وخالف في هذا الأصل العظيم والخطير "الرافضة" فيما ذهبوا إليه من القول (بإيداع الشريعة أو خزن العلم عند الأئمة) كما سيأتي شرح هذه النظرية عندهم، تلك التي غدت من أهم أسس مذهبهم وضروراته.
٣- ومن أصول أهل السنّة:
محبة أصحاب (١) رسول الله - ﷺ - والترضي عنهم واعتقاد عدالتهم وترك الخوض فيما شجر بينهم.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية:
(ومن أصول أهل السنة والجماعة: سلامة قلوبهم وألسنتهم لأصحاب رسول الله - ﷺ - كما وصفهم الله به في قوله تعالى: (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ) (٢) .
وطاعة النبي - ﷺ - في قوله: «لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أُحد ذهبًا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه» (٣) .
_________________
(١) قال ابن حجر في «الإصابة» في تعريف الصحابي: (أصح ما وقفت عليه من ذلك أن الصحابي: من لقي النبي - ﷺ - مؤمنًا به ومات على الإسلام.. - ثم قال - وهذا التعريف مبني على الأصل المختار عند المحققين كالبخاري وشيخه أحمد بن حنبل وغيرهما) «الإصابة»: (١/ص ٦-٧) .
(٢) الحشر: آية ١٠.
(٣) رواه البخاري في فضائل النبي - ﷺ - باب قول النبي - ﷺ -: «لو كنت متخذًا خليلًا» بدون لفظة: «والذي نفسي بيده»: (٤/١٩٥)، ومسلم في كتاب الفضائل، باب تحريم سب الصحابة (: (٧/١٨٨)، ورواه أبو داود في «السنة» باب النهي عن سب أصحاب النبي - ﷺ - رقم (٤٦٥٨)، والترمذي في «المناقب» باب فيمن سب أصحاب النبي - ﷺ - رقم (٣٨٦٠) .
[ ١ / ٩٤ ]
ويقبلون ما جاء في الكتاب والسنّة من فضائلهم ومراتبهم..
ويشهدون بالجنة لمن شهد له رسول الله - ﷺ - بالجنة كالعشرة وكثابت بن قيس بن شماس وغيرهم من الصحابة.
ويقرون بما تواتر به النقل عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - ﵁ - وعن غيره من أن خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر ويثلثون بعثمان ويربعون بعلي - ﵁ - (١) .
ويؤمنون بأن الخليفة بعد رسول الله - ﷺ - أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي) (٢) .
وقال الإمام أحمد: (ومن انتقص أحدًا من أصحاب رسول الله - ﷺ - أو أبغضه.. أو ذكر مساوئه كان مبتدعًا حتى يترحم عليهم جميعًا ويكون قلبه لهم سليمًا) (٣) .
_________________
(١) كان بعض أهل السنّة قد اختلفوا في عثمان وعلي - ﵄ - بعد اتفاقهم على تقديم أبي بكر وعمر - أيهما أفضل؟ فقدم قوم عثمان وسكتوا أو ربعوا بعلي وقدم قوم عليًا، وقوم توقفوا، لكن استقر أمر أهل السنّة على تقديم عثمان، وإن كانت المسألة - مسألة عثمان وعلي - ليست من الأصول التي يضلل المخالف فيها، لكن المسألة التي يضلل المخالف فيها هي (مسألة الخلافة)، ابن تيمية: «الفتاوى»: (٣/١٥٣)، «فتح الباري»: (٧/٣٤) .
(٢) «الفتاوى»: (٣/١٥٣) .
(٣) «كاشف الغمة في اعتقاد أهل السنّة» (مختصر السنة للإمام اللالكائي) باب سياق ما روي من المأثور عن السلف من جمل اعتقاد أهل السنّة والتمسك بها والوصية بحفظها قرنًا بعد قرن: ص ٢٢ (مخطوط) .
[ ١ / ٩٥ ]
وقال أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري: (لقيت أكثر من ألف رجل من أهل العلم من أهل الحجاز، ومكة، والمدينة، والبصرة، والكوفة، وواسط، وبغداد، والشام ومصر، لقيتهم كَرَّات.. وكلهم متوافرون في ست وأربعين سنة، فما رأيت أحدًا منهم يختلف في هذه الأشياء: "ومنها" ما رأيت فيهم أحدًا يتناول أصحاب محمد - ﷺ - وكانوا ينهون عن البدع ويحبون ما عليه النبي - ﷺ - وأصحابه ) (١) .
وقال أبو محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم (٢): سألت أبي وأبا زرعة عن مذهب أهل السنّة في أصول الدين وما أدركا عليه العلماء في جميع الأمصار حجازًا وعراقًا وشامًا ويمنًا فكان مذهبهم.. (وذكره في مسائل منها): (وخير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي، وهم الخلفاء الراشدون المهديون ثم العشرة (هكذا والمراد بقية العشرة) الذين شهد لهم رسول الله - ﷺ - بالجنة، والترحم على جميع أصحاب محمد والكف عما شجر بينهم..) (٣) .
وقال أبو عبد الله محمد بن أبي زمنين (٤): (ومن قول أهل السنّة أن يعتقد المرء المحبة لأصحاب رسول الله - ﷺ -
_________________
(١) المصدر السابق: ص ٢٢ - ٢٣.
(٢) عبد الرحمن بن أبي حاتم محمد بن إدريس الرازي، الحافظ الثبت ابن الحافظ الثبت.. له الكتب النافعة ككتاب «الجرح والتعديل» و«التفسير الكبير» و«كتاب العلل»، توفي سنة ٣٢٧هـ، «لسان الميزان»: (٣/٣٣٢ - ٣٣٣) .
(٣) «كاشف الغمة»: ص ٢٣.
(٤) محمد بن عبد الله بن أبي زمنين أبو عبد الله الاليبري، فقيه مقدم.. له مصنفات متداولة مثل «كتاب الشروط على مذهب مالك» وغيره. توفي سنة ٣٩٩هـ وكانت ولادته سنة ٣٢٤هـ. «بغية الملتمس»: ص ٨٦، «معجم المؤلفين»: (١٠/٢٢٩) .
[ ١ / ٩٦ ]
وأن ينشر محاسنهم وفضائلهم ويمسك عن الخوض فيما دار بينهم) (١) .
ونصوص أئمة السنّة في هذا الباب كثيرة (٢) .
وقد ذهب أهل السنّة لهذا المذهب استجابة لأمر الله ورسوله، فقد شهدت نصوص الكتاب على عدالتهم والرضاء عن جملتهم وتواترت السنّة على الثناء على مجموعهم، كما شهدت لكثير من آحادهم - على وجه التخصيص - بالعدالة والفضل.
قال تعالى: (والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعدَّ لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبدًا ذلك الفوز العظيم «٣) .
وقال سبحانه: (لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ «٤) .
وقال ﷿: (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ
_________________
(١) «المصدر السابق»: ص ٣١ (مخطوط) .
(٢) انظر أيضًا في بيان معتقد أهل السنة في الصحابة: «شرح الطحاوية»: ص ٥٢٨، «عقيدة السلف» لأبي عثمان إسماعيل الصابوني: ص ٢٨٣، ضمن مجموع، «المعتقد» لأبي يعلى: ص ٢٦٠، ٢٦١، «لمعة الاعتقاد» لابن قدامة: ص ٢٩، «المواقف للايجي»: ص ٤١٣، «غاية المرام» للآمدي: ص ٣٩٠ إلخ.
(٣) التوبة: آية ١٠٠.
(٤) التوبة: آية ١١٧.
[ ١ / ٩٧ ]
لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا) (١) .
وقال جل شأنه: (لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا) (٢) .
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (والذين بايعوا تحت الشجرة بالحديبية عند جبل التنعيم (٣) كانوا أكثر من ألف وأربعمائة، بايعوه لما صده المشركون عن العمرة.. وقد أخبر سبحانه أنه رضي عنهم وأنه علم ما في قلوبهم، وأنه أثابهم فتحًا قريبًا) (٤) .
وقال تعالى: ( لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى) (٥) وقد حكم الله سبحانه لمن وعد بالحسنى بقوله: (إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ، لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ، لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ «٦) إلى غير ذلك من الآيات.
_________________
(١) الفتح: آية ٢٩.
(٢) الفتح: آية ١٨.
(٣) "التنعيم": (على ثلاثة أميال أو أربعة من مكة المشرفة)، سمي به لأن على يمينه جبل نعيم كزبير وعلى يساره جبل ناعم والوادي اسمه نعمان بالفتح. «تاج العروس» مادة: "نعم"، وانظر: «معجم البلدان» لفظ «التنعيم» .
(٤) «منهاج السنة»: (٢/١٥ - ١٦) تحقيق د. رشاد سالم.
(٥) الحديد: آية ١٠.
(٦) الأنبياء: الآيات ١٠١، ١٠٢، ١٠٣.
[ ١ / ٩٨ ]
قال ابن حزم: (فجاء النص أن من صحب النبي - ﷺ - فقد وعده الله تعالى الحسنى) وقد قال الله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ)، وصح بالنص كل من سبقت له من الله تعالى الحسنى فإنه مبعد عن النار لا يسمع حسيسها وهو فيما اشتهى خالد لا يحزنه الفزع الأكبر.. وليس المنافقون ولا سائر الكفار من أصحابه «١) .
وأما الأحاديث من طريق السنّة فهي كثيرة (٢) ومن ذلك:
عن عمران بن حصين - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: «خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم» قال عمران: فلا أدري أذكر بعد قرنه قرنين أو ثلاثة (٣) .
وقال (: «النجوم أمنة (٤) السماء فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعد، وأنا أمنة لأصحابي فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون، وأصحابي أمنة لأمتي فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون» (٥) .
وقد مضى قوله (: «لا تسبوا أصحابي فلو
_________________
(١) «المحلى»: (١/٤٢) .
(٢) للتوسع في الموضوع راجع «جامع الأصول» جـ ٨ الباب الرابع في فضائل الصحابة ومناقبهم، وفيه خمسة فصول: ص ٥٤٧ وما بعدها.
(٣) رواه البخاري: (٣/١٥١) في كتاب الشهادات باب لا يشهد على شهادة جور إذا شهد، ومسلم: (٧/١٨٤)، في فضائل الصحابة، باب فضل الصحابة ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم.
(٤) الأمنة جمع أمين وهو الحافظ. انظر: «جامع الأصول»: (٨/٥٥٥) .
(٥) رواه مسلم في فضائل الصحابة باب بيان أن بقاء النبي - ﷺ - أمان لأصحابه وبقاء أصحابه أمان للأمة: (٧/١٨٣) .
[ ١ / ٩٩ ]
أن أحدكم أنفق مثل أُحد ذهبًا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه» .
وعن أبي هريرة (أن رسول الله - ﷺ - كان على حراء، هو وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير فتحركت الصخرة فقال النبي - ﷺ -: «اهدأ، فما عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد» (١) وقال (: «لا يدخل النار - إن شاء الله - من أصحاب الشجرة أحد الذين بايعوا تحتها..» (٢) .
والأحاديث في هذا الباب كثيرة في عموم الصحابة وفي كثير من آحادهم ولا مجال للاسترسال في هذا، وشاهدنا هنا أن كتب السنّة مليئة بالثناء على الصحب وبيان فضلهم عن سيد الخلق (. وأئمة السنّة ترسموا سنّة رسول الله - ﷺ - في هذا وانعقد إجماعهم على محبتهم والترضي عنهم واعتقاد عدالتهم (٣) .
ونقول - مع الخطيب البغدادي (٤) ﵀ - على أنه لو لم يرد من الله ﷿ فيهم شيء مما ذكرناه، لأوجبت الحال التي كانوا
_________________
(١) رواه مسلم في فضائل الصحابة باب من فضائل طلحة والزبير: (٧/١٢٨) .
(٢) رواه مسلم في فضائل الصحابة باب من فضائل أصحاب الشجرة أهل بيعة الرضوان (: (٧/١٦٩) .
(٣) وقد نقل أئمة السنة الإجماع - ممن يعتد به - على عدالة الصحابة كابن عبد البر «الاستيعاب»: (١/١٩) وابن الصلاح. انظر مقدمة ابن الصلاح: ص ١٤٧، والنووي انظر: «تدريب الراوي شرح تقريب النواوي»: ص ٢١٤. وليس المراد بعدالتهم ثبوت العصمة لهم واستحالة المعصية منهم، وإنما المراد قبول رواياتهم من غير تكلف في بحث أسباب العدالة وطلب التزكية.. «فتح المغيث»: (٣/١٠٦) .
(٤) أحمد بن علي بن ثابت بن أحمد.. المعروف بالخطيب البغدادي (أبو بكر) توفي =
[ ١ / ١٠٠ ]
عليها من الهجرة والجهاد والنصرة وبذل المهج والأموال وقتل الآباء والأولاد والمناصحة في الدين وقوة الإيمان واليقين القطع على عدالتهم والاعتقاد بنزاهتهم (١)، لكن كما يرى الإمام أبو زرعة (٢) أن للذين ينتقصون أصحاب رسول الله - ﷺ - غاية معينة فيقول: (إذا رأيت الرجل ينتقص أحدًا من أصحاب رسول الله - ﷺ - فاعلم أنه زنديق، وذلك أن الرسول ﵌ عندنا حق والقرآن حق وإنما أدى إلينا هذا القرآن والسنن أصحاب رسول الله، وإنما يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسنّة، والجرح بهم أولى وهم زنادقة) (٣) .