هي عندهم: (رجعة كثير من الأموات إلى الدنيا قبل يوم
_________________
(١) «البحار»: (٢/٢٣٣) عن عيون أخبار الرضا، وعلل الشرائع.
(٢) «البحار»: (٢/٢٣٣) .
(٣) الرجعة: في اللغة: بفتح الراء اسم الفعل رجع، تقول رجع رجعة، وتعني الرجوع مرة. انظر: الرازي: «الزينة»: ص ٣١٢، «مجمع البحرين» مادة رجع: (٤/٣٣٤)، «القاموس المحيط» مادة رجع: (٣/٢٨) .
[ ١ / ٣٣٩ ]
القيامة) (١) وعودتهم إلى (الحياة بعد الموت) (٢)، قبل ذلك اليوم الموعود يرجعون (في صورهم التي كانوا عليها) (٣) .
والراجعون إلى الدنيا - كما يعتقدون -: (فريقان: أحدهما: من علت درجته في الإيمان.. والآخر من بلغ الغاية في الفساد) (٤) .
وزمن الرجوع هو: (عند قيام مهدي آل محمد ﵈) (٥) .
والغرض من الرجعة عندهم هو انتقام المهدي ومن معه من أعدائهم (٦)، وعلى رأس الأعداء حسب معتقدهم خليفتا رسول الله وصاحباه وحبيباه وصهراه ومن أقاما دولة الإسلام بعده: أبو بكر وعمر ﵄ (٧) .
وقد جاء في كتبهم روايات وحكايات كثيرة عن المجازر الدموية التي تجري في هذه الرجعة (٨) .
_________________
(١) المفيد: «أوائل المقالات»: ص ٥١.
(٢) الحر العاملي: «الإيقاظ من الهجعة بالبرهان على الرجعة»: ص ٢٩.
(٣) المفيد: «أوائل المقالات»: ص ٩٥.
(٤) المصدر السابق: ص ٩٥.
(٥) المصدر السابق: ص ٩٥، وانظر: الحر العاملي: «الإيقاظ من الهجعة»: ص ٥٨.
(٦) انظر: الحر العاملي: «الإيقاظ من الهجعة»: ص ٥٨.
(٧) جاء في «مختصر التحفة»: ص ٢٠١، قال الشريف المرتضي في «المسائل الناصرية» (أن أبا بكر وعمر يصلبان على شجرة زمن المهدي..)، وسيأتي إقرار أحد شيوخهم المعاصرين بذلك في مبحث: آراء دعاة التقريب في الرجعة.
(٨) فمثلًا في «الإرشاد» للمفيد عن أبي عبد الله "ع" قال: (إذا قام القائم من آل محمد صلوات الله عليهم أقام خمسمائة من قريش فضرب أعناقهم، ثم أقام خمسمائة فضرب أعناقهم، ثم خمسمائة أخرى حتى يفعل ذلك ست مرات، قلت - أي =
[ ١ / ٣٤٠ ]
وعقيدة الرجعة من أصول المذهب الشيعي، فمن رواياتهم: (ليس منا من لم يؤمن بكرتنا) (١) وأجمعوا على الاعتقاد بها.
يقول المفيد: (واتفقت الإمامية على وجوب رجعة كثير من الأموات) (٢) .
ويقول الحر العاملي: أنها موضع (إجماع جميع الشيعة الإمامية) (٣) وأنها (من ضروريات مذهب الإمامية) (٤)، ويقول: (إنا مأمورون بالإقرار بالرجعة واعتقادها وتجديد الاعتراف بها في الأدعية والزيارات ويوم الجمعة وكل وقت، كما أننا مأمورون بالإقرار في كثير من الأوقات بالتوحيد والنبوة والإمامة والقيامة) (٥)، واعترافات علمائهم بأن عقيدة الرجعة محل الإجماع والتواتر في مذهبهم كثيرة (٦) وخصها بعضهم بمؤلفات (٧)، وأحصى بعضهم رواياتهم فيها بأنها أكثر من مائتي حديث في أكثر من خمسين كتابًا من كتبهم المعتبرة عندهم (٨) .
_________________
(١) = الراوي -: ويبلغ عدد هؤلاء هذا؟ قال: نعم، منهم ومن مواليهم) «الإرشاد»: ص ٤١١، ومثل ذلك ورد في كتاب «الغيبة» للنعماني: ص ١٢٣.
(٢) ابن بابويه القمي: «من لا يحضره الفقيه»: (٢/١٢٨)، الحر العاملي: «الوسائل»: (٧/٤٣٨)، «تفسير الصافي»: (١/٣٤٧) .
(٣) المفيد: «أوائل المقالات»: ص ٥١.
(٤) الحر العاملي: «الإيقاظ من الهجعة»: ص ٣٣.
(٥) المصدر السابق: ص ٦٠.
(٦) المصدر السابق: ص ٦٤.
(٧) انظر: عبد الله شبر «حق اليقين»: (٢/٢)، وإبراهيم الموسوي الزنجاني: «عقائد الاثني عشرية»: ص ٢٣٩ وما بعدها، «الشيعة والرجعة» محمد رضا النجفي: ص ١٤ وما بعدها.
(٨) ذكر صاحب «الذريعة إلى تصانيف الشيعة» منها ٢٩ كتابًا، «الذريعة» حرف "الراء".
(٩) عبد الله شبر: «حق اليقين»: (٢/٢) .
[ ١ / ٣٤١ ]
(وهذه العقيدة مخالفة صريحة للكتاب، فإن - الرجعة - قد أُبطلت في آيات كثيرة منها قوله تعالى: (قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (*) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ) (١)، وقوله سبحانه: (ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون (صريح في نفي الرجعة مطلقًا) (٢) .
إذن كيف ومتى دخلت هذه العقيدة إلى الشيعة؟
يرى بعض الباحثين أنها تسربت عن طريق المؤثرات اليهودية والمسيحية (٣)، ودخلت التشيع عن طريق عبد الله بن سبأ اليهودي.
وقد يكون الهدف منها إضعاف الإيمان باليوم الآخر (٤) .
وقد قال ابن سبأ برجعة محمد - ﷺ - (٥)، ثم تحول إلى القول برجعة علي وقال - لما بلغه نعي علي - للذي نعاه: (كذبت لو جئتنا بدماغه في سبعين صرة وأقمت على قتله سبعين عدلًا لعلمنا أنه لم يمت ولم يقتل، ولا يموت حتى يملك الأرض) (٦) .
_________________
(١) المؤمنون: آية ١٠٠.
(٢) انظر: «مختصر التحفة»: ص ٢٠١.
(٣) جولد سيهر: «العقيدة والشريعة»: ص ٢١٥. ويقول أحمد أمين: (وفكرة الرجعة هذه أخذها ابن سبأ من اليهودية، فعندهم أن النبي إلياس صعد إلى السماء وسيعود فيعيد الدين والقانون، ووجدت الفكرة في النصرانية أيضًا، وتطورت هذه الفكرة عند الشيعة إلى العقيدة باختفاء الأئمة..) «فجر الإسلام»: ص ٢٧٠. وانظر: محمد عمارة: «الخلافة»: ص ١٥٩.
(٤) انظر: السكسنكي: «البرهان»، حيث ذكر أن ابن سبأ قال بالرجعة وإبطال الآخرة، «البرهان»: ص ٥٠.
(٥) انظر الطبري: (٤/٣٤٠) (حوادث سنة ٣٥هـ) .
(٦) سعد القمي: «المقالات والفرق»: ص ٢١، النوبختي: «فرق الشيعة»: ص ٢٠.
[ ١ / ٣٤٢ ]
فابن سبأ جعل الرجعة خاصة بعلي، ومن يراجع كتب الفرق يجد أن كثيرًا من فرق الشيعة تزعم أن إمامها سيرجع (١)، وهناك فرقة من فرق الشيعة اشتهرت بالدعوة لهذا الاعتقاد حتى سميت "بالرجعية" (٢)، ثم تطور مفهوم الرجعة عند الشيعة إلى المعنى العام الذي ذكرناه عنهم في صدر الكلام عن الرجعة.
ويذكر الألوسي (٣) أن تحول مفهوم الرجعة عند الشيعة من رجعة المهدي فقط إلى ذلك المعنى العام الذي بيناه كان في القرن الثالث (٤) .
ويذكر أبو الحسين الخياط (٥) أن هذه العقيدة كانت سرية عندهم (قد تواصوا بكتمانها وألا يذكروها في مجالسهم ولا في كتبهم إلا فيما قد أسروه من الكتب ولم يظهروه) .
_________________
(١) فمثلًا: فرقة من "الكيسانية" ينتظرون محمد بن الحنفية ويزعمون أنه حي محبوس بجبل رضوي إلى أن يؤذن له بالخروج. «البغدادي»: «الفرق بين الفرق»: ص ٤٣. والمحمدية: ينتظرون محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب ولا يصدقون بقتله ولا بموته. «المصدر السابق»: ص ٥٦. وهكذا. وانظر: «المقالات والفرق» للقمي: ص ٢٧، ٣٥- ٣٦، ٣٧، ٤٣ إلخ. ويلاحظ أن هذه الفرق القائلة بالرجعة لا تؤمن بحصول الموت لهم أصلًا، أي أنهم يتفقون مع الرافضة في قولهم برجعة مهدّيهم لأنهم يزعمون أنه لم يمت، ولا يتفقون معهم في قولهم بالرجعة بعد الموت.
(٢) وقد ذكرها كفرقة ابن الجوزي في «تلبيس إبليس»: ص ٢٢.
(٣) أبو الثناء محمود بن عبد الله الحسيني الألوسي، مفسر محدث فقيه، من آثاره: «روح المعاني في تفسير القرآن» في تسع مجلدات. ولد في بغداد عام ١٢١٧هـ وتوفي بها عام ١٢٧٠هـ. «معجم المؤلفين»: (١٢/١٧٥) .
(٤) «روح المعاني»: (٢٠/٢٧)، أحمد أمين: «ضحى الإسلام»: (٣/٢٣٧) .
(٥) عبد الرحيم بن محمد بن عثمان أبو الحسين بن الخياط، من شيوخ المعتزلة ببغداد، من كتبه: «الانتصار» . كان حيًا قبل ٣٠٠هـ «معجم المؤلفين»: (٥/٢١٣) .
[ ١ / ٣٤٣ ]
ويرى ابن حجر أن الإيمان بالرجعة هو نهاية الغلو في الرفض فيقول: (التشيع محبة علي وتقديمه على الصحابة، فمن قدمه على أبي بكر وعمر فهو غال في تشيعه ويطلق عليه رافضي وإلا فشيعي، فإن انضاف إلى ذلك السب أو التصريح بالبغض فغال في الرفض، وإن اعتقد الرجعة إلى الدنيا فأشد في الغلو) (١) .