فإن القاهرة بقي ولاة أمورها نحو مائتي سنةٍ، على غير شريعة الإسلام، وكانوا يظهرون أنهم رافضة (٣)، وهم في الباطن إسماعيلية (٤)،
_________________
(١) هذا الحديث أخرجه أبو داود - كما قال الشيخ تقي الدين - من وجهين. الأول: رقمه (٣٠٣٢) قال حدثنا سليمان بن داود. العتكي ثنا جرير عن قابوس بن أبي ظبيان عن أبيه عن ابن عباس ﵄ مرفوعًا (لا تصلح قبلتان بأرض) إلى جملة الحديث الأولى. والثاني: رقمه (٣٠٥٣) حدثنا عبد الله بن الجراح عن جرير عن قابوس به (لا جزية على مسلم) أي جملته الثانية والشيخ كما ترى جود إسناده. والحديث أخرجه أحمد في المسند ١/ ٢٢٣ وه ٢٨ من وجهين: الأول حدثنا أسود بن عامر ثنا جعفر الأحمر عن قابوس به والثاني حدثنا جرير عن قابوس به. وأخرجه الترمذي رقم ٦٣٣ قال: ثنا يحيى بن أكثم عن جرير عن قابوس بلفظ مقارب. وأخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه ٣/١٩٧ ثنا جرير بن عبد الحميد عن قابوس به. وأخرجه أبو عبيدة في الأموال رقم ١٢١ قال حدثنا مصعب بن المقدام عن سفيان بن سعيد الثوري عن قابوس به مختصرًا. وكذا أخرجه الدارقطني في السنن ٤/ ١٥٦ و١٥٧ والطحاوي في مشكل الآثار ٤/ ١٦ وأبو نعيم في الحلية ٩/ ١٩٧ وابن عدي في الكامل ٢/ ١٤٢. والحديث -كما ترى - مداره على قابوس عن أبيه به وعن قابوس تعدد رواته.
(٢) كبيع اليهود ومعابدهم أو أسواق بيع الخنازير أو مصانع الصليب. وغيرها من باب أولى كشعائر الوثنيين من الهندوس والسيخ والمجوس وشاكلتهم.
(٣) هم أشهر من أن يعرفوا، وضلالهم بين، فغلوا في آل بيته ﷺ وجفوا أزواجه وأصهاره وبقية الأصحاب وكفروهم، فصاروا بابًا دخل منه الباطنية والزنادقة لهدم أصول الدين، وقد فضحهم شيخ الإسلام تقي الدين وفند شبههم في كتابه النادر (منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة والقدرية) ومما ذكره =
[ ١٠٤ ]
_________________
(١) = في ١ / ٢٠، (وهذا حال أهل البدع المخالفة للكتاب والسنة، فإنهم إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس، ففيهم جهل وظلم، لا سيما الرافضة، فإنهم أعظم ذوي الأهواء جهلًا وظلمًا يعادون خيار أولياء الله تعالى بعد النبيين من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان - رضي الله عنهم ورضوا عنه -، ويوالون الكفار والمنافقين من اليهود والنصارى والمشركين وأصناف الملحدين كالنصيرية والإسماعيلية وغيرهم من الضالين. . .) . وقال في المنهاج ١/ ٩ - ١١ (ولهذا كانوا - أي الرافضة - عند عامة أهل العلم والدين، من أجهل الطوائف الداخلين في المسلمين، ومنهم من أدخل على الدين من الفساد ما لا يحصيه إلا العباد، فملاحدة الإسماعيلية والنصيرية وغيرهم من الباطنية المنافقين من بابهم دخلوا، وأعداء المسلمين من المشركين وأهل الكتاب بطريقهم وصلوا، استولوا بهم على بلاد الإسلام، وسبوا الحريم وأخذوا الأموال وسفكوا الدم الحرام، وجرى على الأمة بمعاونتهم من فساد الدنيا والدين ما لا يعلمه إلا رب العالمين) . وقال في تسميتهم ١/ ٣٥ (ومن زمن خروج زيد - يعني به علي بن الحسين بالكوفة سنة ٢٢هـ - افترقت الشيعة إلى رافضة وزيدية، فإنه لما سئل عن أبي بكر وعمر؟ فترحم عليهما، رفضه قوم، فقال لهم: رفضتموني! فسموا رافضة لرفضهم إياه، وسمي من لم يرفضه من الشيعة زيديًا لانتسابهم إليه) . وهم بعد ذلك طوائف وفرق وبالجملة فهم مبغضون للصحابة ومكفروهم إلا خمسة وأوائلهم مشبهة مجسمة ثم هم معتزلة في صفات الله، قبورية في توحيد العبادة. ولا تكاد توجد مسألة إلا وهم مخالفون للسنة فيها أسأل الله العافية والسلامة، وأعوذ به من الخذلان والكفران.
(٢) الإسماعيلية طائفة باطنية كافرة خارجة عن الإسلام تنتسب إلى إسماعيل بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين - ﵏ ورضي عنهم - وانظر في هذه النسبة المنهاج ٤/ ١٧ - ١٨ هزل! هم الذين يقولون بإلهية الحاكم بأمر الله العبيدي قال فيهم الشيخ ٦/ ٣٤٢ وما بعدها (وإنها ظهر من دعا إلى الرفض، وتسمى بأمير المؤمنين وأظهر القتال على ذلك، وحصل لهم ملك وأعوان مدة بني عبيد الله القداح الذين أقاموا بالمغرب مدة وبمصر نحو مائتي سنة. وهؤلاء باتفاق أهل العلم والدين كانوا ملاحدة ونسبهم باطل، فلم يكن لهم بالرسول اتصال نسب في الباطن ولا دين، وإنما أظهروا النسب الكاذب وأظهروا التشيع، ليتوسلوا بذلك إلى متابعة الشيعة إذ كانت أقل الطوائف عقلًا ودينًا، وأكثرها جهلًا، وإلا فأمر هؤلاء العبيدية المنتسبين إلى إسماعيل بن جعفر أظهر من أن يخفي على مسلم. ولهذا فجميع المسلمين الذين هم مؤمنون في طوائف الشيعة يتبرأون منهم، فالزيدية والإمامية تكفرهم وتتبرأ منهم، وإنما ينتسب إليهم الإسماعيلية الملاحدة الذين فيهم من الكفر ما ليس لليهود والنصارى كابن الصباح الذي أخرج لهم السكين وشر منهم قرامطة البحرين. . . .) . وابن الصباح - كما عرفه المحقق - هو الحسن بن علي بن محمد بن صباح الحميري ولد سنة ٤٢٨ هـ وهلك سنة ٥١٨ هـ مؤسس فرقة الحشاشين، استولى على قلعة الألموت بجبال الديلم هو من اتخذ القتل والاغتيال وسيلة لتحقيق أهداف دعوته، وهو من أئمة الإسماعيلية.
[ ١٠٥ ]
ونصيرية (١)، وقرامطة (٢) (٣)؛ كما قال فيهم الغزالي (٤) -﵀- في كتابه الذي صنفه (٥) في الرد عليهم: "ظاهر مذهبهم الرفض، وباطنه الكفر المحض" (٦) .
_________________
(١) النصيرية: طائفة باطنية خبيثة كتب فيهم الشيخ تقي الدين فتوى مشهورة أنقل منها ما يناسب المقام، من مجموع الفتاوى ٥٣/ ١٤٥ - ١٦٠ ومما قاله. (الحمد الله رب العالمين، هؤلاء القوم المسمون بالنصيرية هم وسائر أصناف القرامطة الباطنية أكفر من اليهود والنصارى، بل وأكفر من كثير من المشركين. وضررهم على أمة محمد ﷺ أعظم من ضرر الكفار المحاربين مثل كفار التتار والفرنج وغيرهم، فإن هؤلاء يتظاهرون عند جهال المسلمين بالتشيع، وموالات أهل البيت، هم في الحقيقية لا يؤمنون بالله ولا برسوله ولا بكتابه، ولا بأمر ولا نهي، ولا ثواب ولا عقاب، ولا جنة ولا نار، ولا بأحد من المرسلين قبل محمد ﷺ ولا بملة من الملل السالفة؟ بل يأخذون كلام الله ورسوله المعروف عند علماء المسلمين يتأولونه على أمور يفترونها، يدعون أنها علم الباطن. . . ومن جنس قولهم: إن الصلوات الخمس معرفة أسرارهم، والصيام المفروض كتمان أسرارهم، وحج البيت العتيق زيارة شيوخهم، وإن (يدا أبي لهب) هما أبو بكر وعمر. . . . ولهم ألقاب معروفة عند المسلمين، تارة يسمون الملاحدة وتارة القرامطة وتارة (الباطنية) وتارة االإسماعيلية وتارة النصيرية وتارة الخرمية وتارة المحمرة وهذه الأسماء منها ما يعمهم، ومنها ما يخص بعض أصنافهم. . . وهم كما قال العلماء فيهم: ظاهر مذهبهم الرفض وباطنه الكفر المحض - وأن أوانيهم كأواني المجوس وملابسهم - ولا يجوز دفنهم في مقابر المسلمين ولا يصلى على من مات منهم. . . وإذا أظهروا التوبة ففي قبولها منهم نزاع بين العلماء. . ولا ريب أن جهاد هؤلاء وإقامة الحدود عليهم من أعظم الطاعات وأكبر الواجبات، وهو أفضل من جهاد من لا يقاتل المسلمين من المشركين وأهل الكتاب، فإن جهاد هؤلاء من جنس جهاد المرتدين. . أيضًا فضرر هؤلاء أي النصيرية - على المسلمين - أعظم من ضرر أولئك. . . . فلا يحل لأحد أن يكتم ما يعرفه من أخبارهم بل يفشيها ويظهرها ليعرف المسلمون حقيقة حالهم. . .) ولا بد لك أيها القارئ من تكرار قراءة فتوى الشيخ فيهم وفهمها ثم العمل بها. وانظر التدمرية ص ٤٨ - ٤٩. وقال في المجموع ٣٥/ ١٦٨ (فأما النصيرية فهم أتباع أبي شعيب محمد بن نصير، وكان من الغلاة الذين يقولون، إن عليا إله) وقد هلك سنة ٢٦٠ هـ في سامراء العراق وهؤلاء النصيرية هم الذين يسميهم شيخ الإسلام رافضة الشام في مواضع عديدة من كتبه.
(٢) القرامطة: مر في كلام الشيخ ابن تيميه الآنف أنهم هم النصيرية، أو بعضهم حيث عد القرامطة من ألقابهم سموا بهذا الاسم نسبه إلى داعية من دعاتهم اسمه حمدان بن الأشعت الشهير بقرمط من سواد العراق المتوفى سنة ٢٧٨ هـ قال الشيخ في المجموع ٣٥/ ٤٣ ١، (فهؤلاء القرامطة هم في الباطن =
[ ١٠٦ ]
_________________
(١) = والحقيقة أكفر من اليهود والنصاري وأما في الظاهر فيدعون الإسلام، بل إيصال النسب إلى العترة النبوية - أهل البيت - وعلم الباطن الذي لا يوجد عند الأنبياء والأولياء. وأن أمامهم معصوم. فهم في الظاهر من أعظم الناس دعوى بحقائق الإيمان وفي الباطن من أكفر الناس بالرحمن، بمنزلة من ادعى النبوة من الكذابين قال تعالى ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ﴾ وهؤلاء قد يدعون هذا وهذا. وقال في موضع آخر عن أشهرهم - في المنهاج ٦/ ٣٤٣ وشر منهم - أي من العبيدية الإسماعيلية - قرامطة البحرين - وهي المعروفة الآن بالأحساء - أصحاب أبي سعيد الجنابي - قتل سنة ٣٠١ هـ - فإن أولئك لم يكونوا يتظاهرون بدين الإسلام بالكلية، بل قتلوا الحجاج، وأخذوا الحجر الأسود) . والقرامطة الباطنية الفلاسفة يقولون عن الله: لا موجود ولا معدوم، ولا حي ولا ميت كما في الدرء ٧/ ١١٩ وفي التدمرية ١٦، ٣٨ - ٣٩ وانظر شرح الأصبهانية٥/ ٠ ٧ - ٧٣ ضمن الفتاوى الكبرى.
(٢) في الظاهرية: وقرامطة باطنية.
(٣) هو أبو حامد محمد بن محمد الغزالي المتوفى سنة٥٠٥ هـ وعمره ٥٥سنة، الفقيه الأصولي صاحب التصانيف الصوفي المنظر الأشعري، المصبوغ بصبغة الفلاسفة، ومن أجل كتبه إحياء علوم الدين الذي انتقد كثيرًا - ذكره الشيخ ابن تيمية كثيرًا وسأذكر طرفًا من هذا في تحقيق قاعدة في الرد على الغزالي في التوكل، لشيخ الإسلام ابن تيمية إن شاء الله. قال في ما نحن فيه - في كتابه منهاج السنة ٨/ ١٤ (وصنف المسلمون في كشف أسرارهم وهتك أستارهم يعني العبيدين الباطنية الإسماعيلية. . . . كتبا معروفة لما علموه من إفسادهم الدين والدنيا، وصنف فيهم القاضي عبد الجبار، والقاضي أبو بكر بن الطيب - هو الباقلاني -، وأبو يعلى والغزالي، وابن عقيل وأبو عبد الله الشهرستاني، وطوائف غير هؤلاء، وهم الملاحدة الذين ظهروا بالمشرق والمغرب واليمن والشام ومواضع متعددة، كأصحاب الألموت وأمثالهم) . وأصحاب الألموت هم الإسماعيلية والألموت هي قلاع في جبال الديلم جنوب بحر قزوين كانت معاقل دعوتهم - حتى هدمها هولاكو.
(٤) صنف الغزالي كتبًا في الرد عليهم وصلنا منها ثلاثة هي:
(٥) فضائح الباطنية وفضائل المستظهرية، وأشار في إحياء علوم الدين ٢/ ١٣٠ أن هذا الكتاب مستنبط من كشف الأسرار وهتك الأستار، الكتاب المشهور لأبي بكر ابن الطيب الباقلاني والذي ذكره الشيخ في مواضع متعددة باسمه ولم يصلنا إلا في نقول الكتب.
(٦) القسطاس المستقيم، طبع عدة طبعات آخرها في لبنان تحققه.
(٧) جواب المسائل الأربع - من باطنية همدان، نشره رشيد رضا في المنار عدد ٢٩ ص (٦٠١-٦٠٨) . ولكتاب القسطاس المستقيم بالمناسبة نسخة خطية بدار الكتب المصرية رقم ٩٨ عقائد تيمور، مع طبعات قديمة أقدمها سنة ١٣١٨ هـ في مطبعة. . . . . بمصر. =
[ ١٠٧ ]
واتفق طوائف المسلمين: علماؤهم، وملوكهم، عامتهم من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة وغيرهم، على أنهم كانوا خارجين عن شريعة الإسلام، وأن قتالهم كان جائزًا: بل نصّوا على نسبهم كان باطلًا (١) . وأن جدهم كان عبيد الله بن ميمون القدّاح (٢)، لم يكن من آل بيت رسول الله ﷺ.
_________________
(١) = (٦) هذه العبارة التي نقلها شيخ الإسلام، ذكرها أبو حامد في الباب الرابع من الفضائح، في نقل مذهبهم جملة وتفصيلًا ص ٣٧ فقال: (أما الجملة فهو أنه مذهب ظاهره الرفض وباطنه الكفر المحض، ومفتتحه حصر مدارك العلوم في قول الإمام المعصوم، وعزل العقول أن تكون مدركة للحق لما يعتريها من الشبهات. هذا مبدأ دعوتهم ثم إنهم بالآخرة يظهرون ما يناقض الشرع وكأنه غاية مقصودهم، لأن سبيل دعوتهم ليس بمتعين في فن واحد، بل يخاطبون كل فريق بما يوافق رأيه، بعد أن يظهروا منهم بالانقياد لهم والموالاة لإمامهم. فيوافقون اليهود والنصارى والمجوس على جملة معتقداتهم ويقرونهم عليها فهذه جملة المذهب. وأما تفصيله. . .) إلخ.
(٢) في الظاهرية: على أن نسبهم كان، وفي المطبوعة: على أن نسبهم كان.. لأنهم ينتسبون إلى ولد فاطمة ابنة رسول الله ﷺ من ولد علي بن أبي طالب ﵁ وعن صحابة الرسول أجمعين.
(٣) هذا الرجل ليس هو عبد الله بن ميمون بن داود القداح - مولى بني الحارث بن مخذوم المكي من رجال الترمذي ﵀، وهو متوفي ١٨٠ هـ وهو منكر الحديث متروك، وترجمته في النبلاء ٩/٣٢٠، والكامل ٤/١٨٧-١٩٠، وتهذيب الكمال ص ٧٤٧ والمجروحين لابن حبان ٢/٢١ أقول هذا لتخليط البعض بينه وبين عبيد الله هذا الذي ذكره الشيخ، ربما بسبب اشتراكهما في الاسم الثلاثي، لكن تغايرهما واضح في النسب وسنة الوفاة. وعبيد الله هذا هو ابن ميمون بن ديصان القداح المولود سنة ٢٥٩ هـ والهالك سنة ٣٢٢ هـ وهو من أهواز العراق من مدينة سليمة كان أبوه يهوديًا فمات فتزوجت أمه أحد العلويين الذي رباه، ثم لما كبرا وعى العلوية وهو الذي أسس الدولة العبيدية بالمغرب سنة ٢٩٧ هـ. انظر التبصير في الدين ص ١٤١، والفرق بين الفرق ص ٢٨٢-٢٨٩ والقرامطة لابن الجوزي ص ٧١ - ٧٢ وقال شيخ الإسلام في المنهاج ٤/٩٩-١٠٠ (وقد ادعى قبله - أي قبل ابن تومرت (ت ٥٢٠) - أنه المهدي عبيد الله بن ميمون القداح، ولكن لم يوافق في الاسم ولا اسم الأب، وهذا ادعى أنه ولد محمد بن إسماعيل بن جعفر - أي جعفر الصادق -، وأن ميمونًا هذا هو محمد بن إسماعيل وأهل المعرفة بالنسب وغيرهم من علماء المسلمين يعلمون أنه كذب في دعوى نسبه، وأن أباه كان يهوديًا، ربيب مجوس، فله نسبتان: نسبة إلى اليهود، ونسبة إلى المجوس، وهو وأهل بيته كانوا ملاحدة، وهو أئمة الإسماعيلية، الذين قال فيهم العلماء: إن ظاهر =
[ ١٠٨ ]
وصنف العلماء في ذلك مصنفات. وشهد بذلك مثل الشيخ أبي الحسن القدوري (١) إمام الحنفيّة، والشيخ أبي حامد الإسفراييني (٢) إمام الشافعيّة،
_________________
(١) = مذهبهم الرفض، وباطنه الكفر المحض وقد صنف العلماء كتبًا في كشف أسرارهم، وهتك أستارهم، وبيان كذبهم في دعوى النسب، ودعوى الإسلام، وأنهم بريئون من النبي ﷺ نسبًا ودينًا. وقال في ٦/ ٣٤٢ (هؤلاء - يعني بني عبيد الله القداح، الذين أقاموا بالمغرب مدة وبمصر نحو مائتي سنة - بإتقان أهل العلم الدين كانوا ملاحدة، ولنسبهم كان باطلًا، فلم يكن لهم بالرسول اتصال نسب في الباطن، ولا دين، وإنما أظهروا النسب الكاذب، وأظهروا التشيع ليتوسلوا بذلك إلى متابعة الشيعة، إذ كانت أقل الطوائف عقلًا ودينًا، أكثرهم جهلًا وإلا فأمر العبيدية المنتسبين إلى إسماعيل ابن جعفر أظهر من أن يخفى على كل مسلم) . بل ونقل ابن تغري بردي في النجوم الزاهرة ٤/ ٨٠ عبارة من كتاب الباقلاني أبي بكر بن الطيب الذي ألفه في الباطنية واسمه كشف الأسرار وهتك الأستار قال (القداح جد عبيد الله كان مجوسيًا، ودخل عبيد الله- هو المهدي العبيدى - المغرب وادعى أنه علوي، ولم يعرفه أحد من علماء النسب، وكان باطنيًا خبيثًا حريصًا على إزالة ملة الإسلام، أعدم الفقه والعلم ليتمكن من إغرار الخلق، وجاء أولاده بأسلوبه، وأباحوا الخمر والفروج، وأشاعوا الرفض، وبنوا دعاة، فأفسدوا عقائد جبال الشام كالنصيرية والدروزية، كان القداح كاذبًا مخرفًا وهو أصل دعاة القرامطة) .
(٢) اتفقت النسخ - والمطبوعة على تكنيته بأبي الحسن: وفي المصادر المترجمة له هو: أبو الحسين أحمد بن محمد القدورى - بضم المثنأة والمهملة - شيخ الحنفية. قال فيه الخطيب: كان صدوقًا حسن العبارة، جريء اللسان، مديمًا للتلاوة، صاحب المختصر المشهور في مذهب الأحناف، وله كتاب النكاح والتجريد في الخلاف بين الشافعية والأحناف. يوجد المجلد الأول منه في مكتبة جامعة الإمام رقم ٣٥٢٣. ويذكره شيخ الإسلام في تعداده لكبار أتباع الأئمة الأربعة - عن الأحناف كثيرًا، توفي سنة ٤٢٨ هـ ﵏. النبلاء ١٧ / ٥٧٤، وتاريخ بغداد ٤ / ٣٧٧، تذكرة الحفاظ ٣/ ١٠٨٦، والطبقات السنية رقم ٩٤، تاج التراجم رقم ١٩.
(٣) هو أبو حامد أحمد بن أبي طاهر محمد الاسفراييني المولود سنة ٣٤٤ هـ برع من صغره، أذكر له كتابًا في الفقه في خمسين مجلدًا، وكان ذا جاه عند الملوك توفي سنة ٤٠٦ هـ. نقل شيخ الإسلام في الدرء ٢/ ٩٥ - ١٠١ (عن أبي الحسن الكرجي في كتابه الفصول في الأصول عن الأئمة الفحول عن عدد من الأئمة والشيوخ أنهم يقولون كان الشيخ أبو حامد أحمد بن أبي طاهر الإسفراييني إمام الأئمة الذي طبق الأرض علمًا. . . وكان يقول في يوم الجمعة: اشهدوا علي بأن القرآن كلام الله غير مخلوق، كما قاله الإمام ابن حنبل، لا كما يقوله الباقلاني. . .) . وكان شديد الإنكار عليه وعلى أهل الكلام - ﵀ ورفع ذكره. وانظر كلام الشيخ بتمامه هناك. النبلاء ١٧/١٩٣-١٩٧، وتاريخ بغداد ٤ / ٣٦٨ - ٥ ٣٧ شذرات الذهب ٣/ ١٧٨، طبقات الشافعية الكبرى ٤ / ١ ٦ - ٧٤، طبقات الشافعية لابن هداية الله ١٢٧ وما بعدها.
[ ١٠٩ ]
ومثل القاضي أبي يعلى (١) إمام الحنبليّة، ومثل أبي محمد بن أبي زيد (٢) إمام المالكيّة.
وصنف القاضي أبو بكر ابنُ الطيِّب (٣) فيهم كتابًا، في كشف أسرارهم، سماه: "كشف الأسرار وهتك الأستار" (٤) .
_________________
(١) هو محمد بن الحسين بن الفراء، أبو يعلى قاضي الحنابلة ولد سنة ٣٨٠ هـ وقرأ القرآن بالروايات العشر مع المعرفة البالغة في الحديث والفقه، كان دينا ذا عبادة وتهجد، له تصانيف كثيرة: كإبطال التأويلات، والعدة في الأصول، والروايتين والوجهين في المذاهب توفي سنة ٤٥٨ هـ أبناؤه علماء حنابلة ﵏ جميعًا. ولما سئل شيخ الإسلام عن أبي يعلى وغيره من العلماء أجاب في المجموع ٢٠/٤٠ (إنهم على مذهب أهل الحديث ليسوا بمقلدين لواحد بعينه من العلماء ولا هم من الأئمة المجتهدين على الإطلاق، بل يميلون إلى قول أئمة الحديث..وهؤلاء كلهم يعظمون السنة والحديث..) وربما كان له ميل إلى الكلامية الصفاتية والله يغفر له. انظر جامع الرسائل ١/١٢٧ والمنهاج ٥/٣٦٠ و٤١٢. وانظر النبلاء ١٨/٨٩ وطبقات الحنابلة ٢/١٩٣ - ٢٣٠ وتاريخ بغداد ٢/٢٥٦ وما بعدها، ومناقب أحمد لابن الجوزي ص ٥٢٠، والوافي بالوفيات ٣/٧.
(٢) هو أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي زيد القيرواني، عالم المغرب، الملقب بمالك الصغير، ولد سنة ٣١٠ هـ أثنى عليه الذهبي فقال: كان ﵀ على طريقة السلف في الأصول، لا يدري الكلام ولا يتأول فنسأل الله التوفيق. أشهر مؤلفاته: الرسالة في معتقد أهل السنة، مطبوعة ولها شروح عديدة منها المطبوع والمخطوط توفي سنة ٣٨٦ هـ أثنى عليها شيخ الإسلام في مواضع. ومنها المجموع ٥/١٨٢-١٨٣ فقال (كلام المالكية في ذم الجهمية النفاة مشهور في كتبهم، وكلام أئمة المالكية وقدمائهم في الإثبات - أي الصفات وأمور الغيب - كثير مشهور، حتى علماؤهم حكوا إجماع أهل السنة والجماعة على أن الله بذاته فوق عرشه، وابن أبي زيد إنما ذكر ما ذكره سائر أئمة السلف، ولم يكن من أئمة المالكية من خالف ابن أبي زيد في هذا، وهو إنما ذكر هذا في مقدمة الرسالة لتلقن لجميع المسلمين، لأنه عند أئمة السنة من الاعتقادات التي يلقنها كل أحد ) النبلاء ١٧٧/٢١٠ الديباج المذهب ١/٤٢٧، ترتيب المدارك ٤/٤٩٢، شجرة النور الزكية ١/٩٦ فهرست ابن خير ٢٤٤.
(٣) هو أبو بكر محمد بن الطيب بن الباقلاني المتوفى سنة ٤٠٣ هـ صاحب التواليف، ومضرب المثل في ذكائه وفهمه، له مع ملك الروم قصص في هذا، من كبار علماء الأشاعرة الكلابية ومنظريهم، كان ذا ردود على الباطنية والرافضة والجهمية والخوارج تقدر بسبعين ألف ورقة له التمهيد في إعجاز القرآن وغيرها كثيرًا ما يذكره شيخ الإسلام في تعداد كبار المتكلمين وسبق نقل شيء من كلام الإسفراييني فيه من درء التعارض للشيخ ٢/٩٥-١٠٢، وقال ﵀ في ترتيب الكلاميين في درء التعارض ١/٢٧٠ (وهذا كما أن العراقيين المنتسبين إلى أهل الإثبات من أتباع ابن كلاب كأبي العباس القلاني =
[ ١١٠ ]
_________________
(١) = وأبي الحسن الأشعري، وأبي الحسن علي بن مهد الطبري والقاضي أبي بكر بن الباقلاني وأمثالهم، أقرب إلى السنة، وأتبع لأحمد بن حنبل وأمثاله من أهل خرسان المائلين إلى طريقة ابن كلاب، ولهذا كان القاضي أبو بكر بن الطيب يكتب في أجوبته أحيانًا: محمد بن الطيب الحنبلي، كما كان يقول الأشعري. إذ كان الأشعري وأصحابه منتسبين إلى أحمد بن حنبل وأمثاله من أئمة السنة، وكان الأشعري أقرب إلى مذهب أحمد بن حنبل وأهل السنة من كثير من المتأخرين المنتسبين إلى أحمد الذين مالوا إلى بعض كلام المعتزلة، كابن عقيل، وصدقة بن الحسين، وابن الجوزي وأمثالهم) ٠ انظر المنهاج ٢٩٣/٣ ٠ النبلاء ٣٧٩/٥، وترتيب المدارك ٤/ ٥٨٥ - ٢ ٠ ٦، الديباج ٢٢٨/٢، تبيين كذب المفتري ١٧ ٢ - ٢٦ ٢.
(٢) هذا الكتاب له اسمان، الأول ما ذكره الشيخ، ومختصر هو فضائح الباطنية أو الرد على الباطنية، وهذا الكتاب لم أره ولم أسمع أنه طبع، بل يظن أنه مفقود، وقد ذكر الغزالي في الإحياء ٢/ ١٣٠ أنه استنبط ما فيه من كتاب الفضائح وقد ذكره ابن تيمية في مواضع ومما ذكره في المنهاج ٨/ ١٤ و٢٥٨ (وقد صنف العلماء كتبًا في كشف أسرارهم وهتك أستارهم مثل كتاب القاضي أبي بكر الباقلاني والقاضي عبد الجبار الهمداني وكتاب الغزالي ونحوهم) . ونقل منه أسلوب دعوة هو الباطنية ومنهجها في المنهاج ٨/ ٤٧٩ - ٨٦ ٤ ومما نقل (قد اتفق جميع الباطنية، وكل مصنف لكتاب ورسالة منهم في ترتيب الدعوة المضلة، على أن من سبيل الداعي إلى دينهم ورجسهم. . فقالوا للداعي: يجب عليك إذا وجدت من تدعوه مسلمًا: أن تجعل التشيع عنده دينك وشعارك، واجعل المدخل عليه من جهة ظلم السلف، وقتلهم الحسين، وسبيهم نساءه وذريته، والتبري من تيم وعدي، وبني أمية والعباس. . وأن عليًا إله يعلم الغيب، مفوض إليه خلق العالم، وما أشبه ذلك من أعاجيب الشيعة وجهلهم؟ فإنهم أسرع إلى إجابتك بهذا الناموس. . . . فإذا آنست من بعض الشيعة عند الدعوة إجابة ورشدًا أوقفته على مثالب علي وولده، وعرفته حقيقته الحق لمن هو، وفيمن هو، وباطل البطلان كل ما عليه أهل ملة محمد ﷺ وغيره من الرسل. ومن وجدته صابئا. فأدخله بالأشانيع وتعظيم الكواكب. . . .، ومن وجدته مجوسيًا اتفقت معه، في الأصل، في الدرجة الرابعة، من تعظيم النار والنور والشمس والقمر. . فإنهم مع الصائبة أقرب الأمم إلينا، وأولاهم بنا. . . . . . وإن ظفرت بيهودي فادخل عليه جهة انتظار المسيح. . وعظم السبت عندهم وتقرب إليهم بذلك. . . . وإن وجدت المدعى نصرانيًا فادخل عليه بالطعن على اليهود والمسلمين جميعًا، وصحة قولهم في الثالوث. وعظم الصليب عندهم وعرفهم تأويله. .) إلى آخر الزندقة المحضة، نعوذ بالله من ذلك كله. وهذا الكتاب للباقلاني - عجل الله الظفر به - صحيح النسبة إليه فقد ذكره ابن السبكي في طبقاته في مواطن ونقل منه، كما في ترجمته علي بن محمد بن الحسين، وترجمته محمد بن الموفق بن سعيد وذكره ابن كثير في ترجمته من البداية والنهاية ١١/٣٥٠، وحاجي خليفة بل وعامة من ترجموا للباقلاني. وسبق نقل من النجوم الزاهرة من هذا الكتاب. =
[ ١١١ ]
_________________
(١) = هذا ويوجد لجمال الدين أبي الفضائل الصفدي (ت ٦٩٦ هـ) كتاب باسم كشف الأسرار وهتك الأستار في ثلاثة مجلدات في مكتبة مراد ملا بتركيا أرقامها من (١٥٨ - ١٦٢) وفي متحف طبقو سراى من (١٨٦٥ - ١٨٦٧) المجلدات الثلاث في ٧٦٧ ورقة مكتوبة سنة ١ ٦٩ هـ ونسخ أخرى في السليمانية رقم ١٣٣ ورستم باشا ٤٥، ٤٦ وشهيد علي باشا ٥٥٠ ورقة رقم ١٥٧ وأظنه في التفسير، ولا أجزم بذلك. هذا وأشار الشيخ في مواطن من المنهاج إلى من صنف في كشف أسرارهم وهتك أستارهم كما في ٨/ ١٤ فمن عد:
(٢) القاضي عبد الجبار الهمذاني المعتزلي (٤١٥) ولعل الشيخ يقصد كتابه المنية والأمل شرح الملل والنحل وهو مطبوع حديثًا، وله طبعة سنة ١٩٧٢ باسم فرق وطبقات المعتزلة.
(٣) أبو بكر ابن الطيب بن الباقلاني (٤٠٣) وسبقت الإشارة إلى كتابه في ترجمته.
(٤) أبو يعلى ابن الفراء الحنبلي (٤٥٨) ولا أعلم له كتابًا فيهم مطبوعًا أو مخطوطًا لكن ذكر المترجمون له أن له كتابًا اسمه الرد على الباطنية.
(٥) أبو حامد الغزالي (٥٠٥) وسبق ذكر كتابه وترجمته.
(٦) أبو الوفاء علي بن عقيل الحنبلي (٥١٣) وهذا له كتاب اسمه كتاب الفرق له نسخة خطية بالهند في مكتبه رجتا رامبور رقمه ١/ ٥١٢ (١١٩) .
(٧) أبو عبد الله محمد الشهرستاني (٥٤٨) والظاهر أن المقصود بكتابه الملل والنحل الكتاب المشهور وفيه تحدث عن الباطنية وفرقها بالتفصيل. وممن ألف في كشفهم أيضا أبو محمد عبد الرحمن المعروف بأبي شامة (٦٦٥) ألف كتابا سماه كشف ما كان عليه بنو عبيد من الكفر والكذب والمكر والكيد ذكره في الذيل على الروضتين ص ٣٩ ونسبة له ابن كثير في التاريخ ٢ ١/ ٨٧ ٢ والذهبي في معرفة القراء الكبار ٢/٥٣٨ بأسماء نحو هذا.
[ ١١٢ ]