وهذا القول يصدق تمامًا على التفسير المأثور عندهم للقرآن ولا يتصل من قريب أو بعيد بكتاب الله وتفسيره الصحيح، وإذا كان الأمر في تفسير القرآن كما يصورون فلِمَ نزل للناس كافة؟، وإذا كان الأئمة يفسرون القرآن للناس فأين الأئمة منذ أكثر من ألف عام؟.
وبقي أن نشير إلى ملاحظة هامة وهي: أن للتفسير عندهم وجوهًا ظاهرة وباطنة، والجميع معتبر. فمن أمثلة ذلك أنهم فسروا قوله سبحانه: (ثم ليقضوا تفثهم (بأنه لقاء الإمام كما فسروها بأنها أخذ الشارب، وقص الأظافر. ولما استشكل أحد رواتهم هذا التناقض وسأل - كما يزعمون - الإمام جعفر أي التفسيرين أصح؟ وأي الرواة أصدق في النقل عنه؟ قال بصواب التفسيرين، ولكن التفسير الباطني لا يحتمله - كما يزعمون - إلا خُلَّص مؤمنيهم، ولهذا يخاطب كل سائل بما يحتمله من وجوه التفسير (١) .. أي أن التفسير الباطني لا يقال إلا عند ارتفاع التقية مع ثقاتهم.
وقد يقول قائل إنك عممت الحكم على كل التفاسير الشيعية، في حين يوجد تفاسير لهم تحمل طابع الاعتدال، والبعد عن الغلو، أفما كان الأولى أن يكون هناك استثناءات في هذا المجال؟، أو يقسم التفسير عندهم إلى قسمين معتدل ومغالي، بدلًا من أن يجعل ما عرض من تأويلات هو الوجه للشيعة "الرافضة"؟
والجواب أنني مع ما في السؤال من أن هناك بعض التفاسير الشيعية كـ «التبيان» للطوسي، و«مجمع البيان» للطبرسي قد نأت عن ذلك الغلو الجانح الذي ركنت إليه تلك التفاسير التي مثلنا بها، وإن كانت قد
_________________
(١) انظر: «تفسير نور الثقلين»: (٢/٤٩٢) .
[ ١ / ٢٤٣ ]
التزمت الدفاع عن أصول العقيدة الشيعية في بعض الآيات ولكنها لا تقارب بحال ما في تفسير العياشي أو البرهان أو الصافي أو أصول الكافي وغيرها. وكنت قد عزمت الإشارة إلى هذا النوع من التفسير، والإشادة بهذه الخطوة نحو "الاعتدال" ولا سيما أن بعض من يدافع عن التشيع قد احتج بهذين التفسيرين على أن الشيعة كلهم (لا بعضهم!) ليس لديهم تأويلات منحرفة (١) وكنا سنأخذ الأمر بحسن الظن.
ولكن عالم الشيعة ومحدثها وخبير رجالها وصاحب آخر مجموع من مجاميعهم الحديثية وأُستاذ كثير من علمائهم الأقطاب كمحمد حسين آل كاشف الغطا، وأغابزرك الطهراني وغيرهم عالم الشيعة حسين النوري الطبرسي قد كشف لنا سرًّا عندهم بقي دفينًا، وأماط اللثام عن حقيقة كانت مجهولة لدينا.
وهي أن كتاب «التبيان» للطوسي إنما وضع على أسلوب "التقية" والمداراة للخصوم، وإليك نص كلامه: (ثم لا يخفى على المتأمل في كتاب «التبيان» أن طريقته فيه على نهاية المداراة والمماشاة مع المخالفين، فإنك تراه اقتصر في تفسير الآيات على نقل كلام الحسن، وقتادة، والضحاك، والسدي، وابن جريج، والجبائي، والزجاج، وابن زيد، وأمثالهم، ولم ينقل عن أحد من مفسري الإمامية ولم يذكر خبرًا عن أحد من الأئمة ﵈ إلا قليلًا في بعض المواضع، لعله وافقه في نقله المخالفون، بل عدَّ الأولين في الطبقة الأولى من المفسرين الذين حمدت طرائقهم، ومدحت مذاهبهم، وهو بمكان من الغرابة لو لم يكن على وجه المماشاة فمن المحتمل أن يكون هذا القول منه
فيه على نحو
_________________
(١) محسن الأمين: «الشيعة»: ص ١٧٨.
[ ١ / ٢٤٤ ]
ذلك، ومما يؤيد كون وضع الكتاب على التقية ما ذكره السيد الجليل علي بن طاوس في سعد السعود وهذا لفظه: ونحن نذكر ما حكاه جدي أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي في كتاب «التبيان» وحملته التقية على الاقتصار عليه من تفصيل المكي من المدني والخلاف في أوقاته إلخ - هكذا لم يكمل الطبرسي العبارة - وقال الطبرسي معقبًا: وهو أعرف - يعني ابن طاوس - بما قال - أي الطوسي - من وجوه لا يخفى على من اطلع على مقامه فتأمل) (١) .
فمن هذا الكلام يتبين أن «التبيان» للطوسي قد وضع على أسلوب التقية كما هو رأي عالم الشيعة المعاصر.
أو أن يكون تفسير التبيان قد صدر من الطوسي نتيجة اقتناع فكري بإسفاف ما عليه القوم من تفسير وبتأثير نزعة معتدلة لاختلاطه ببعض علماء السنّة في بغداد، ومعنى هذا أن شيعة اليوم هم أشد غلوًّا وتطرفًا، ولذا تراهم يعتبرون تفسير الطوسي وأمثاله من التفاسير إنما أُلفت للخصوم والتزمت بروح التقية لتبشر بالعقيدة الشيعية بين غير الشيعة.
وقد سار على نهج الطوسي عالمهم أبو علي الفضل بن الحسن الطبرسي - من أكابر علمائهم في القرن السادس - وقد أشار الطبرسي في مقدمة تفسيره إلى اتباعه لمنهج الطوسي حيث قال: (.. إلا ما جمعه الشيخ الأجل السعيد أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي قدس الله روحه من كتاب «التبيان»، فإنه الكتاب الذي يقتبس منه ضياء الحق ويلوح عليه رواء الصدق.. وهو القدوة استضيء بأنواره، وأطأ مواقع
_________________
(١) «فصل الخطاب»: الورقة ١٧ (النسخة المخطوطة) .
[ ١ / ٢٤٥ ]
آثاره) (١) فعلى هذا ينطبق ما قلناه في تفسير الطوسي على هذا التفسير.
وبعد: فهل بمثل هذه التأويلات والتكلفات يحصل تقريب ولقاء؟. وأنّى بمصادر حَوَت هذا الغثاء أن تنال ثقة العقلاء وتكون محور نقاش وتفاهم؟ وكيف تكون مصدرًا لاستمداد العقيدة والسلوك والشريعة؟.