في كتاب «المقالات والفرق» للشيعي سعد القمي (ت ٣٠١ أو ٣٩٩) وكتاب «فرق الشيعة» للشيعي الحسن النوبختي (٣١٠) - وهما من أهم كتب الشيعة الخاصة بالفرق وأقدمها - في هذين الكتابين عشرات وعشرات من الفرق الشيعية، وبعدهما أيضًا حدثت فرق، وولدت طوائف ومقالات تنتمي للتشيع، حتى أن الرافضي مير باقر الداماد (١) زعم أن جميع الفرق المذكورة في الحديث - حديث افتراق الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة - هي فرق الشيعة وأن الناجية منهم فرقة الإمامية. وأما أهل السنة والمعتزلة وغيرهم من سائر الفرق فجعلهم من أمة الدعوة: - أي ليسوا من أمة الإجابة، فهم في اعتقاده لم يدخلوا في الإسلام (٢) . والمسعودي قبله يذكر أن طوائف الشيعة بلغت ثلاثًا وسبعين فرقة (٣) .
_________________
(١) محمد باقر بن محمد الأستر بادي، المعروف بالمير الداماد، من كبار شيوخ الشيعة. من مؤلفاته: «القبسات»، «الصراط المستقيم» . توفي سنة ١٠٤١هـ بأصبهان. عباس القمي: «الكنى والألقاب»: (٢/٢٠٦ -٢٠٧)، المحبي: «خلاصة الأثر»: (ص ٣٠١ -٣٠٢) .
(٢) انظر: جمال الدين الأفغاني: «التعليقات على شرح الدّوّاني للعقائد العضدية» ضمن كتاب «الأعمال الكاملة» للأفغاني، دراسة وتحقيق محمد عمارة: (١/٢١٥)، وقد نسب رشيد رضا كتاب «التعليقات» لمحمد عبده «تفسير المنار»: (٨/٢٢١)، لكن الأستاذ محمد عمارة أثبت أنها لجمال الدين الأفغاني. انظر: محمد عمارة: «الأعمال الكاملة» للأفغاني: (١/١٥٥ -١٦٦)، «الأعمال الكاملة» لمحمد عبده: (١/٢٠٩) .
(٣) «مروج الذهب»: (٣/٢٢١)، وانظر: «الملل والنحل»: (١/١٦٥) .
[ ١ / ١٤٣ ]
وقد ورد في دائرة المعارف أنه (ظهر من فروع الفرق الشيعية ما يزيد كثيرًا عن الفرق الاثنتين والسبعين المشهورة (١»، وذكر بعض العلماء أن فرق الشيعة بلغت ثلاثمائة فرقة (٢) .
ولا شك أن (هذا الاختلاف العظيم يدل على عدم النص) (٣) على إمام. وتحدثت كتب الفرق والمقالات (غير الشيعية) عن الشيعة وأصول فرقها وفروعها.
فالشهرستاني يجعل أصول فرق الشيعة خمسًا (٤)، كيسانية، وزيدية، وإمامية، وغلاة، وإسماعيلية (٥)، أما الأشعري فيرجع فرقهم إلى ثلاثة أصول:
(١) الغلاة ويقسمها إلى خمس عشرة فرقة.
_________________
(١) «دائرة المعارف»: (١٤/٦٧) .
(٢) وهو المقريزي في «الخطط»: (٢/٣٥١) .
(٣) ابن خلدون: «لباب المحصل»: ص ١٣٠.
(٤) الشهرستاني: «الملل والنحل»: (١/١٤٧) .
(٥) يلاحظ أن الشهرستاني جعل "الغلاة" أصلًا من الأصول الشيعية وجعل الإسماعيلية أصلًا آخر، مع أن الإسماعيلية داخلة في دائرة الغلاة، بل فضلًا عن أن الشهرستاني ذكر في مبحث الغلاة أنهم يلقبون بالمحمرة، وهذا لقب من ألقاب الإسماعيلية كما ذكره الغزالي في فضائح الباطنية. ومن ناحية أخرى فإننا نجده يذكر أيضًا بعض الفرق الغالية تحت الأصول الأخرى، فمثلًا يذكر "البيانية" أتباع بيان بن سمعان - وهو كما ذكره الشهرستاني نفسه من الغلاة القائلين بإلهية أمير المؤمنين علي - ﵁ - يذكر فرقته المسماة بالبيانية تحت اسم الكيسانية.. وغرضنا هنا أن ننبه إلى أن هذا التقسيم لا يعني أن الشهرستاني يحكم على تلك الأصول الأربعة غير الغلاة بعدم الغلو، بل فيهم الغالي وغير الغالي. وبعض العلماء يسير في تقسيمه لهم على اصطلاح أشار إليه ابن تيمية وهو أن الإسماعيلية علم على الملاحدة، والغالية علم على القائلين بإلهية البشر. «منهاج السنة»: (٢/٤١٠) .
[ ١ / ١٤٤ ]
(٢) الرافضة (١): ويقسمها إلى أربع وعشرين فرقة.
(٣) الزيدية: ويقسمها إلى ست فرق (٢) .
أما أبو الحسين الملطي (٣) فلا يفرق بين الغلاة والرافضة - الذين يلقبون بالإمامية في الغالب أو الإثني عشرية - والزيدية، ويطلق على الجميع "الرافضة"، وكذا أبو المظفر الإسفراييني في «التبصير في الدين»، والبغدادي في «الفرق بين الفرق» وعثمان بن عبد الله بن الحسن الحنفي (من القرن السابع) في كتابه «الفرق المفترقة بين أهل الزيغ والزندقة» وغيرهم (٤) .
والذي يلاحظ على إطلاق اسم "الرافضة" على كل فرق الشيعة هو أنه ينبغي استثناء الزيدية، أو بعبارة أدق الزيدية ما عدا فرقة الجارودية منها، وذلك أن الجارودية سلكت مسلك "الروافض"، ولهذا رأينا شيخ الرافضة (المفيد) يدخل في سمة التشيع فرقة الجارودية من
_________________
(١) وهو يعني بالرافضة الإمامية، فهو يستخدم اللفظين بمعنى واحد، ولهذا ذكر من فرق الرافضة بعض فرق الإمامية، كالواقفة والقطعية، فإنهما من فرق الإمامية، إلا أنه مع ذلك ذكر فرقة البيانية من فرق الرافضة وهي من الغلاة حسب تقسيمهم.
(٢) «مقالات الإسلاميين»: (جـ١/ص٦٥، ٦٦، ٨٧، ٨٨، ١٣٦) .
(٣) محمد بن أحمد بن عبد الرحمن أبو الحسين الملطي العسقلاني، فقيه مقرئ متقن ثقة كثير العلم كثير التصنيف من فقهاء الشافعية، من أهل ملطية، نزل بعسقلان وتوفي بها سنة ٣٧٧هـ من مصنفاته: «التنبيه»، و«الرد على أهل الأهواء والبدع» . ابن الجزري: «غاية النهاية في طبقات القراء»: (٢/٦٧)، «الأعلام»: (٦/٢٠٢) .
(٤) وقد درج على هذا بعض الكتاب المعاصرين فقال: (إن معظم الباحثين يقسم الشيعة إلى إمامية وباطنية.. والحق أنه لا وجه لهذه التفرقة، فكلهم إمامية حيث يجمعهم القول بالإمام وكلهم باطنية حيث لا تسلم طائفة منهم من الإيمان بالباطن، وكلهم روافض لأنهم رافضون لما كان عليه النبي - ﷺ - وأصحابه وما عليه أهل السنة والجماعة) «مجلة التوحيد» عبد الرحمن عبد السلام يعقوب، العدد ٦ السنة السابعة ١٣٩٩هـ.
[ ١ / ١٤٥ ]
الزيدية ويخرج ما عداها من فرق الزيدية من التشيع لأن الجارودية تشاركه في أساس مذهبه، لهذا ينبغي استثناء الزيدية - ما عدا الجارودية - من التسمية بالرافضة (١) .
ولن نتطرق لذكر "فروع" الفرق الشيعية لأن منها ما قد انتهى من الوجود، ومنها ما هو داخل في فرقة من الفرق الموجودة اليوم، والذي يعنينا أن نتعرف على الفرق الشيعية المعاصرة، يقول شيخ الشيعة محسن الأمين (٢): (والموجود اليوم من فرق الشيعة هم: الإمامية الاثنا عشرية وهم الأكثر عددًا، والزيدية، والإسماعيلية) (٣) . ويقول د. علي سامي النشار: (وتشمل الشيعة في عصرنا الحاضر فرقًا ثلاثًا هي: الاثنا عشرية، والإسماعيلية والزيدية) (٤) .
وسنتحدث حديثًا موجزًا عن كل من الإسماعيلية والزيدية، ثم يكون حديثنا عن الشيعة الإمامية الإثني عشرية على سبيل التفصيل، لأنها هي التي نشطت في سبيل الدعوة للتقريب، ولأنها في مصادرها الأساسية قد استوعبت آراء معظم فرق الشيعة وعقائدها - كما سيأتي شرح ذلك.
_________________
(١) وسيأتي دراسة سريعة وموجزة للزيدية، كما سنبين عند مبحث الإمامية.. معنى الرافضة ولم سموا بهذا الاسم.
(٢) محسن عبد الكريم بن علي بن محمد الأمين الحسيني العاملي من مجتهدي الشيعة المعاصرين، ولد بشقراء من قرى جبل عامل بلبنان ودرس في النجف، وسكن دمشق. من تأليفه: «أعيان الشيعة»، و«كشف الارتياب في أتباع الشيخ محمد بن عبد الوهاب» . وفي كتابه الأخير أظهر ما تكنه الرافضة من حقد على أهل السنّة، وقد توفي في بيروت سنة ١٣٧١هـ «معجم المؤلفين»: (٨/١٨٣- ١٨٤) .
(٣) «أعيان الشيعة»: (١/٢٢) . وانظر: محمد المهدي شمس الدين (رافضي): «نظام الحكم والإدارة في الإسلام»: ص ٦١.
(٤) «نشأة الفكر الفلسفي»: (٢/١٢) .
[ ١ / ١٤٦ ]