يعتقد أهل السنّة أن لا معصوم إلا رسول الله - ﷺ - وسائر أنبياء الله ورسله السابقين (٢) ولا عصمة بعد الرسول - ﷺ - لأحد (٣) ولا مشرع بعده.
فلا يكون في الدين واجبًا إلا ما أوجبه، ولا حرامًا إلا ما حرمه، ولا مستحبًا إلا ما استحبه، ولا مكروهًا إلا ما كرهه، ولا مباحًا إلا ما أباحه (٤) .
فالوحي قد انقطع منذ مات رسول الله - ﷺ - والحجة قد قامت على الأمة برسول الله ﵊، واتباع النبي - ﷺ - يغني عن اتباع ما سواه، يقول سبحانه: (إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ - إلى
_________________
(١) «منهاج السنّة»: (٣/١٧) .
(٢) قال ابن تيمية: (فإنهم - يعني أهل السنّة - متفقون على أن الأنبياء معصومون فيما يبلغونه عن الله تعالى، وهذا هو مقصود الرسالة فإن الرسول هو الذي يبلغ عن الله أمره ونهيه وغيره.. ومتفقون على أنهم لا يقرون على خطأ في الدين أصلًا.. وعامة الجمهور الذين يجوزون عليهم الصغائر يقولون: إنهم معصومون من الإقرار عليها.. وأما النسيان والسهو في الصلاة فذلك واقع منهم، وفي وقوعه حكمة استنان المسلمين) «منهاج السنة»: (١/١٧٤) الطبعة الأميرية. وانظر في الموضوع: «الشفاء» للقاضي عياض: ص ٩- ١٠ وما بعدها. وانظر: «عصمة الأنبياء» للرازي.
(٣) «المنتقى»: ص ٤١٥.
(٤) «التوسل والوسيلة»: ص ١٢٥.
[ ١ / ١٠٩ ]
قوله - لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ) (١) ولم يقل سبحانه "والأئمة".
وهذا يبطل قول من أحوج الخلق إلى غير الرسل كالأئمة (٢)، فلا عصمة ولا طاعة مطلقة ولا تشريع.. لغيره - ﷺ -، وكلٌّ يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله - ﷺ - (٣) .
ولكن يرى أهل السنّة أن الأمة لا يمكن أن تجتمع على ضلالة وأنها معصومة بكتاب ربها وسنّة نبيها عن أن تضل جميعًا، وهذا يخالف تمامًا من يوجب عصمة واحد من المسلمين - إذا لم يكن فيهم معصوم - الخطأ (٤)، فالأمة محفوظة من الضلال العام الشامل كما جاءت بذلك النصوص الشرعية.
يقول - ﷺ -: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين حتى يأتيهم أمر الله وهم ظاهرون» (٥) وفي لفظ: «ولن يزال أمر هذه الأمة مستقيمًا حتى تقوم الساعة أو حتى يأتي أمر الله» (٦) .
_________________
(١) النساء: الآيات ١٦٣، ١٦٤، ١٦٥.
(٢) انظر «الفتاوى» ابن تيمية: (١٩/٦٦) .
(٣) وهذا القول مأثور عن الإمام مالك ﵀، انظر «الوصية الكبرى» لابن تيمية: ص ٢٨٠ ضمن المجموعة.
(٤) «المنتقى»: ص ٤١٠.
(٥) رواه البخاري في كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب قول النبي - ﷺ -: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرني على الحق» (٨/ ١٤٩)، والحديث بهذا المعنى أخرجه مسلم في الجهاد وابن ماجه في السنة والترمذي في الفتن وأبو داود في الفتن.
(٦) جزء من حديث رواه البخاري في الموضع السابق.
[ ١ / ١١٠ ]
وفي رواية: «لا تزال طائفة من أمتي قائمة بأمر الله لا يضرهم من خذلهم أو خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون» (١) .
والله ﷾ قرن "سبيل المؤمنين" بطاعة رسوله في قوله ﷿: (وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا) (٢) .
وجاءت نصوص تأمر بالجماعة وتحذر من مفارقتها كقوله (: «تلزم جماعة المسلمين وإمامهم» (٣) وروي عنه - ﷺ - عدة روايات في أن هذه الأمة «لا تجتمع على ضلالة» (٤) .
هذا وهناك مسائل أخرى في (اعتقاد أهل السنة الذي شذت عنه الشيعة)، نكتفي بالإشارة إليها دون التفصيل لئلا يطول بنا البحث. وهي كالتالي:
_________________
(١) هذا لفظ مسلم - كتاب الجهاد، باب قول النبي - ﷺ -، «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم»: (٦/٥٣) .
(٢) النساء: آية ١١٥.
(٣) مضى تخريجه ص ٢٢.
(٤) قال السخاوي: (حديث مشهور المتن ذو أسانيد كثيرة وشواهد متعددة في المرفوع وغيره) «المقاصد الحسنة»: ص ٤٦٠. فروى عنه (أنه قال: «إن الله أجاركم من ثلاث خلال - ومنها - وأن لا تجتمعوا على ضلالة» رواه أبو داود في «سننه»: (٤/ ٤٥٢) رقم ٤٢٥٣)، قال الحافظ في «التلخيص»: (في إسناده انقطاع) وقال في موضع آخر: (سنده حسن)، «عون المعبود»: (١١/٣٢٦) . وروى الإمام أحمد عن أبي بصرة الغفاري (أن رسول الله - ﷺ - قال: «سألت الله ﷿ أن لا يجمع أمتي على ضلالة فأعطانيها» =
[ ١ / ١١١ ]