ملحق بذكر نص الفتوى التي ذكرها ابن القيم في كتابه "أحكام أهل الذمة" لشيخه (١) شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- أوردها كاملة لعلاقتها المباشرة بالموضوع.
قال ابن القيم -﵀- في "أحكام أهل الذمة" ٢/٦٧٧-٦٨٦: وورد على شيخنا استفتاء في أمر الكنائس صورته: ما يقول السادة العلماء -وفقهم الله- في إقليم توافق أهل الفتوى في هذا الزمان على أن المسلمين فتحوه عنوة من غير صلح ولا أمان، فهل ملك المسلمون ذلك الإقليم المذكور بذلك؟ وهل يكون الملك شاملًا لما فيه من أموال الكفار من الأثاث والمزارع والحيوان والرقيق والأرض والدور والبيع والكنائس والقلايات والديورة ونحو ذلك، أو يختص الملك بما عدا متعبَّدات أهل الشرك؟ فإن ملَكَ جميع ما فيه فهل يجوز للإمام أن يعقد لأهل الشرك من النصارى واليهود -بذلك الإقليم أو غيره- الذمة على أن يبقى ما بالإقليم المذكور من البيع والكنائس والديورة ونحوها متعبدًا لهم، وتكون الجزية المأخوذة منهم في كل سنة في مقابلة ذلك بمفرده، أو مع غيره أم لا؟ فإن لم يجز -لأجل ما فيه من تأخير ملك المسلمين عنه- فهل يكون حكم الكنائس ونحوها حكم الغنيمة يتصرف فيه الإمام تصرفه في الغنائم أم لا؟ وإن جاز للإمام أن يعقد الذمة بشرط بقاء الكنائس ونحوها فهل يملك من عقدت له الذمة بهذا العقد رقاب البيع والكنائس والديورة ونحوها، ويزول ملك المسلمين عن ذلك بهذا العقد أم لا، لأجل أن الجزية لا تكون عن ثمن مبيع؟ وإذا لم يملكوا ذلك وبقوا على الانتفاع بذلك، وانتقض عهدهم بسبب يقتضي انتقاضه* إما بموت من وقع عقد الذمة معه ولم يعقبوا، أو أعقبوا، فإن قلنا: إن أولادهم يستأنف معهم عقد الذمة -كما نص عليه الشافعي فيما حكاه
_________________
(١) قاعدة: إذا قال ابن القيم ورد على شيخنا، أو قال شيخنا ولم يسمه فالمراد به شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية.
[ ١٤٠ ]
ابن الصباغ، وصححه العراقيون، واختاره ابن أبي عصرون في "المرشد"- فهل لإمام الوقت أن يقول: لا أعقد لكم الذمة إلا بشرط ألا تدخلوا الكنائس والبيع والديورة في العقد، فتكون كالأموال التي جهل مستحقوها وأيس من معرفتها، أم لا يجوز له الامتناع من إدخالها في عقد الذمة، بل يجب عليه إدخالها في عقد الذمة؟ فهل ذلك يختص بالبيع والكنائس والديورة التي تحقق أنها كانت موجودة عند فتح المسلمين، ولا يجب عليه ذلك عند التردد في أن ذلك كان موجودًا عند الفتح، أو حدث بعد الفتح، أو يجب عليه مطلقًا فيما تحقق أنه كان موجودًا قبل الفتح أو شك فيه؟ وإذا لم يجب في حالة الشك، فهل يكون ما وقع الشك في أنه كان قبل الفتح، وجهل الحال فيمن أحدثه لمن هو؟ لبيت المال أم لا؟ وإذا قلنا: إن من بلغ من أولاد من عقدت معهم الذمة -وإن سلفوا- ومن غيرهم لا يحتاجون أن تعقد لهم الذمة، بل يجري عليهم حكم من سلف إذا تحقق أنه من أولادهم، يكون حكم كنائسهم وبيعهم حكم أنفسهم، أم يحتاج إلى تجديد عقد وذمة؟ وإذا قلنا: إنهم يحتاجون إلى تجديد عقد عند البلوغ، فهل تحتاج [كنائسهم] وبيعهم إليه أم لا؟
فأجاب: "الحمد لله، ما فتحه المسلمون كأرض خيبر التي فتحت على عهد النبي ﷺ، وكعامة أرض الشام، وبعض مدنها، وكسواد العراق -إلا مواضع قليلة فتحت صلحًا- وكأرض مصر، فإن هذه الأقاليم فتحت عنوة على خلافة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁. وقد روي في أرض مصر أنها فتحت صلحًا، وروي أنها فتحت عنوة، وكلا الأمرين صحيح -على ما ذكره العلماء المتأهلون للروايات الصحيحة في هذا الباب- فإنها فتحت أولا صلحًا، ثم نقض أهلها العهد، فبعث عمرو بن العاص إلى عمر بن الخطاب ﵁ يستمده، فأمده بجيش كثير فيهم الزبير بن العوام، ففتحها المسلمون الفتح الثاني عنوة.
[ ١٤١ ]
ولهذا روي من وجوه كثيرة أن الزبير سأل عمر بن الخطاب -﵄- أن يقسمها بين الجيش كما سأله بلال قسم الشام، فشاور الصحابة في ذلك فأشار عليه كبراؤهم كعلي بن أبي طالب ومعاذ بن جبل أن يحبسها فيئًا للمسلمين ينتفع بفائدتها أول المسلمين وآخرهم. ثم وافق عمرَ على ذلك بعض من كان خالفه، ومات بعضهم، فاستقر الأمر على ذلك: فما فتحه المسلمون عنوة، فقد ملكهم الله إياه كما ملكهم ما استولوا عليه من النفوس والأموال والمنقول والعقار. ويدخل في العقار معابد الكفار ومساكنهم وأسواقهم ومزارعهم وسائر منافع الأرض، كما يدخل في المنقول سائر أنواعه من الحيوان والمتاع والنقد؛ وليس لمعابد الكفار خاصة خروجها عن ملك المسلمين: فإن ما يقال من الأقوال، ويفعل فيها من العبادات، إما أن يكون مبدلًا أو محدثًا لم يشرعه الله قط، أو يكون الله قد نهى عنه بعد ما شرعه.
[و] قد أوجب الله على أهل دينه جهاد أهل الكفر حتى يكون الدين كله الله، وتكون كلمة الله هي العليا، ويرجعوا عن دينهم الباطل إلى الهدى ودين الحق الذي بعث الله به خاتم المرسلين صلوات الله وسلامه عليه، ويعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون.
ولهذا لما استولى رسول الله ﷺ على أرض من حاربه من أهل الكتاب وغيرهم، كبني قينقاع والنضير وقريظة، كانت معابدهم مما استولى عليه المسلمون، ودخلت في قوله سبحانه: ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ﴾، وفي قوله تعالى: ﴿وَمَا أَفَاء اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ﴾، ﴿مَّا أَفَاء اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾، لكن -وإن ملك المسلمون ذلك- فحكم الملك متبوع كما يختلف حكم الملك في المكاتب والمدير وأم الولد والعبد، وكما يختلف في المقاتلين الذين يؤسرون، وفي النساء والصبيان الذين يُسْبَون، كذلك
[ ١٤٢ ]
يختلف حكمه في المملوك نفسه والعقار والأرض والمنقول. وقد أجمع المسلمون على أن الغنائم لها أحكام مختصة بها لا تقاس بسائر الأموال المشتركة. ولهذا لما فتح النبي ﷺ خيبر أقر أهلها ذمة للمسلمين في مساكنهم، وكانت المزارع صلحًا للمسلمين عاملهم عليها رسول الله ﷺ بشرط ما يخرج منها من تمر أو زرع، ثم أجلاهم عمر -﵁- في خلافته، واسترجع المسلمون ما كانوا أقروهم فيه من المساكن والمعابد.
فصل
وإما أنه هل يجوز للإمام عقد الذمة مع إبقاء المعابد بأيديهم؟ فهذا فيه خلاف معروف في مذاهب الأئمة الأربعة، منهم من يقول: لا يجوز تركها لهم، لأنه إخراج ملك المسلمين عنها، وإقرار الكفر بلا عهد قديم؛ ومنهم من يقول بجواز إقرارهم فيها إذا اقتضت المصلحة ذلك كما أقر النبي ﷺ أهل خيبر فيها، وكما أقر الخلفاء الراشدون الكفار على المساكن والمعابد التي كانت بأيديهم.
فمن قال بالأول قال: حكم الكنائس حكم غيرها من العقار، منهم من يوجب إبقاءه، كمالك في المشهور عنه، وأحمد في رواية، ومنهم من يخير الإمام فيه بين الأمرين بحسب المصلحة، وهذا قول الأكثرين، وهو مذهب أبي حنيفة، وأحمد في المشهور عنه، وعليه دلت سنة رسول الله ﷺ، حيث قسم نصف خيبر وترك نصفها لمصالح المسلمين. ومن قال: "يجوز إقرارها بأيديهم"، فقوله أوجه وأظهر؛ فإنهم لا يملكون بهذا الإقرار رقاب المعابد كما يملك الرجل ماله، كما أنهم لا يملكون ما ترك لمنافعهم المشتركة كالأسواق والمراعي، كما لم يملك أهل خيبر ما أقرهم فيه رسول الله ﷺ من المساكن والمعابد.
ومجرد إقرارهم ينتفعون بها ليس تمليكًا، كما لو أُقطع المسلم بعض عقار بيت
[ ١٤٣ ]
المال ينتفع بغلّته أو سُلم إليه مسجد أو رباط ينتفع به لم يكن ذلك تمليكًا له، بل ما أقروا فيه من كنائس العنوة يجوز للمسلمين انتزاعها منهم إذا اقتضت المصلحة ذلك، كما انتزعها أصحاب النبي ﷺ من أهل خيبر بأمره بعد إقرارهم فيها، وقد طلب المسلمون في خلافة الوليد بن عبد الملك أن يأخذوا من النصارى بعض كنائس العنوة التي خارج دمشق، فصالحوهم على إعطائهم الكنيسة التي داخل البلد، وأقر ذلك عمر بن عبد العزيز أحد الخلفاء الراشدين ومن معه في عصره من أهل العلم: فإن المسلمين لما أرادوا أن يزيدوا جامع دمشق بالكنيسة التي إلى جانبه (١)، وكانت من كنائس الصلح لم يكن لهم أخذها قهرًا، فاصطلحوا على المعاوضة بإقرار كنائس العنوة التي أرادوا انتزاعها، وكان ذلك الإقرار عوضًا عن كنيسة الصلح التي لم يكن لهم أخذها عنوة.
فصل
ومتى انتقض عهدهم جاز أخذ كنائس الصلح منهم فضلًا عن كنائس العنوة، كما أخذ النبي ﷺ ما كان لقريظة والنضير لما نقضوا العهد، فإن ناقض العهد أسوأ حالًا من المحارب الأصلي، كما أن ناقض الإيمان بالردة أسوأ حالًا من الكافر الأصلي. ولذلك لو انقرض أهل مصر من الأمصار، ولم يبق من دخل في عهدهم، فإنه يصير للمسلمين جميع عقارهم ومنقولهم من المعابد وغيرها
_________________
(١) وهي كنيسة مار يوحنا. ومن الشائع أن هدم الكنيسة لتوسيع جامع دمشق ينسب إلى الخليفة الوليد، ولما انتهت الخلافة إلى عمر بن عبد العزيز شكا إليه النصارى ما صنعه الوليد ببيعتهم، فأمر عمر برد الكنيسة إلى أصحابها، فأغضب ذلك أهل دمشق وكبر عليهم أن يهدموا مسجدهم بعد أن أذنوا فيه وصلوا، ثم تم الاتفاق على أن يكون للنصارى كنائس الغوطة - وهي كنائس العنوة - وألا يعودوا للمطالبة بكنيسة مار يوحنا. (قارن بتاريخ مدينة دمشق لابن عساكر ١/١٩٥ والمختصر في أخبار البشر لأبي الفداء حوادث سنة ٥٩٦) . ويلاحظ أن المؤرخين المعاصرين لزمن الفتح لم يروا شيئًا من أمر هذه الكنيسة وإلحاقها بجامع دمشق، وإنما هذه كلها روايات للمؤرخين المتأخرين.
[ ١٤٤ ]
فيئًا، فإذا عقدت الذمة لغيرهم كان كالعهد المبتدإ، وكان لمن يعقد لهم الذمة أن يقرهم في المعابد، وله ألا يقرهم بمنزلة ما فتح ابتداءً، فإنه لو أراد الإمام عند فتحه هدم ذلك جاز بإجماع المسلمين، ولم يختلفوا في جواز هدمه وإنما اختلفوا في جواز بقائه. وإذا لم تدخل في العهد كانت فيئًا للمسلمين.
أما على قول الجمهور الذين لا يوجبون قسم العقار فظاهر؛ وأما على قول من يوجب قسمه؛ فلأن عين المستحق غير معروف كسائر الأموال التي لا يعرف لها مالك. وأما تقدير وجوب إبقائها فهذا تقدير لا حقيقة له: فإن إيجاب إعطائهم معابد العنوة لا وجه له، ولا أعلم به قائلًا، فلا يفرّع عليه، وإنما الخلاف في الجواز. نعم قد يقال في الأبناء، إذا لم نقل بدخولهم في عهد آبائهم لأن لهم شبهة الأمان والعهد، بخلاف الناقضين، فلو وجب لم يجب إلا ما تحقق أنه كان له، فإن صاحب الحق لا يجب أن يعطى إلا ما عرف أنه حقه؛ وما وقع الشك فيه -على هذا التقدير- فهو لبيت المال، وأما الموجودون الآن، إذا لم يصدر منهم نقض عهد فهم على الذمة: فإن الصبي يتبع أباه في الذمة، وأهل داره من أهل الذمة، كما يتبع في الإسلام أباه وأهل داره من المسلمين؛ لأن الصبي لما لم يكن مستقلًاّ بنفسه جُعل تابعًا لغيره. في الإيمان والأمان.
وعلى هذا جرت سنة رسول الله ﷺ وخلفائه والمسلمين في إقرارهم صبيان أهل الكتاب بالعهد القديم من غير تجديد عقد آخر. وهذا الجواب حكمه فيما كان من معابدهم قديمًا قبل فتح المسلمين، أما ما أحدث بعد ذلك فإنه يجب إزالته، ولا يمكّنون من إحداث البيع والكنائس كما شرط عليهم عمر بن الخطاب -﵁- في الشروط المشهورة عنه: ألا يجدّدوا في مدائن الإسلام، ولا فيما حولها، كنيسة ولا صومعة ولا ديرًا ولا قلاية، امتثالًا لقول رسول الله ﷺ: "لا تكون قبلتان ببلد واحد". رواه أحمد وأبو داود بإسناد جيد، ولما روي عن عمر بن الخطاب -﵁- قال: "لا كنيسة في الإسلام".
[ ١٤٥ ]
وهذا مذهب الأئمة الأربعة في الأمصار، ومذهب جمهورهم في القرى، وما زال من يوفقه الله من ولاة أمور المسلمين ينفذ ذلك ويعمل به مثل عمر بن عبد العزيز الذي اتفق المسلمون على أنه إمام هدى: فروى الإمام أحمد عنه أنه كتب إلى نائبه عن اليمن أن يهدم الكنائس التي في أمصار المسلمين، فهدمها بصنعاء وغيرها. وروى الإمام أحمد عن الحسن البصري أنه قال: "من السنة أن تهدم الكنائس التي في الأمصار، القديمة والحديثة". وكذلك هارون الرشيد في خلافته أمر بهدم ما كان في سواد بغداد (١)، وكذلك المتوكل لما ألزم أهل الكتاب "بشروط عمر" استفتى علماء وقته في هدم الكنائس والبيع، فأجابوه، فبعث بأجوبتهم إلى الإمام أحمد، فأجابه بهدم كنائس سواد العراق (٢)، وذكر الآثار عن الصحابة والتابعين: فمما ذكره ما روي عن ابن عباس -﵄- أنه قال: "أيما مصر مصرته العرب -يعني المسلمين- فليس للعجم أن يبنوا فيه كنيسة، ولا يضربوا فيه ناقوسًا، ولا يشربوا فيه خمرًا. وأيما مصر مصرته العجم ففتحه الله على العرب فإن للعجم ما في عهدهم، وعلى العرب أن يوفوا بعهدهم، ولا يكلفوهم فوق طاقتهم".
_________________
(١) وذلك أن الرشيد كان قد استفتى أبا يوسف في أمر الكنائس والبيع، ففصل له في فتواه جميع أحكامها، فهدم منها ما كان في السواد، وقارن بخراج أبي يوسف ١٣٨ سلفية.
(٢) انظر تاريخ الطبري ٣/١٤١٩ هـ حوادث سنة ٢٣٩ هـ.
[ ١٤٦ ]