يرفعه إلى أبي عبد الله - يعنون: جعفر الصادق - وفيه قال - أي راوي الحديث يسأل أبا عبد الله -: «هؤلاء - يعني بهم أئمة السنّة - يأتون بالحديث مستويًا كما يسمعونه، وإنا ربما قدّمنا وأخرنا وزدنا ونقصنا» (١) .
فهذا إقرار منهم بخيانتهم في نقل النصوص، وأمانة أهل السنّة ودقتهم في ذلك.
وجهود أئمة السنّة لا تحتاج لهذا الاعتراف، ولكن أوردنا هذا الاعتراف لأنه صادر من "المخالف" وإنصاف المخالف أشد وقعًا في النفس من إنصاف الموافق.. ولأن في هذا وأمثاله ما "يلجم" محاربي السنّة من الروافض المعاصرين من "كتبهم".
٢- الجانب الثاني: ويتضمن كشف حقيقة ما ينسبه "الروافض" من أحاديث وروايات إلى مصادر أهل السنّة.
ذلك بأن المطالع لكتب الشيعة ورسائلهم قديمها وحديثها يرى ذلك "الحشد" الكبير من النصوص التي يزعمون أنهم أخذوها من مصادر أهل السنّة، وهي تؤيد مذهب الشيعة وتطعن في مذهب أهل السنّة، ويحتجون بها لصحة مذهبهم على أهل السنّة ويقنعون بواسطتها المتشككين والحائرين من بني مذهبهم.
وقد أشار ابن خلدون (٢) إلى هذه الظاهرة بقوله: (إنهم يستدلون
_________________
(١) = الأعيان ونادرة الزمان.." انظر: «منتهى المقال»: ص ٢٦، «المقابس»: ص ١٥، عن مقدمة «البحار»: (جـ١/ص ١٦٣) .
(٢) ابن إدريس: «السرائر»: ص ٤٧٦.
(٣) عبد الرحمن بن محمد بن محمد بن محمد بن الحسن الحضرمي الإشبتلي الأصل المعروف =
[ ١ / ٥٨ ]
على مذهبهم بنصوص ينقلونها ويؤولونها على مقتضى مذهبهم لا يعرفها جهابذة السنّة ولا نقلة الشريعة، بل أكثرها موضوع أو مطعون في طريقه أو بعيد عن تأويلاتهم الفاسدة) (١) .
ولهم في ذلك وسائل وطرق متعددة حتى وصفها صاحب «مختصر التحفة الاثني عشرية» بأنها كثيرة جدًّا لا تدري اليهود بعشرها (٢) .
ولقد قام شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - بكشف كثير من النصوص التي ينسبها الروافض لمصادر أهل السنّة، وأماط اللثام عن صحة تلك النسبة أو خطئها وعن سلامة التأويل لها من فساده، وذلك في كتابه منهاج السنّة ولا سيما في المجلد الأخير منه (٣) .
أما عملية كشف الوسائل التي يتخذها الروافض في الاحتجاج لمذهبهم من طريق السنّة فقد تولى شرحها علامة الهند شاه عبد العزيز الدهلوي (٤) في كتابه «التحفة الاثني عشرية» الذي ألفه بالفارسية، ونقله إلى العربية الشيخ الحافظ غلام محمد بن محيي الدين بن عمر الأسلمي
_________________
(١) = بابن خلدون (ولي الدين أبو زيد)، عالم، أديب، مؤرخ، اجتماعي حكيم، ولد بتونس سنة ٧٣٢هـ وتوفي بالقاهرة سنة ٨٠٨ هـ، من مصنفاته «العبر»، «تاريخ ابن خلدون»، و«لباب المحصل» وغيرها. انظر: السخاوي: «الضوء اللامع»: (٤/١٤٥، ١٤٩)، ابن العماد: «شذرات الذهب»: (٧/٧٦ - ٧٧)، وانظر: «معجم المؤلفين»: (٥/١٨٨ - ١٨٩) .
(٢) ابن خلدون: «المقدمة»: (٢/٥٢٧) بتحقيق د. علي عبد الواحد وافي.
(٣) «مختصر التحفة الاثني عشرية»: ص ٢٥.
(٤) من الطبعة الأميرية سنة ١٣٢٢هـ، ويقوم أستاذنا محمد رشاد سالم بتحقيقه، وخرج منه حتى الآن جزءان.
(٥) هو: عبد العزيز بن أحمد (ولي الله) بن عبد الرحيم العمري الفاروقي الملقب سراج الهند، توفي عام ١٢٣٩هـ ومن مؤلفاته، «فتح العزيز» في التفسير ولم يتمه و«بستان المحدثين» و«التحفة الاثني عشرية»، انظر: «الأعلام»: (جـ٤/ ص ١٣٨) .
[ ١ / ٥٩ ]
والكتاب المعرب لا يزال مخطوطًا (١) ولكن مختصره للشيخ الألوسي مطبوع ومشهور، وقد حوى جزءًا من تلك الوسائل.
وكذلك فعل - شيخ العلماء الأعلام فريد دهره ووحيد عصره - كما يصفه الألوسي (٢) الشيخ محمد الشهير بخواجة نصر الله الهندي المكي (٣)، فأماط اللثام عن كثير من تلك الوسائل والمعابر التي يتقنع بها الروافض لتمرير الأفكار الأجنبية تحت ستار الاحتجاج من مصادر أهل السنّة، وذلك في كتابه «الصواقع المحرقة»، وقد اختصره الشيخ محمود الألوسي وسماه «السيوف المشرقة في مختصر الصواقع المحرقة»، والشيخ السويدي (٤) ﵀ قد كشف أيضًا مجموعة من تلك المحاولات الرافضية في رسالة له بعنوان «نقض عقائد الشيعة» لا تزال مخطوطة لم تطبع (٥) .
والموضوع بحاجة إلى دراسة وعناية ولا يكفي هذا الحيز له، وحسبنا أن نشير إلى شيء من وسائلهم ونؤكد في البداية على أهمية الدراسة الواعية المستوفية لهذه المسألة وإبراز هذه الوسائل بالأرقام والوقائع.. وذلك لمواجهة مسيرة الافتراء والتفريق وإثارة الأحقاد والفتن التي كنا نظن أنها قد ولت، فإذا بنا نفاجأ بها مستمرة.. على صورة أشد وأنكى مما كانت..
_________________
(١) يوجد منه نسخة في مكتبة "الأوقاف" ببغداد برقم (٥٠٣٥)، وأخرى برقم (٦٨١٢)، انظر فهرس مكتبة الأوقاف ببغداد.
(٢) مقدمة «السيوف المشرقة» (مخطوط) .
(٣) لم أجد له ترجمة فيما اطلعت عليه من المصادر العربية.
(٤) ستأتي ترجمته في محاولات التقريب.
(٥) يوجد منها نسخة في مكتبة الأوقاف ببغداد برقم (١/١٣٧٨٥) مجاميع.
[ ١ / ٦٠ ]