بعد ذكرنا لثبوت تلك الروايات عندهم وتواترها من طريقهم، تُرى هل جميع الروافض يقولون بهذه الروايات، ويعتقدون بها؟ يقول شيخهم المفيد (ت ٤١٣) - الذي يصفونه بركن الإسلام وآية الله الملك العلام - يقول:
(واتفقوا - أي الإمامية - على أن أئمة الضلال خالفوا في كثير من تأليف القرآن وعدلوا فيه عن موجب التنزيل وسنّة النبي - ﷺ -، وأجمعت المعتزلة والخوارج، والزيدية، والمرجئة، وأصحاب الحديث على خلاف الإمامية) (٢) .
وهذا اعتراف من مفيدهم بأن هذه القولة الشنيعة مما شذت به طائفته. ولم يذكر مفيدهم وجود خلاف بين علمائهم في هذا المذهب! مع أن شيخه ابن بابويه القمي الملقب عندهم بالصدوق (ت ٣٨١) قد تظاهر بمخالفة هذا في رسالته في الاعتقادات وأنكر نسبة الاعتقاد بالتحريف إليهم (٣) وتبعه على ذلك المرتضي (٤) (ت ٤٣٦هـ) والطوسي (٥) (ت ٤٥٠هـ) - كما مر - وهما من
_________________
(١) «الأنوار النعمانية»: (٢/٣٦٣، ٣٦٤) .
(٢) المفيد: «أوائل المقالات»: ص ٥١.
(٣) انظر: محسن الأمين: «الشيعة»: ص ١٦١.
(٤) انظر: الطوسي: «التبيان»: (١/٣) .
(٥) المصدر السابق: (١/٣، ٤) .
[ ١ / ٢٠٥ ]
تلامذة المفيد، ورابعهم الطبرسي (١) - من القرن السادس -، لم يشر المفيد إلى خلاف شيخه القمي؟ هل تجاهل المفيد لذلك من قبيل اقتناعه بأن مخالفته بسبب التقية أم ماذا؟ ويعترف شيخ الشيعة النوري أن إجماع الشيعة قائم على هذا الإلحاد إلى أن جاء ابن بابويه القمي فخالف ذلك - يقول: (إن ابن بابويه القمي أول من أحدث هذا القول في الشيعة في عقائدهم) (٢) وتبعه الثلاثة الآخرون، ويذكر أنه لا يوجد في القرون المتقدمة من القرن الرابع إلى السادس خامس لهؤلاء أنكر التحريف، وإن جميع الشيعة في هاتيك القرون متسالمون على القول بالتحريف، ويؤكد أنه (لم يعرف الخلاف صريحًا إلا من هؤلاء الأربعة) (٣)، ويرى عالمهم الشيعي "نعمة الله الجزائري" أن إنكار هؤلاء إنما هو من باب التقية، فيقول - بعد تأكيده أن أصحابه قد أطبقوا على صحة أخبار التحريف والتصديق بها - يقول: نعم قد خالف فيها المرتضي والصدوق والشيخ الطبرسي وحكموا بأن ما بين دفتي هذا المصحف هو القرآن المنزل لا غير ولم يقع فيه تحريف ولا تبديل.. والظاهر أن هذا القول إنما صدر منهم لأجل مصالح كثيرة منها: سد باب الطعن عليها بأنه إذا جاز هذا في القرآن فكيف جاز العمل بقواعده وأحكامه مع جواز لحوق التحريف لها؟.. وكيف وهؤلاء الأعلام رووا في مؤلفاتهم أخبارًا كثيرة تشتمل على وقوع تلك الأمور في القرآن وأن الآية هكذا أُنزلت ثم غيرت إلى هذا (٤)؟.
هذا ما يقوله عالمهم الجزائري، وقد يكون ما يقوله حقيقيًا
_________________
(١) الطبرسي: «مجمع البيان»: (١/١٥) .
(٢) «فصل الخطاب»: ص ١١١.
(٣) «فصل الخطاب»: ص ١٥.
(٤) «الأنوار النعمانية»: (٢/٣٥٧، ٣٥٨) .
[ ١ / ٢٠٦ ]
بالنسبة لمعتقد أولئك المنكرين، أو لا يكون فالله هو المطلع على القلوب والنوايا، لكن يبقى أن هؤلاء الأربعة باستثناء الطبرسي في حدود علمي قد أثر عنهم ما يمس كتاب الله سبحانه ويطعن فيه، فابن بابويه القمي روى حديثًا في كتابه «الخصال» يطعن في كتاب الله، - كما مر - والطوسي أثر عنه ذلك في بعض كتبه - كما مر - والمرتضي نقل عنه صاحب فصل الخطاب أنه عدَّ في كتابه الشافي من مطاعن عثمان، ومن عظيم ما أقدم عليه؛ جمع الناس على قراءة زيد وإحراقه المصاحف وإبطاله ما شك أنه من القرآن. أما الطبرسي فلم يجد له صاحب فصل الخطاب إلا استدلاله بقراءة أبي وغيره (فما استمعتم به منهن إلى أجل مسمى) (١) في تفسيره (٢)، وهذه قراءة واردة (٣)، لكن صاحب فصل الخطاب يريد أن يجعل الجميع على مذهبه، وقد اغتر صاحب «الشيعة والسنة» (٤) بذلك واحتج على أن إنكار الطبرسي من قبيل التقية بإيراده هذه القراءة، والواقع أن هذا لا يدين الرجل.
ومن خلال قراءتي لكتاب فصل الخطاب تبين لي أن بعض الشيعة لم يعد يهضم هذا المعتقد، حتى إن أحد علماء الشيعة كفر كل من يعتقد هذا الاعتقاد - كما نقل ذلك صاحب فصل الخطاب نفسه - وغضب من ذلك - أي صاحب فصل الخطاب - وقال: إنه ليس لذلك دواء إلا كثرة المراجعة ودوام التتبع (٥)، - أي لكتبهم - ولكن مع
_________________
(١) (فما استمتعتم به منهن فَأَتوهنّ أجورهن ([النساء: آية ٢٤] .
(٢) «فصل الخطاب»: الورقة ١٧.
(٣) رويت هذه القراءة عن أُبي بن كعب وابن عباس وسعيد بن جبير. انظر: «فتح القدير»: (١/٤٤٩) .
(٤) وهو إحسان إلهي ظهير: «الشيعة والسنة»: ص ١٣٠، ١٣١.
(٥) «فصل الخطاب»: الورقة ٤٨.
[ ١ / ٢٠٧ ]
ذلك يبقى أن هذا معتقد لكبار علمائهم الذين يعظمونهم ويثقون بمنقولاتهم، وأن مصادرهم المعتمدة حوت من هذا الباطل الشيء الكثير، وأنهم لا يقبلون السنّة لأنها جاءت عن طريق الصحابة، والقرآن العظيم وصلنا من طريق الصحابة أيضًا، وأنه لا يتصور أن يجتمع في عقل واحد صيانة القرآن وخيانة جامعيه - كما سيأتيه بيان موقفهم من الصحابة - لكن هذا الموقف من علماء الشيعة في رد ما ورد في كتبهم مما يمس كتاب الله - سبحانه - وإنكاره لا نقول إنه تقية، فلا سبيل إلى معرفة ذلك على وجه اليقين (١) .
وإن كان البعض من السنّة (٢)، والشيعة (٣) قد ذهب إلى ذلك. لكن أقول بأن من يتبرأ من هذا الكفر (بعد إيمانه بالله ورسوله) نقبل ذلك منه والله يتولى السرائر..
وهذا الإنكار - إن كان بصدق - خطوة يجب أن تتلوها خطوات، وذلك بأن يعيدوا النظر في سائر ما شذوا به عن جماعة
_________________
(١) ولو كان هذا الإنكار تقية - يقينًا - لم يهاجم صاحب فصل الخطاب من أنكر هذه الفرية من أصحابه، فيقول عن الصدوق - صاحب أحد صحاحهم الأربعة -: (هذا الخبر رواه الصدوق عن الكافي وفيه تغييرات عجيبة تورث سوء الظن بالصدوق) «فصل الخطاب»: الورقة ١٢٠. ويعتذر أحيانًا عن المنكرين من أصحابه لهذا الاعتقاد الذي يؤكد أنه متواتر من طرقهم - الكاذبة - بقوله: (إن أخبار التحريف متفرقة فلهذا لم يعرفها) «المصدر السابق»: الورقة ١٧٦، ويقول في الاعتذار عن إنكار الطوسي - صاحب كتابين من صحاحهم الأربعة -: «والطوسي في إنكاره معذور لقلة تتبعه الناشئ من قلة تلك الكتب عنده) [الورقة ١٧٥]، وهذا الاعتذار يؤيد القول بأن هذا الافتراء على كتاب الله يزيد الوضع له في كتب القوم يومًا بعد يوم.
(٢) مثل: إحسان إلهي ظهير. انظر: «الشيعة والسنة»: ص ١٢٤، وغيره.
(٣) مثل: نعمة الله الجزائري - كما مر -.
[ ١ / ٢٠٨ ]
المسلمين، وقد أشار شيخهم «المجلسي» - كما مر - إلى أنهم يجب أن يسلكوا هذا المسلك، إذ يترتب - في رأيه - على إنكار أخبار التحريف التي تواترت من طرقهم بالكذب والافتراء؛ يترتب على ذلك رفع الثقة والاعتماد عن سائر أخبارهم.. وهذا حق، فإن تواتر هذا الكذب في كتبهم من أكبر الأدلة على وضعها، وفشّو الكذب فيها.