اختلف أصحاب «المقالات والفرق» في عدد فرق الزيدية، فالقمي لا يذكر سوى فرقتين هما: الضعفاء والأقوياء (١) وكذا النوبختي (٢)، بينما الأشعري يذكر لهم ست فرق هي: الجارودية، والسليمانية، والبترية، والنعيمية، ولا يذكر اسم الفرقة الخامسة ويذكر مذهبها فقط، ثم اليعقوبية (٣)، أما البغدادي فلا يذكر سوى ثلاث فرق منها وهي: الجارودية، والسليمانية والبترية (٤)، وكذلك الحال عند الشهرستاني الذي قال: هم أصناف ثلاثة: جارودية، وسليمانية، وبترية. والصالحية منهم والبترية على مذهب واحد (٥) . وكذلك الحال عند الرازي (٦)، ونشوان الحميري (٧)، أما الملطي فيجعلهم أربع فرق ولا يسمي هذه الفرق باستثناء واحدة يطلق عليها اسم "معتزلة بغداد" (٨) .
_________________
(١) القمي: «المقالات والفرق»: ص ٧٣.
(٢) النوبختي: «فرقة الشيعة»: ص ٥٠.
(٣) الأشعري: «مقالات الإسلاميين»: (١/١٤٠- ١٤٥) .
(٤) البغدادي: «الفرق بين الفرق»: ص ٢٢.
(٥) الشهرستاني: «الملل والنحل»: (١/١٥٧) .
(٦) الرازي: «اعتقادات فرق المسلمين والمشركين»: (ص ٧٧- ٧٨) .
(٧) نشوان الحميري: «الحور العين»: ص ١٥٥.
(٨) الملطي: «التنبيه والرد»: (ص ٣٣- ٣٤) .
[ ١ / ١٦٥ ]
بينما البرسي (١) يذكر خمس عشرة فرقة للزيدية بأسمائها (٢) ولم أجد من وافقه على هذا التقسيم وهذا العدد من أصحاب الفرق والمقالات، كما أن البرسي غير موثوق لما ينقله من أباطيل وخرافات في كتبه فلا نشتغل بعرض ما ذكر. أما عن مذاهب هذه الفرق فإننا ذكرنا مذهب معظم الزيدية على سبيل الإجمال، أما العرض التفصيلي لمذاهب تلك الفرق فإننا سنكتفي بما كتبه علامة اليمن أبو سعيد نشوان الحميري (ت ٥٧٣هـ) عن مذاهب الفرق الزيدية على حسب تقسيمه - ولا يخفى أصالة هذا المرجع باعتبار أن اليمن من مراكز الزيدية ونشوان من كبار علماء اليمن - يقول: (وافترقت الزيدية ثلاث فرق: بترية، وجريدية، وجارودية، فقالت البترية: إن عليًّا ﵇ كان أفضل الناس بعد رسول الله - ﷺ - وأولاهم بالإمامة، وأن بيعة أبي بكر وعمر ليست بخطأ لأن عليًا (سلم لهما ذلك بمنزلة رجل كان له حق على رجل فتركه له، ووقفت في أمر عثمان، وشهدت بالكفر على من حارب عليًّا. وسموا البترية لأنهم نسبوا إلى كثير النوى وكان كثير يلقب بالأبتر) (٣) .
_________________
(١) البرسي من "الإمامية" الرافضة فضلًا عن أنه من غلاتهم كما يبدو من كتابه «مشارق أنوار اليقين»، وهو غير ثقة في معلوماته، ونحكم بهذا بناء على ما أورده في كتابه «مشارق أنوار اليقين» من آراء غريبة وخرافات عجيبة حتى قال عنه محسن الأمين (من مراجع الشيعة المعاصرين): (إن في طبعه شذوذًا) . «أعيان الشيعة»: (٣١/١٩٦) .
(٢) البرسي: «مشارق أنوار اليقين»: ص ٢١٠.
(٣) في «المقالات» للأشعري: (١/١٤٤) - ذكر أن البترية هم أصحاب الحسن بن صالح بن حي، وأصحاب كثير النوي، ولم يذكر لهم سوى هذا الاسم، بينما الشهرستاني أشار إلى اسم آخر وهو "الصالحية" نسبة للحسن بن صالح بن حي واعتبرهما فرقة واحدة لأن مقالتهما واحدة. «الملل والنحل»: (١/١٦١) . ووقع في الخطط للمقريزي خلط بين الاسمين: كثير، والحسن، ولعل ذلك تصحيف من
[ ١ / ١٦٦ ]
وقالت الجريرية: (إن عليًّا كان الإمام بعد رسول الله - ﷺ - وأن بيعة أبي بكر وعمر كانت خطأ لا يستحقان عليه اسم الكفر ولا اسم الفسوق، وأن الأمة قد تركت الأصلح، وبرئت من عثمان - (- بسبب إحداثه، وشهدت عليه وعلى من حارب عليًّا بالكفر) (١) .
وقالت الجارودية (٢): (إن رسول الله - ﷺ - نص على علي - ﵁ - بالإشارة والوصف دون التسمية والتعيين، وأنه أشار إليه ووصفه بالصفات التي لا توجد إلا فيه، وأن الأمة ضلت وكفرت بصرفها الأمر إلى غيره، وأن رسول الله - ﷺ - نص على الحسن والحسين ﵉ بمثل نصه على علي. ثم الإمام بعد هؤلاء الثلاثة ليس بمنصوص عليه ولكن الإمامة شورى بين الأفاضل من ولد الحسن والحسين ممن شهر منهم سيفه، ودعا إلى سبيل ربه، وباين الظالمين وكان صحيح النسب من هذين البطنين وكان عالمًا زاهدًا شجاعًا فهو الإمام) .
_________________
(١) = النساخ - جاء فيها: ومنهم البترية أصحاب الحسن بن صالح بن كثير الأبتر. «الخطط»: (٢/٣٥٢) وصحتها أصحاب الحسن بن صالح وكثير الأبتر. وانظر في كثير: «ميزان الاعتدال»: (٣/٤٠٢ -٤١١) . وفي «المقالات» للأشعري: (١/١٤٤) أن من مذهبهم أيضًا: أنهم ينكرون رجعة الأموات، ولا يرون لعلي إمامة إلا حين بويع.
(٢) هذه الفرقة التي سماها نشوان بـ "الجريرية" هي التي سماها كثير من أصحاب الفرق والمقالات بالسليمانية كالأشعري، «مقالات الإسلاميين»: (١/١٤٣)، والشهرستاني: «الملل والنحل»: (١/١٥٩) وغيرهما، وقد سماها صاحب الخطط كتسمية نشوان بـ "الجريرية"، «الخطط»: (٢/٣٥٢)، وقد نص صاحب «الفرق بين الفرق»: ص ٣٢ أنها تسمى بالجريرية أو السليمانية، أي كلا الاسمين مستعمل، ذلك أن الفرقة تنسب إلى "سليمان بن جرير الزيدي".
(٣) وهم أتباع المعروف بأبي الجارود «الفرق بين الفرق»: ص ٣٠، واسمه زياد بن أبي =
[ ١ / ١٦٧ ]
وافترقت الجارودية في نوع آخر ثلاث فرق:
(أ) فزعمت أن محمد بن عبد الله بن الحسين المعروف بالنفس الزكية لم يمت ولا يموت حتى يملأ الأرض عدلًا، وأنه القائم المهدي المنتظر عندهم، وكان محمد بن عبد الله خرج على المنصور فقتل بالمدينة.
(ب) وفرقة زعمت أن محمد بن القاسم بن علي بن عمر بن علي بن الحسن بن علي بن أبي طالب حي لم يمت ولا يموت حتى يملأ الأرض عدلًا وأنه المهدي المنتظر عندهم. وكان محمد بن القاسم هذا خرج على المعتصم.. فأسره المعتصم فلم يدر بعد ذلك كيف كان خبره.
(ج) وفرقة زعمت أن يحيى بن عمر بن يحيى بن الحسين بن زيد بن علي بن الحسن بن علي بن أبي طالب حي لم يمت، وأنه القائم المهدي المنتظر عندهم ولا يموت حتى يملأ الأرض عدلًا. وكان يحيى بن عمر هذا خرج على المستعين فقتل بالكوفة (١) .
يقول عبد القاهر البغدادي عن هذه الفرق الثلاث إنها: (اجتمعت على القول بأن أصحاب الكبائر من الأمة يكونون مخلدين
_________________
(١) = زياد، «تاج العروس»: (٢/٣١٨)، وفي «تهذيب التهذيب»: (٣/٣٨٦) اسمه زياد بن المنذر الهماني ويقال: الهندي ويقال: الثقفي، أبو الجارود الأعمى الكوفي، وقال عنه أبو حاتم: (كان رافضيًا يضع الحديث في مثالب أصحاب رسول الله - ﷺ - و(ويروي في فضائل أهل البيت (أشياء ما لها أصل، لا يحل كتب حديثه.. وهو من المعدودين من أهل الكوفة الغالبين) «المصدر السابق» وكذا ورد اسمه زياد بن المنذر في «فرق الشيعة»: ص ٤٨.
(٢) أبو سعيد نشوان الحميري: «الحور العين»: (ص ١٥٥- ١٥٦) .. وقال في نهاية كلامه عن فرق الزيدية بأن هذه رواية أبي القاسم البلخي عن الزيدية، وفي «الرسالة الوازعة» ليحيى بن حمزة اليمني توفي سنة ٧٤٩هـ أن من أراد التوسع في موضوع الزيدية فليرجع إلى كتاب «المقالات» لأبي القاسم البلخي، أو كتاب «العيون» للحاكم أبي سعيد، «الرسالة الوازعة»: ص ٣٤، وانظر: «مقالات الإسلاميين»: (١/١٣٦) وما بعدها.
[ ١ / ١٦٨ ]
في النار، فهم من هذا الوجه كالخوارج (١)، كما أن هذه الفرق يكفر بعضها بعضًا؛ فالبترية والسليمانية يكفرون الجارودية من الزيدية لإقرار الجارودية على تكفير أبي بكر وعمر، والجاردوية يكفرون السليمانية والبترية لتركهما تكفير أبي بكر وعمر) (٢) .
لكن ما ذكره أصحاب الفرق والمقالات عن هذه الفرق الثلاث لا يتفق مع ما تقدم نقله عن بعض الزيدية من معتقد حسن في الصحابة، فلعل ما ذكرناه أولًا هو اتجاه لفرقة أخرى من الزيدية، ولعلها هي الأصل وهي الفرقة التي ذكرها الملطلي - وقد ذكر للزيدية أربع فرق - حيث قال: (والفرقة الثالثة من الزيدية: يقولون أن الأمة ولت أبا بكر (اجتهادًا لا عنادًا، وقصدوا فأخطأوا في الاجتهاد، وولوا مفضولًا على فاضل فلا شيء عليهم، وإنما أخطأوا في ذلك ولم يتعمدوا) .
وهذه الفرقة لم يتبرؤوا ولم يكفروا أحدًا، وتولوا وهم أصحاب سمت يظهرون زهدًا وعبادة وخيرًا، ويأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر (٣)،.. وهم الذين عناهم ابن حزم بقوله: (وأقرب مذاهب الشيعة إلى أهل السنّة المنتمون إلى أصحاب الحسن بن صالح بن حي الهمذاني الفقيه، القائلون بأن الإمامة في ولد علي - ﵁ -، والثابت عن الحسن بن صالح ﵀ هو قولنا: إنَّ الإمامة في جميع قريش وتولي جميع الصحابة (، إلا أنه كان يفضل عليًّا على جميعهم) (٤) . وهؤلاء أحق بالانتساب إلى زيد.
_________________
(١) «الفرق بين الفرق»: ص ٣٤.
(٢) المصدر السابق: ص ٣٤.
(٣) الملطي: «التنبيه والرد»: ص ٣٤.
(٤) «الفصل»: (٢/١٠٦) وانظر: (٤/١١١) من المصدر السابق.
[ ١ / ١٦٩ ]