يعرف المفيد التقية عندهم بقوله: (التقية كتمان الحق وستر الاعتقاد فيه ومكاتمة المخالفين وترك مظاهرتهم بما يعقب ضررًا في الدين أو الدنيا) (٣) .
وعرفها أحد علمائهم المعاصرين بقوله: (التقية.. أن تقول أو تفعل غير ما تعتقد لتدفع الضرر عن نفسك أو مالك أو لتحتفظ بكرامتك) (٤) .
وهذا التعريف للتقية لا ينطبق على حالات التقية عندهم، وسنرى أنهم يقولون بالتقية في غير مجال الضرورة والحاجة الشرعية.
إن التقية التي هي في الإسلام رخصة عند الضرورة العارضة (٥)
_________________
(١) «البحار»: (٢٥/٣٥١) .
(٢) اتَّقَيْتُ الشيء وتَقَيْتُه أتَّقيه تُقى وتَقيَّة وتقاء ككساء حَذرْتُه. انظر: «القاموس المحيط»: مادة وقى.
(٣) المفيد: «شرح عقائد الصدوق»: ص ٢٦١ (ملحق بكتاب أوائل المقالات) .
(٤) محمد جواد مغنية: «الشيعة في الميزان»: ص ٤٨.
(٥) يدل على ذلك قوله سبحانه: (من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان.. الآية ([النحل: ١٠٦]، وقوله سبحانه: (لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة ويحذركم الله نفسه والله رؤوف بالعباد ([آل عمران: ٢٨] .
[ ١ / ٣٣٠ ]
وليست من أصول الدين المتبعة - هي عند الشيعة من أُسس عقائدها وركائز إيمانها.. بل غالوا في قيمتها حتى قالوا - في حديث لهم عن أبي عبد الله - أن تسعة أعشار الدين في التقية، ولا دين لمن لا تقية له (١) .
فهذا النص يسنده الشيعة إلى أبي عبد الله جعفر الصادق المولود سنة ٨٠ والمتوفى سنة ١٨٤، أي الذي عاش في فترة عز الإسلام والمسلمين، فأي حاجة إلى التقية في ذلك الزمن إلا إذا كان الدين المتقي به غير الإسلام؟ (٢) .
ومن العجيب أن تجعل الشيعة التقية تسعة أعشار الدين فماذا بقي لأركان الدين من قيمة بعد ذلك؟.
بل إنهم يجعلون تارك التقية لا دين له وهذا نهاية في الغلو. فعن أبي عبد الله "ع" قال: (اتقوا الله في دينكم فاحجبوه بالتقية، فإنه لا إيمان لمن لا تقية له..) (٣) .
وكذلك يروي الكليني عن أبي جعفر المولود بالمدينة سنة ٥٧ والمتوفى سنة ١١٤ - أي في العصر الذهبي للإسلام وفي خير القرون وأفضل البقاع - أنه يقول: (التقية من ديني ودين آبائي، ولا إيمان لمن لا تقية له) (٤) .
_________________
(١) «الكافي»: (٢/٢١٧) .
(٢) يرى بعض السلف أنه لا تقية بعد أن أعز الله الإسلام، قال معاذ بن جبل ومجاهد: كانت التقية في جدّة الإسلام قبل قوة المسلمين، أما اليوم فقد أعز الله المسلمين أن يتقوا من عدوهم. انظر: «تفسير القرطبي»: (٤/٥٧)، وانظر: «فتح القدير»: (١/٣٣١) فكيف ممن يرى وجوبها في عز الإسلام؟.
(٣) «الكافي»: (٢/٢١٨) .
(٤) المصدر السابق: (٢/٢١٩) .
[ ١ / ٣٣١ ]
ويقول: (خالطوهم بالبرانية وخالفوهم بالجوانية إذا كانت الإمرة صبيانية) (١) .
ويهتم الكليني (ت ٣٢٩ أو ٣٢٨) بأمر التقية ويعقد لها بابًا خاصًا بعنوان: (باب التقية)، ويضعه ضمن كتاب الإيمان والكفر. وهذا دليل علي أن الكليني يرى أن ترك التقية كفر كما أن فعلها إيمان، وقد ذكر الكليني في باب التقية ٢٣ حديثًا لهم (٢) .
ثم أردف باب التقية بباب آخر يدخل في معنى التقية وهو (باب الكتمان)، وذكر فيه ١٦ حديثًا (٣) تأمر الشيعة بكتمان دينهم، ومن هذه الأحاديث: قول أبي عبد الله - كما يفترون - لسليمان بن خالد: (يا سليمان إنكم على دين من كتمه أعزه الله ومن أذاعه أذله الله) (٤) .
وقال أبو جعفر: (لا تبثوا سرنا ولا تذيعوا أمرنا..) (٥) .
وقال أبو عبد الله: (يا معلي - راوي الخبر - اكتم أمرنا ولا تذعه، فإنه من كتم أمرنا ولم يذعه أعزه الله به في الدنيا وجعله نورًا بين عينيه في الآخرة يقوده إلى الجنة، يا معلي من أذاع أمرنا ولم يكتمه أذله الله به في الدنيا ونزع النور من بين عينيه في الآخرة وجعله ظلمة تقوده إلى النار، يا معلي إن التقية من ديني ودين آبائي
_________________
(١) المصدر السابق: (٢/٢٢٠)، و"البرانية" هي "العلانية"، والجوانية هي السر والباطن. «هامش الكافي»: (٢/٢٢٠- ٢٢١) .
(٢) «الكافي»: (٢/٢١٧- ٢٢١) .
(٣) المصدر السابق: (٢/٢٢١- ٢٢٦) .
(٤) المصدر السابق: (٢/٢٢٢) .
(٥) المصدر السابق: (٢/٢٢٢) .
[ ١ / ٣٣٢ ]
ولا دين لمن لا تقية، يا معلي إن المذيع لأمرنا كالجاحد له) (١) .
وفي حديث لهم يقول: (.. وكتمانه لسرنا جهاد في سبيل الله) (٢) .
ثم يعقد الكليني بعد باب الكتمان بأبواب كثيرة (٣) بابًا في موضوع التقية أيضًا بعنوان: "باب الإذاعة"، ويذكره ضمن كتاب الكفر والإيمان أيضًا ويضمنه ١٢ حديثًا (٤) تحذر من إذاعة أمرهم وتأمر بكتمانه والتقية فيه، منها قول: أبي عبد الله: (من أذاع علينا حديثنا سلبه الله الإيمان) (٥) .
وقال: (مذيع السر شاك، وقائله عند غير أهله كافر) (٦) .
قال شارح «الكافي» في تفسير النص الأخير: (كأن المعنى مذيع السر عند من لا يعتمد عليه من الشيعة شاك.. ويمكن حمله على الأسرار التي لا تقبلها عقول عامة الخلق) (٧) .
وهذا يدل على أن هناك كتمانًا وتقية من علماء الشيعة لعامتهم.
وقد ذكرت كتب الشيعة مشروعية التقية والكتمان لكثير من أخبارهم وعقائدهم حتى وإن كان السامع من شيعهم، لعدم تحمل عقول كثير من الناس وقلوبهم لها فيدعوهم هذا لكره المذهب
_________________
(١) «الكافي»: (٢/٢٢٤) .
(٢) «الكافي»: (٢/٢٢٦) .
(٣) عددها ٦١ بابًا.
(٤) «الكافي»: (٢/٣٦٩- ٣٧٢) .
(٥) «الكافي»: (٢/٣٧٠) .
(٦) «الكافي»: (٢/٣٧١- ٣٧٢) .
(٧) «هامش الكافي»: (٢/٣٧٢) .
[ ١ / ٣٣٣ ]
والنفور منه، وهذا من باب التقية عندهم وإن اختلف الدافع له والغرض منه، وأنه قد يستعمل حتى مع نبي قومهم.
ففي «الكافي»: (باب فيما جاء أن حديثهم صعب مستصعب) وذكر فيه خمس روايات لهم (١) .
وفي «البحار» للمجلسي جاء هذا الباب بعنوان: (باب أن حديثهم ﵈ صعب مستصعب وأن كلامهم ذو وجوه كثيرة، وفضيلة التدبر في أخبارهم ﵈ والتسليم لهم والنهي عن رد أخبارهم) وفيه (١١٦) حديثًا (٢) .
ومن هذه الروايات التي يذكرونها في هذا الباب: (إن حديثنا تشمئز منه القلوب، فمن عرف فزيدوهم ومن أنكر فذروهم) (٣) .
وعن سفيان السمط قال: قلت لأبي عبد الله ﵇: (جعلت فداك إن رجلًا يأتينا من قبلكم يعرف بالكذب فيحدث بالحديث فنستبشعه، فقال أبو عبد الله: يقول لك إني قلت لليل أنه نهار أو للنهار أنه ليل، قال: لا، قال: فإن قال لك هذا إني قلته فلا تكذب به فإنك إنما تكذبني) (٤) .
وهذا يدل على أن من الشيعة من يستبشع رواياتهم ولكن يلزمون بالإيمان الأعمى بها.
_________________
(١) «الكافي»: (١/٤٠١- ٤٠٢) .
(٢) «البحار»: (٢/١٨٢- ٢١٢) .
(٣) «البحار»: (٢/١٩٢) .
(٤) «البحار»: (٢/٢١١- ٢١٢) .
[ ١ / ٣٣٤ ]
وعن جابر الجعفي قال: قال أبو جعفر "ع": قال رسول الله - ﷺ -: (إن حديث آل محمد صعب مستصعب لا يؤمن به إلا ملك مقرب أو نبي مرسل أو عبد امتحن الله قلبه للإيمان..) (١) .
هذه صورة لعقيدة التقية في أهم كتب الشيعة (٢) .
ولا شك أن أسرارهم قد انكشفت حتى عقيدة التقية قد انكشف أمرها، والسبب هم الشيعة أنفسهم، ولهذا جاءت بعض نصوصهم تصف الشيعة بـ "النزق وقلة الكتمان" (٣) .
ولكن الأثر العملي للتقية لا يزال يؤدي دوره الخطير في جوانب عديدة منها:
أولًا: أن عقيدة التقية استغلها دعاة التفرقة بين الأمة، والزنادقة المتسترون بالتشيع استغلوها لإبقاء الخلاف بين المسلمين. وذلك برد الأحاديث الصحيحة في معناها التي وردت عن الأئمة ووافقت ما عند الأمة وروتها كتب الشيعة نفسها ردها، بحجة أنها تقية لموافقتها لما عند أهل السنّة، فإذا جاء حديث يثني على الصحابة قالوا: إن هذا تقية، وإقرار أئمتهم بالخلافة القائمة في عصرهم يقولون: إنه تقية، وصلح الحسن هو عندهم تقية وهكذا، فضلًا عن الفروع الفقهية إذْ يردون الأحاديث التي توافق ما عليه أهل السنّة وتخالف شذوذهم - يردونها بحجة التقية لأنها وافقت إجماع المسلمين.
_________________
(١) «الكافي»: (١/٤٠١) .
(٢) وقد خصها بعض شيوخهم بتأليف مستقل، وفي «الذريعة إلى تصانيف الشيعة» ذكر ١٦ كتابًا لهم باسم التقية. «الذريعة»: (٤/٤٠٣- ٤٠٥) .
(٣) «الكافي»: (١/٢٢٢) .
[ ١ / ٣٣٥ ]
ومن الأمثلة لتأثير التقية العملي عندهم أنهم قالوا عن تزويج علي - ﵁ - ابنته أم كلثوم من عمر بن الخطاب (- تلك التي هي من أقوى الدلائل على كمال الحب والولاء بين الصحب والآل - قالوا: إن هذا من باب التقية، فقد عقد عالمهم الحر العاملي في "وسائل الشيعة" بابًا في هذا بعنوان: (باب جواز مناكحة الناصب عند الضرورة والتقية) ومما جاء فيه:
عن أبي عبد الله (في تزويج أم كلثوم فقال: (إن ذلك فرج غصبناه) (١) .
كما أورد في هذا الباب تزويج رسول الله - ﷺ - ابنتيه لعثمان (وعده من باب التقية. قال أبو جعفر: (إن رسول الله صلى الله عليه وآله زوج منافقين: أبا العاص بن الربيع، وسكت عن الآخر (٢» (٣) . أي لم يصرح الإمام باسم عثمان تقية وخوفًا.
هذا مجرد مثال والأمثلة كثيرة سيأتي بعض منها أيضًا في فصل (هل من طريق للتقريب؟) .
وهكذا جعلوا عقيدة التقية منفذًا للغلو والغلاة ووسيلة وضعها أعداء الأمة للنأي بالشيعة عن جماعة المسلمين.
ثانيًا: إنهم جعلوا عقيدة التقية هي المخرج من الاختلاف
_________________
(١) الحر العاملي: «وسائل الشيعة»: (٧/٤٣٣) عن «فروع الكافي»: (٢/١٠) .
(٢) أي سكت عن ذكر اسم الآخر، وهو عثمان (من باب التقية واكتفى بالإشارة إليه.
(٣) الحر العاملي: «وسائل الشيعة»: (٧/٤٣٤- ٤٣٥)، وانظر: «السرائر»: ص ٤٧٥.
[ ١ / ٣٣٦ ]
والتناقض في أخبارهم وأحاديثهم، فإن ظاهرة التناقض في أحاديثهم كانت من أقوى الدلائل على أنها من عند غير الله (١)، ولهذا كان ذلك الاختلاف الكثير في أخبارهم من أسباب ترك بعض الشيعة للتشيع كما اعترف بذلك الطوسي (٢) .
ثالثًا: أنهم قالوا بعصمة الأئمة وأنهم لا ينسون ولا يسهون ولا يخطئون مع أن الناس حفظوا عنهم ما يخالف ذلك وينافي عصمتهم، فقالوا بالتقية للمحافظة على دعوى عصمة الأئمة، تلك العصمة التي بسقوطها تسقط قيمة أقوالهم وبالتالي يسقط مذهب الشيعة، ولهذا قال سليمان بن جرير: (إن أئمة الرافضة وضعوا لشيعتهم مقالتين لا يظهرون معهما من أئمتهم على كذب أبدًا وهما: القول بالبداء وإجازة التقية) (٣) .
رابعًا: جعلت التقية وسيلة للكذب على الأئمة، فيردون - مثلًا - كلام الإمام الباقر أو جعفر الصادق الذي سمعه مجموعة من الناس بحجة أنه قد حضره بعض السنّة فاتقى في كلامه، ويقبلون ما ينقله الكذبة أمثال جابر الجعفي بحجة أنه لم يحضر مجلسه أحد يتقيه، فما ينقله غلاة الروافض والزنادقة عن أئمة أهل البيت مقبول عندهم، وما ينقله العدول من المسلمين مردود بدعوى التقية.
_________________
(١) كما يدل على ذلك قوله تعالى: (ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافًا كثيرًا ([النساء: ٨٢] .
(٢) الطوسي: «التهذيب»: (١/٣) .
(٣) سعد القمي: «المقالات والفرق»: ص ٧٨، النوبختي: «فرقة الشيعة»: ص ٥٥، الشهرستاني: «الملل والنحل»: (١/١٦٠)، الرازي: «محصل أفكار المتقدمين والمتأخرين»: ص ٢٤٩.
[ ١ / ٣٣٧ ]
فمثلًا الإمام زيد بن علي وهو من أهل البيت يروي عن علي - ﵁ - - كما تذكره كتب الشيعة نفسها - أنه غسل رجليه في الوضوء، ولكن عالم الشيعة الطوسي يرد هذه الرواية ويزعم أنها من باب التقية. استمع إلى نص الرواية: عن زيد بن علي عن آبائه عن علي - ﵁ - قال: (جلست أتوضأ فأقبل رسول الله - ﷺ - حين ابتدأت الوضوء فقال لي: تمضمض واستنشق واستن (١)، ثم غسلت ثلاثًا فقال: قد يجزيك من ذلك المرتان، فغسلت ذراعي ومسحت برأسي مرتين، فقال: قد يجزيك من ذلك المرة، وغسلت قدمي، فقال لي: يا علي خلل بين الأصابع لا تخلل بالنار) (٢) .
قال الطوسي: (فهذا خبر موافق للعامة - يعني أهل السنّة لأن مذهبهم غسل الرجلين - وقد ورد مورد التقية، لأن المعلوم الذي لا يتخالج منه الشك من مذاهب أئمتنا ﵈ القول بالمسح على الرجلين - ثم قال: إن رواة هذا الخبر كلهم عامة ورجال الزيدية وما يختصون بروايته لا يعمل به) (٣) .
هكذا ترد النصوص التي تتفق مع مذهب أهل السنّة تحت ستار التقية حتى وإن كان الراوي من أئمة أهل البيت.
خامسًا: انبثق من خلال عقيدة التقية: مبدأ أن ما خالف العامة - أي أهل السنّة - هو الحق، حتى إنهم جعلوا من معالم التعرف على الحق - في نظرهم - عند اختلاف رواياتهم معرفة ما عليه أهل السنّة
_________________
(١) الاستنان: استعمال السواك.
(٢) «الاستبصار»: (١/٦٥- ٦٦) باب وجوب المسح على الرجلين.
(٣) المصدر السابق.
[ ١ / ٣٣٨ ]
وأن يكون مجتهدهم على دراية بذلك ليتسنى له الأخذ بخلافه، فإذا اختلفت أحاديثهم فالحق هو ما فيه خلاف العامة، وإذا أفتى عالم أهل السنّة بفتوى فالحق في خلافها.
ففي «البحار» عن علي بن أسباط قال: قلت للرضا "ع": (يحدث الأمر لا أجد بدًّا من معرفته وليس في البلد الذي أنا فيه أحد أستفتيه من مواليك، قال: فقال ﵇: ائت فقيه البلد - يعني من أهل السنّة - فاستفته في أمرك، فإن أفتاك بشيء فخذ بخلافه فإن الحق فيه) (١) .
وفي «البحار» أيضًا قال أبو عبد الله "ع": (إذا ورد عنكم حديثان مختلفان فخذوا بما خالف القوم) (٢) .
وهكذا أراد مؤسسو هذا المذهب الانفصال عن جماعة المسلمين والنأي بالشيعة عن حقيقة الإسلام، ولهذا حملوا كل ما في مذهبهم من نصوص توافق الأمة - حملوها على التقية وجعلوا علامة إصابة الحق تتمثل في مخالفة العامة - أهل السنّة -.