقد أنكرني) (٢) .
وقال القمي: (فمن ادعى الإمامة وليس بإمام فهو الظالم الملعون، ومن وضع الإمامة في غير أهلها فهو ظالم ملعون وقال النبي - صلى الله عليه وآله - من جحد عليًّا إمامته من بعدي فإنما جحد نبوتي، ومن جحد نبوتي فقد جحد ربوبيته، وقال الصادق: من شك في كفر أعدائنا والظالمين لنا فهو كافر) (٣) .
وابن المطهر الحلي يعد من لم يؤمن بأئمتهم أشد شرًّا من اليهود والنصارى؛ يقول: (الإمامة لطف عام (٤) والنبوة لطف خاص لإمكان
_________________
(١) «البحار»: جـ٢٧، ص ٣١١- ٣١٧.
(٢) و(٣) «اعتقادات» ابن بابويه: ص ١١١ - ١١٤ عن «البحار»، المجلسي: جـ ٢٧ ص ٦٢.
(٣) يقولون: (كل ما يقرب المكلفين إلى الطاعة ويبعدهم عن المعاصي يسمى لطفًا اصطلاحًا) «الألفين»: ص٥.
[ ١ / ٣١٦ ]
خلو الزمان من نبي حي بخلاف الإمام، وإنكار اللطف العام شر من إنكار اللطف الخاص) (١) .
وقال عالمهم نعمة الله الجزائري: (لم نجتمع معهم - الأشاعرة ومتابعوهم - على إله ولا على نبي ولا على إمام، وذلك أنهم يقولون أن ربهم هو الذي كان محمد (نبيه وخليفته بعده أبو بكر ونحن لا نقول بهذا الرب ولا بذلك النبي، بل نقول إن الرب الذي خليفة نبيه أبو بكر ليس ربنا ولا ذلك النبي نبينا) (٢) .
وقال مفيدهم: (اتفقت الإمامية على أن من أنكر إمامة أحد من الأئمة وجحد ما أوجبه الله تعالى له من فرض الطاعة فهو كافر ضال مستحق للخلود في النار) (٣) .
وقال: (اتفقت الإمامية على أن أصحاب البدع كلهم كفار، وأن على الإمام أن يستتيبهم عند التمكن بعد الدعوة لهم وإقامة البينات عليهم، فإن تابوا من بدعهم وصاروا إلى الصواب وإلا قتلهم لردتهم عن الإيمان، وإن من مات منهم على ذلك فهو من أهل النار) (٤) .
وقال شيخهم الطوسي: (ودفع الإمامة كفر كما أن دفع النبوة كفر لأن الجهل بهما على حد واحد) (٥) .
وقال المجلسي: (وقد وردت أخبار متواترة أنه لا يقبل عمل من الأعمال إلا بالولاية) (٦) .
_________________
(١) ابن المطهر الحلي: «الألفين»: ص٣.
(٢) «الأنوار النعمانية»: (٢/٢٧٩) .
(٣) «المسائل» عن «البحار»: (٨/٣٦٦) .
(٤) «أوائل المقالات»: ص ٥٣، وانظر: «البحار»: (٨/٣٦٦) .
(٥) «تلخيص الشافي»: (٤/١٣١)، وانظر: المجلسي: «البحار»: (٨/٣٦٨) .
(٦) «البحار»: (٨/٣٦٩) .
[ ١ / ٣١٧ ]
هذا تكفير عام لأمة محمد - ﷺ - وضع قواعده أعداؤها ومن علماء الشيعة من قال إن منكر الإمامة لا يكفر بل يفسق، ولكن قال إنه إذا مات فهو في النار، ولا يخالف في هذا أحد من الشيعة، ولكن هل يخلد في النار؟ اختلفوا في ذلك على ثلاثة أقوال:
١- أنهم مخلدون.
٢- أنهم يخرجون من النار إلى الجنة.
٣- أنهم يخرجون من النار لعدم الكفر الموجب للخلود ولا يدخلون الجنة لعدم الإيمان المقتضي لاستحقاق الثواب (١) .
ورجح شيخهم المجلسي القول بالخلود، ورد على المنكرين من قومه فقال:
(القول بعدم خلودهم في النار نشأ من عدم تتبعهم للأخبار، والأحاديث الدالة على خلودهم متواترة أو قريبة منها، نعم الاحتمالان الأخيران - رقم ٢ - ٣ من الأقوال - آتيان في المستضعفين منهم (٢)، والقول بخروج غير المستضعفين من النار قول مجهول القائل نشأ بين المتأخرين الذين لا معرفة لهم بالأخبار ولا بأقوال القدماء الأخيار) (٣) .
هذا رأي الشيعة فيمن أنكر إمامة أئمتهم الاثني عشر وهو تكفير شنيع للمسلمين، وجرأة على الله في الحكم على عباده المؤمنين بالنار، وهكذا تجعل الشيعة «الجنة» وقفًا على من يؤمن بأئمتهم، والنار هي مصير من ينكرهم.
_________________
(١) انظر ابن المطهر الحلي «كشف المراد شرح تجريد الاعتقاد»: ص٤٢٣ -٤٢٤، «البحار»: (٨/٣٦٤، ٤٦٥) .
(٢) وهم - كما يقول المجلسي: (الضعفاء العقول مثل النساء العاجزات والبله وأمثالهم ومن لم يتم عليه الحجة ممن يموت في زمان الفترة أو كان في موضع لم يأت إليه خبر الحجة، فهم المرجون لأمر الله إما يعذبهم وإما يتوب عليهم، فيرجى لهم النجاة من النار)، المجلسي: «البحار»: (٨/٣٦٣) .
(٣) «البحار»: (٨/٣٦٥) .
[ ١ / ٣١٨ ]