أجمع أهل السنّة والمسلمون جميعًا على صيانة كتاب الله (من التحريف والزيادة والنقص، فهو محفوظ بحفظ الله له، قال تعالى: (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون «١) .
ولا يوجد في كتب أهل السنّة المعتمدة رواية واحدة صحيحة تخالف هذا.
_________________
(١) الحجر: آية ٩.
[ ١ / ٨٥ ]
وقد ذكر مفسرو أهل السنّة عند قوله سبحانه: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) أن القرآن محفوظ من أي تغيير أو تبديل أو تحريف (١) .
وصرح كبار علمائهم أن من اعتقد أن القرآن غير محفوظ فقد خرج من دين الإسلام.
وهذه العقيدة عند أهل السنّة من الشهرة والتواتر بحيث أنها لا تحتاج إلى من يقيم أدلة عليها، بل هذه العقيدة من المتواترات عند المسلمين.
يقول القاضي عياض (٢) - ﵀ -: (وقد أجمع المسلمون أن القرآن المتلو في جميع أقطار الأرض المكتوب في المصحف بأيدي المسلمين مما جمعه الدفتان من أول (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) - إلى آخر - (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ) أنه كلام الله ووحيه المنزل على نبيه محمد (، وأن جميع ما فيه حق وأن من نقص منه حرفًا قاصدًا لذلك أو بدله بحرف آخر مكانه أو زاد فيه حرفًا مما لم يشتمل عليه المصحف الذي وقع الإجماع
_________________
(١) انظر القرطبي: «جامع أحكام القرآن»: (١٠/٦٥)، النسفي: «مدارك التنزيل»: (٢/١٧٩)، «تفسير الخازن»: (٤/٤٧)، «تفسير ابن كثير»: (٢/٥٩٢)، البيضاوي: «أنوار التنزيل»: (١/٥٣٨)، الألوسي: «روح المعاني»: (١٤/١٦)، صديق خان: «فتح البيان»: (٥/١٦٨ - ١٦٩)، الشنقيطي: «أضواء البيان»: (٣/١٢٠) .
(٢) عياض بن موسى بن عمرون اليحصبي السبتي أبو الفضل، عالم المغرب وإمام أهل الحديث في وقته، من مصنفاته: «الشفاء»، «مشارق الأنوار»، «الإلماع» وغيرها. توفي بمراكش سنة ٥٤٤هـ وكان مولده عام ٤٧٦هـ، انظر في ترجمته: الضبي: «بغية الملتمس»: ص ٤٣٧، النباهي: «تاريخ قضاة الأندلس»: ص ١٠١.
[ ١ / ٨٦ ]
عليه وأجمع على أنه ليس من القرآن عامدًا لكل هذا؛ أنه كافر ) (١) .
وينقل القاضي عياض عن أبي عثمان الحداد أنه قال: (جميع من ينتحل التوحيد متفقون على أن الجحد لحرف من التنزيل كفر) (٢) .
وقال ابن قدامة (٣): (ولا خلاف بين المسلمين في أن من جحد من القرآن سورة أو آية أو كلمة أو حرفًا متفقًا عليه أنه كافر) (٤) .
ويقول البغدادي: (وأكفروا - أي أهل السنّة - من زعم من الرافضة أن لا حجة اليوم في القرآن لدعواه أن الصحابة غيروا بعض القرآن وحرفوا بعضه) (٥) .
ويقول القاضي أبو يعلى (٦): (والقرآن ما غُيّر ولا بُدِّل ولا نقص منه ولا زيد فيه، خلافًا للرافضة القائلين أن القرآن قد غير وبدل وخولف بين نظمه وترتيبه - ثم قال - إن القرآن جمع بمحضر من
_________________
(١) و(٢) «الشفاء»: (٢/٣٠٤ - ٣٠٥) .
(٢) عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي ثم الدمشقي أبو محمد موفق الدين، من كبار أئمة السنّة وفقهاء الأمة، له تصانيف منها: «المغني»، و«فضائل الصحابة»، و«القدر» وغيرها. توفي بدمشق سنة ٦٢٠هـ، وكان مولده في جماعيل (من قرى نابلس بفلسطين) سنة ٥٤١. انظر: «مختصر طبقات الحنابلة»: ص ٤٥- ٤٧، وانظر: «الأعلام»: (٤/١٩١ - ١٩٢) .
(٣) ابن قدامة: «لمعة الاعتقاد»: ص ٢٠.
(٤) «الفرق بين الفرق»: ص ٣٢٧.
(٥) محمد بن الحسين بن محمد بن خلف بن الفراء أبو يعلى، عالم عصره في الأصول والفروع، من تصانيفه: «الأحكام السلطانية» . ولد عام ٣٨٠ هـ وتوفي عام ٤٥٨هـ. «طبقات الحنابلة»: (٢/١٩٣ - ٢٣٠)، «الأعلام»: (٦/٣٣١) .
[ ١ / ٨٧ ]
الصحابة - ﵃ - (وأجمعوا عليه ولم ينكر منكِر ولا رد أحد من الصحابة ذلك ولا طعن فيه، ولو كان مغيرًا مبدلًا لوجب أن ينقل عن أحد من الصحابة أنه طعن فيه، لأن مثل هذا لا يجوز أن ينكتم في مستقر العادة.. ولأنه لو كان مغيرًا ومبدلًا لوجب على علي - ﵁ - أن يبينه ويصلحه ويبين للناس بيانًا عامًا أنه أصلح ما كان مغيرًا، فلما لم يفعل ذلك - بل كان يقرأه ويستعمله - دل على أنه غير مبدل ولا مغير) (١) .
ويقول ابن حزم: (القول بأن بين اللوحين تبديلًا كُفر صريح وتكذيب لرسول الله - ﷺ -) (٢) .
وقال الفخر الرازي عند قوله سبحانه: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)، وإنا نحفظ ذلك الذكر من التحريف والزيادة والنقصان - إلى أن قال: إن أحدًا لو حاول تغيير حرف أو نقطة لقال له أهل الدنيا هذا كذب وتغيير لكلام الله، حتى أن الشيخ المهيب لو اتفق له لحن أو هفوة في حرف من كتاب الله تعالى لقال له الصبيان: أخطأت أيها الشيخ وصوابه كذا وكذا.. واعلم أنه لم يتفق لشيء من الكتب مثل هذا الحفظ، فإنه لا كتاب إلا وقد دخله التصحيف والتحريف والتغيير إما في الكثير منه أو في القليل، وبقاء هذا الكتاب مصونًا من جميع جهات التحريف، مع أن دواعي الملاحدة واليهود والنصارى متوفرة على إبطاله وإفساده من أعظم المعجزات) (٣) .
_________________
(١) «المعتمد في أصول الدين»: ص ٢٥٨.
(٢) «الفصل في الملل والنحل»: (٥/٢٢) .
(٣) «مفاتيح الغيب»: (١٩/١٦٠ - ١٦١) .
[ ١ / ٨٨ ]
ويقول ابن حزم - في الجواب عن احتجاج النصارى بدعوى الروافض تحريف القرآن -: (وأما قولهم في دعوى الروافض تبديل القراءات فإن الروافض ليسوا من المسلمين..) (١) .
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (وكذلك - أي في الحكم بتكفيره - من زعم منهم أن القرآن نقص منه آيات وكتمت، أو زعم أن له تأويلات باطنة تسقط الأعمال المشروعة ونحو ذلك، وهؤلاء يسمون القرامطة والباطنية ومنهم التناسخية، وهؤلاء لا خلاف في كفرهم) (٢) .
وبعد: فالشواهد في هذا المجال لا تحصى كثرة وهي موجودة في مواضعها في كتب التفسير وعلوم القرآن والحديث والعقيدة والأصول وغيرها.
ولم نكن لنعرض لهذه المسألة إلا بالإشارة العابرة إلى إجماع الأمة عليها، لأنها من القضايا المتواترة ومما علم من الدين بالضرورة، ومن يخالف فيها فإنما يخالف رب العزة جل شأنه في قوله: (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) (٣) .
وإنما عرضت لها لأنني رأيت من بعض الروافض المعاصرين من يحاول أن يرمي أهل السنّة بهذه الفرية ويدعي أن في كتب السنّة ما يدل على "التحريف"، في حين أنه يزعم أن مذهبه بريء منها.. وكأنه بهذا يحاول أن يثبت من طريق السنّة فكرة في نفسه يخفيها ويتظاهر بإنكارها.
_________________
(١) «الفصل»: (٢/٨٠) .
(٢) «الصارم المسلول»: ص ٥٨٦.
(٣) الحجر: آية ٩.
[ ١ / ٨٩ ]
ولم يجد وسيلة يتذرع بها لإثبات هذه «الفرية» إلا محاولة خداع القارئ بذكر بعض ما ورد في كتب السنّة من أحاديث الناسخ والمنسوخ واختلاف القراءات.
وهذا لا مستمسك لهم به، ومسألة النسخ والقراءات مما وقع في عهد النبي - ﷺ - وثبت عنه، والروافض أنفسهم يقرون بهذا؛ قال الطبرسي (١) في «مجمع البيان»: (ومنها ما يرتفع اللفظ ويثبت الحكم كآية الرجم) (٢) .
والقارئ المسلم يعجب لهذا المسلك من بعض الروافض (٣) فهم يزعمون أنهم ينكرون التحريف ويحاولون تبرئة مذهبهم من هذه "الدعوى"، ولكن أسلوبهم وطريقتهم في الدفاع توحي بأنهم يحاولون إثبات التحريف - سواء قصدوا ذلك أو لم يقصدوه - ذلك أنهم وهم يحاولون تبرئة مذهبهم من هذا القول؛ في الوقت نفسه يضللون القارئ بشبه وافتراءات يزعمون أنها أدلة من طريق السنّة توحي بالتحريف، وأنها تشاكل ما جاء في كتبهم، وهذا مسلك غريب وهو شاهد على عدم نقاوة أصحاب هذا الأسلوب من لوثة ذلك الاعتقاد.
_________________
(١) الفضل بن الحسن بن الفضل الطبرسي أبو علي، من علماء الإمامية، هو عندهم ثقة فاضل ديّن عين يلقبونه بـ "أمين الدين"، من مؤلفاته: «مجمع البيان في تفسير القرآن»، توفي عام ٥٤٨هـ. انظر: «أمل الآمل»: (٢/٢١٦)، «الأعلام»: (٥/٣٥٢-٣٥٣) .
(٢) «مجمع البيان»: (١/١٨٠) .
(٣) وممن سلك هذا المسلك: عبد الحسين الرشتي في كتابه «كشف الاشتباه»، وقال في آخر ما ادعى نقله من طريق السنّة: (فعلى شهادة هذين العظيمين - أعني ابن مسعود وأبا الدرداء - يستحق هذا القرآن الذي بأيدينا الطبخ أو الحرق لاشتماله الزيادة والنقيصة..) «كشف الاشتباه»: ص ٥٨. ومنهم الخنيزي في كتابه «الدعوة الإسلامية»، ومحسن أمين في كتابه «الشيعة بين الحقائق والأوهام»، وعبد الحسين شرف الدين الموسوي في كتابه «أجوبة مسائل جار الله» والأميني النجفي في كتابه «الغدير» وغيرهم.
[ ١ / ٩٠ ]