٢- ومن أصول أهل السنّة:
أن الرسول - ﷺ - قد بين الدين كله وأعلن ذلك بين المسلمين ولم يُسِر لأحد بشيء من الشريعة ويستكتمه إياه، قال تعالى: (لتبيننه للناس ولا تكتمونه..) (١) وقال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ، إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا ) (٢) وقال: (وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ ) (٣) .
وقد أكمل الله سبحانه للأمة الدّين قال تعالى: ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ) (٤) ويقول سبحانه: ( وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ ) (٥) .
ولم يخص النبي - ﷺ - أحدًا من الصحابة بعلم من الشريعة من دون الآخرين، قال تعالى: ( وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ ) (٦) .
_________________
(١) آل عمران: آية ١٨٧.
(٢) البقرة: الآيتان ١٥٩، ١٦٠.
(٣) النحل: آية ٦٤.
(٤) المائدة: آية ٣.
(٥) النحل: آية ٨٩.
(٦) النحل: آية ٤٤.
[ ١ / ٩١ ]
فالآية تدل على أن البيان للناس وليس لفرد أو طائفة منهم ولو كانوا أهل بيته - ﵃ -.
وقد جاء في البخاري عن أبي جحيفة (قال: «قلت لعلي: هل عندكم كتاب؟ قال: لا، إلا كتاب الله أو فهم أعطيه رجل مسلم أو ما في هذه الصحيفة، قال: قلت: وما في هذه الصحيفة؟ قال: العقل، وفكاك الأسير، ولا يقتل مسلم بكافر» (١) .
وتوفي رسول الله - ﷺ - وقد ترك أمته على البيضاء كما جاء عنه (: «تركتكم على مثل البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك» (٢) .
قال أبو الدرداء: «صدق الله ورسوله فقد تركنا على مثل البيضاء» (٣) .
_________________
(١) «صحيح البخاري» كتاب العلم، باب كتابة العلم: (١/ ٣٦)، وورد الحديث بلفظ آخر عن أبي جحيفة: قال: سألت عليًّا (: هل عندكم شيء مما ليس في القرآن؟ وقال ابن عيينة مرة: ما ليس عند الناس؟ فقال: «والذي فلق الحبة وبرأ النسمة ما عندنا إلا ما في القرآن، ألا فهمًا يعطى رجل في كتابه وما في الصحيفة، قلت وما في الصحيفة؟ قال: العقل وفكاك الأسير وأن لا يقتل مسلم بكافر» «صحيح البخاري» كتاب الديات، باب لا يقتل المسلم بالكافر: (٨/٤٧) .
(٢) هذا جزء من حديث رواه ابن ماجه في «سننه»، المقدمة، باب اتباع سنة الخلفاء الراشدين: (١/١٦)، وأحمد في «مسنده»: (٤/١٢٦)، والحاكم في «مستدركه»: (١/٩٦)، وابن أبي عاصم في كتاب «السنة»، باب ذكر قول النبي - ﷺ - «تركتكم على مثل البيضاء »: (١/٢٦) . وروي عدة روايات في هذا المعنى صحح الألباني معظمها..
(٣) رواه ابن أبي عاصم في كتاب «السنة»: (١/٢٦) .
[ ١ / ٩٢ ]
قال أبو ذر - ﵁ -: «لقد تركنا محمد - ﷺ - وما يحرك طائر جناحيه في السماء إلا أذكرنا منه علمًا» (١) .
وقال عمر - ﵁ -: «قام فينا النبي - ﷺ - مقامًا فأخبرنا عن بدء الخلق حتى دخل أهل الجنة منازلهم وأهل النار منازلهم، حفظ ذلك من حفظه ونسيه من نسيه» (٢) .
يقول ابن حزم: (قد بلغ الرسول - ﷺ - الدين كله وبيّن جميعه كما أمره الله تعالى) (٣)، ويقول: (والدين قد تم فلا يزاد فيه ولا ينقص منه ولا يبدل) (٤) ويقول: (ولا سر في الدين عند أحد) (٥)، وذكر أدلة ذلك من كتاب الله - وقد مضى ذكر بعضها -.
ويقول الشافعي: (فليست تنزل بأحد من أهل دين الله نازلة إلا وفي كتاب الله الدليل على سبيل الهدي فيها) (٦) .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (فإن هذا الأصل - أي بيان الرسول - ﷺ - للدين وأصوله وفروعه باطنه وظاهره علمه وعمله - هو أصل أصول العلم والإيمان، وكل من كان أعظم اعتصامًا بهذا الأصل كان أولى بالحق علمًا وعملًا) (٧) .
_________________
(١) روى هذا الأثر الإمام أحمد في «مسنده»: (٥/١٥٣) .
(٢) «صحيح البخاري»، كتاب بدء الخلق، باب ما جاء في قوله تعالى: (وهو الذي يبدء الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه (: (٤/٧٣) .
(٣) «المحلى»: (١/٢٦) .
(٤) المصدر السابق: (١/٢٦) .
(٥) المصدر السابق: (١/١٥) .
(٦) «الرسالة»: ص ٢٠.
(٧) «معارج الوصول إلى معرفة أن أصول الدين وفروعه قد بينها الرسول - ﷺ -»: ص ٢. وانظر «موافقة صحيح المنقول لصريح المعقول»: (١/١٣) .
[ ١ / ٩٣ ]