في القاموس "بدأ" بَدْوًا وبُدُوًّا وبَداءَة: ظهر وبدا له في الأمر بَدْوًا وبَدَاء وبداة: نشأ له فيه رأي (٢) .. فالبدا في اللغة - كما جاء في القاموس - له معنيان:
الأول: الظهور والانكشاف.
الثاني: نشأة الرأي الجديد.
وكلا المعنيين وَرَدَ في القرآن، فمن الأول قوله تعالى: (وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله «٣) ومن الثاني قوله: (ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجننه حتى حين «٤) .
والبداء بهذين المعنيين لا تجوز نسبته إلى الله (.
والبداء في الأصل عقيدة يهودية ضالة، وقد وردت في التوراة التي حرفها اليهود وفق ما شاءت أهواؤهم نصوص صريحة تتضمن نسبة معنى البداء إلى الله سبحانه (٥) .
_________________
(١) «هدي الساري مقدمة فتح الباري»: ص ٤٥٩.
(٢) «القاموس المحيط» مادة بدو: (٤/٣٠٢) .
(٣) البقرة: آية ٢٨٤.
(٤) يوسف: آية ٣٥.
(٥) على الرغم من أن المشهور عن اليهود أنهم ينكرون النسخ لأنه يستلزم البداء. انظر:
[ ١ / ٣٤٤ ]
وانتقل الاعتقاد في البداء - أولًا - إلى فرق السبئية المدعية للتشيع، ففرق السبئية (كلهم يقولون بالبداء؛ إن الله تبدو له البداوات) (١)، ثم أخذ بفكرة البداء "المختار بن أبي عبيد الثقفي" (٢) (لأنه كان يدعي علم الغيب، فكان إذا حدث خلاف ما أخبر به قال: قد بدا لربكم) (٣) .
وقال سليمان بن جرير - كما مر - (أن أئمة الرافضة وضعوا لشيعتهم مقالتين لا يظهرون معهما من أئمتهم على كذب أبدًا، وهما: القول بالبداء وإجازة التقية) (٤) .
ويشرح كيف يستخدمون عقيدة البداء ستارًا على ادعائهم الكاذب في الغيب فيقول: (فأما البدا: فإن أئمتهم لما أحلوا أنفسهم من شيعتهم محل الأنبياء من رعيتها في العلم فيما كان ويكون والإخبار بما يكون في غد وقالوا لشيعتهم: إنه سيكون في غد.. كذا وكذا، فإن
_________________
(١) = «مسائل الإمامة»: ص ٧٥ و«مناهل العرفان»: (٢/٧٨) . ومع ذلك فقد جاء في التوراة: (ورأى الرب أن شر الناس قد كثر على الأرض، وأن كل تصور أفكار قلوبهم إنما هو شر في جميع الأيام. فندم الرب أنه عمل الإنسان على الأرض وتأسف في قلبه، فقال الرب: أمحو الإنسان الذي خلقت عن وجه الأرض، الإنسان مع البهائم والدبابات وطير السماء لأني ندمت على خلقي لهم) . «الكتاب المقدس»، الفصل السادس من تكوين التوراة: ص ١٢.
(٢) الملطي: «التنبيه والرد»: ص ١٩.
(٣) المختار من أبي عبيد بن مسعود بن عمرو الثقفي، تنسب له طائفة الكيسانية من الشيعة، وهو الذي قام للأخذ بثأر الحسين، وادعى إمامة محمد بن الحنفية، وشاعت في الناس أخبار عنه بأنه ادعى النبوة ونزول الوحي عليه وأنه كان لا يوقف له على مذهب.. قتل عام ٦٧هـ. «البداية والنهاية»: (٨/٢٨٩) وما بعدها، «الفرق بين الفرق»: ص ٣٨، «الأعلام» للزركلي: (٨/٧٠) .
(٤) انظر بعض أخباره في هذا في «الملل والنحل»: (١/١٤٩) .
(٥) انظر سعد القمي: «المقالات والفرق»: ص ٧٨، النوبختي: «فرق الشيعة»: ص ٥٥ - ٥٦.
[ ١ / ٣٤٥ ]
جاء ذلك الشيء على ما قالوه قالوا لهم: ألم نعلمكم أن هذا يكون؟ فنحن نعلم من قبل الله (ما علمه الأنبياء وبيننا وبين الله (مثل تلك الأسباب التي علمت بها الأنبياء عن الله ما علمت، وإن لم يكن ذلك الشيء الذي قالوا أنه يكون على ما قالوا؛ قالوا لشيعتهم: بداء لله في ذلك يكونه) (١) .
إذن البداء فرية يهودية، حاولت السبئية أن تدخلها في عقائد المسلمين وأخذ بها المختار لتأييد دعواه الكاذبة في علم الغيب، وهي لا تجوز نسبتها إلى الله. ولكن الشيعة الإمامية تلقفتها وجعلتها من أصول عقائدها وقالت: (ما عبد الله بشيء مثل البداء) (٢)، (وما بعث الله نبيًا قط إلا بتحريم الخمر وأن يقر لله بالبداء) (٣)، (ولو علم الناس ما في القول بالبداء من الأجر ما فتروا عن الكلام فيه) (٤) .
وفي صحيحهم «الكافي» باب في هذا بعنوان (باب البداء) جاء ضمن كتاب التوحيد! وفي هذا الباب ١٦ حديثًا في البداء (٥) .
وفي «البحار» للمجلسي ذكر أحاديث البداء في باب بعنوان: (البداء والنسخ) وذكر فيه ٧٠ حديثًا (٦) .
_________________
(١) انظر سعد القمي: «المقالات والفرق»: ص ٧٨، النوبختي: «فرق الشيعة»: ص ٥٥ - ٥٦.
(٢) «الكافي»، كتاب التوحيد، باب البداء: (١/١٤٦) .
(٣) المصدر السابق: (١/١٤٨) .
(٤) المصدر السابق: (١/١٤٨) .
(٥) المصدر السابق: (١/١٤٦- ١٤٩) .
(٦) «البحار»: (٤/٩٢- ١٢٩) .
[ ١ / ٣٤٦ ]
فهل الشيعة الإمامية في عقيدتهم في البداء ينسبون الجهل والنسيان إلى الله؟ تعالى الله عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا.
قال بهذا بعض مفكري المسلمين (١)، لأن البداء بهذا المعنى من الكفر البواح.
وإن القارئ لأحاديثهم في البداء يجد في بعضها ذلك المعنى الضال في البداء (٢) .
وهناك روايات أُخرى تقول أنه (ما بدا لله في شيء إلا كان في علمه قبل أن يبدو له) (٣) .
وقال كثير من علماء الشيعة أنهم لم يريدوا "بالبداء" ما لا يجوز نسبته إلى الله سبحانه، يقول محمد حسين آل كاشف الغطاء: (البداء، وإن في جوهر معناه يتمثل في ظهور الشيء بعد خفائه، ولكن ليس المراد به هنا ظهور الشيء لله جل شأنه، وأي ذي حريجة
_________________
(١) موسى جار الله: «الوشيعة»: ص ١١٢- ١١٨، و«مختصر التحفة الاثني عشرية»: ص ٣١٥، إحسان إلهي ظهير: «الشيعة والسنة»: ص ٦٣.
(٢) مثل ما في «الكافي» عن أبي هاشم الجعفري قال: (كنت عند أبي الحسن ﵇ بعد ما مضى ابنه أبو جعفر، وإني لأفكر في نفسي أريد أن أقول كأنهما - أعني أبا بكر وأبا محمد - في هذا الوقت كأبي الحسن موسى وإسماعيل ابني جعفر ﵇ وإن قصتهما كقصتهما، إذ كان أبو محمد المرجي بعد أبي جعفر "ع" فأقبل علي أبو الحسن قبل أن أنطق فقال: نعم يا أبا هاشم بدا لله في أبي محمد بعد أبي جعفر "ع" ما لم يكن يعرف له كما بدا له في موسى بعد مضي إسماعيل ما كشف به عن حاله، وهو كما حدثتك نفسك وإن كره المبطلون، وأبو محمد ابني الخلف من بعدي، عنده عِلْمُ ما يحتاج إليه ومعه آله الإمامة) «الكافي»، كتاب الحجة: (١/٣٢٧) .
(٣) «الكافي»، كتاب التوحيد، باب البداء: (١/١٤٨) .
[ ١ / ٣٤٧ ]
ومسكة يقول بهذه المضلة؟ بل المراد ظهور الشيء من الله لمن يشاء من خلقه بعد إخفائه عنهم وقولنا: "بدا لله" أي بدا حكم الله أو شأن الله) (١) .
وهذا التفسير مقبول، ولكن إذا كان الأمر كذلك فلم تلك المغالاة في البداء؟، ولم صار من أصول العقائد، وأصبح مما تشذ به الشيعة عن جمهور المسلمين؟، وما الهدف من جعله بتلك المثابة وهو في الأصل من معتقدات اليهود، ومن دعاوى ابن سبأ، والمختار بن أبي عبيد، وهو في معناه اللغوي الظاهر مما لا يجوز نسبته إلى الله سبحانه؟ فلم لا ترفض عقيدة البداء أصلًا بدلًا من أن يبحث لها عن مسوغ ومخرج؟
إن الجواب عن سبب تعلق الشيعة بعقيدة البداء وعنايتهم بها هو نفس السبب الذي جعل المختار يأخذ بهذه العقيدة؛ وهو غلوهم في أئمتهم وزعمهم أنهم يعلمون الغيب، حتى عقد صاحب «الكافي» بابًا يقول فيه: إنّ الأئمة يعلمون ما كان وما يكون وأنهم لا يخفى عليهم الشيء - كما مر - فكان القول بالبداء هو المخرج إذا حدّث الأئمة بشيء وكذبهم الواقع. كما كان هو المخرج للمختار إذا أخبر بشيء وجاء على خلاف ما قال.
وعلماء كان موقفهم إزاء هذه العقيدة الغريبة البحث لها عن مسوغ يدافعون به عنها لا نقضها ووأدها (٢) .
_________________
(١) «الدين والإسلام»: ص ١٧٣.
(٢) في دفاعهم عن عقيدة البداء انظر: ابن بابويه القمي: «التوحيد»: ص ٣٣٥، المفيد: «أوائل المقالات»: ص ٩٧، هاشم الحسيني: «الشيعة بين الأشاعرة والمعتزلة»: ص ٢٣٣، الخنيزي: «الدعوة الإسلامية»: (١/٣٥)، أمير الكاظمي القزويني: «الشيعة في عقائدهم وأحكامهم»: ص ٣٥٨، الخوئي: «البيان»: ص ٣٨٨، محمد حسين آل كاشف الغطا، «أصل الشيعة»: ص ١٩٠ وغيرها.
[ ١ / ٣٤٨ ]
ولو كان لفظ "البداء" ورد في نص من نصوصهم لكان دفاعهم عنه سائغًا (١)، أما وأنه جعل عقيدة، وغلا فيه القوم غلوًا شديدًا فهو ما لا يقبل فيه الدفاع، وسيحمل على أنه تقية، وهو الذي يستدعي ذلك التساؤل عن سبب هذا الاهتمام وهو ما أسلفنا الجواب عنه.