رؤية المؤمنين ربهم ﷿ يوم القيامة بأبصارهم من المسائل التي تضافرت عليها النصوص وتواترت فيها الآثار وقام عليها إجماع سلف الأمة وسألوا الله أن لا يحرمهم النظر إليه ولكن أبا جهم ومن تبعه من المعتزلة وغيرهم إلا نفي الرؤية وحجتهم " إن إثبات الرؤية يؤدي إلى حدوث الله لان الشيء إنما يرى إذا كان مقابلًا أو حالًا في المقابل وهذه من صفات الأجسام فيوجب ذلك أن يكون الله تعالى جسمًا وإذا كان جسمًا صار محدثًا وإذا كان جسمًا تجوز عليه الحاجة. (١)
وكان ذلك أصلًا من قول جهم الذي نفى الرؤية أحد أصوله كما نقل لنا ذلك الإمام احمد ﵀ في رده على الجهمية فذكر أن الجهم بنى اصل كلامه على ثلاث آيات تشتبه معانيها على من لا يفهمها وذكر منها آية نفي الإدراك لينفي بها الرؤية والمباينة قال تعالى ﴿لا تدركه الأبصار﴾ الأنعام ١٠٣ (٢) ونفى الرؤية عن الله مع النصوص الواردة الكثيرة مؤذن بكفرنا فيه وقد نقل هذا عن الإمام احمد ﵀ أنه قال: من قال أن الله لا يرى في الآخرة فقد كفر عليه لعنة الله وغضبه من كان من الناس. (٣)
وليس للنافين للرؤية إلا تأويل بعض الأدلة أو التعليق بمفهوم بعضها كقوله ﴿لا تدركه الأبصار﴾ أو حجة. أن الرؤية توجب كون المرئي محدثًا حالًا في مكان فأولوا قوله ﴿وجوه يومئذٍ ناضرة إلى ربها ناظرة﴾ القيامة ٢٢ - ٢٣، بأنها منتظرة وهذا خلاف تفسيرها الذي
_________________
(١) شرح الأصول الخمسة للقاضي عبد الجبار المعتزلي ٢٧٦
(٢) الرد على الجهمية للإمام احمد ص ١٠٤
(٣) طبقات الحنابلة ١/ ٢٥٣
[ ٢١٢ ]
أثُر عن السلف قال ابن عباس “ مسرورة إلى ربها (ناظرة) قال تنظر إلى ربها، ومثله عن الحسن البصري ومجاهد وعكرمة. (١)
قال الإمام أبو الحسن الأشعري " ولا يجوز أن يكون عني نظر الانتظار لان النظر إذا ذكر مع ذكر الوجه فمعناه نظر العينين اللتين في الوجه (٢) قال وهذا مما يبطل قول المعتزلة: لان نظر الانتظار لا يكون مقرونًا بقوله (إلى) لأنه لا يجوز عند العرب أن يقولوا في نظر الانتظار (إلى) (٣) وقد قيل للإمام مالك: أن أقوامًا يقولون تنظر ما عنده فقال: بل تنظر إليه نظرًا (٤) وأما قولهم أن قوله ﴿لا تدركه الأبصار﴾ فيه نفي للرؤية لأن الآية عامة عندهم
فهذا لا يسلم لهم لان المنفي هنا هو الإدراك فالإدراك هو الإحاطة ونفي الإحاطة لا يستلزم نفي الرؤية فقد تقع الرؤية بدون الإدراك وقد يقع إدراك بلا رؤية. فقوم موسى قالوا له (إنا لمدركون) مع قوله ﴿فلما تراءى الجمعان﴾ فقال موسى (كلا إن معي ربي سيهدين) فنفى موسى ﵇ الإدراك مع إثبات الترائي.
وهذا هو تفسير ابن عباس لما تكلم في الرؤية فقال له رجل أليس قال الله ﴿لا تدركه الأبصار﴾ فقال له ألست ترى السماء قال بلى قال أتراها كلها قال: لا فبين له أن نفي الإدراك لا يقتضي نفي الرؤية. (٥)
_________________
(١) شرح أصول اعتقاد أهل السنة للألكائي ٣/ ٥١٤، ٥١٦ تفسير الطبري ٢٧/ ١١٩
(٢) الابانة ص ٤٥
(٣) الابانة ص ٤٦
(٤) معارج القبول لحافظ الحكمي ١/ ٣٠٢
(٥) درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية ١/ ٢٣٦ بتصرف
[ ٢١٣ ]
وما دليلهم العقلي إن الرؤية توجب تجسيم وحدوث المرئي فهذه على جميع منكري الصفات من قياسهم الأمور الغيبية على ما ألفوه في دنياهم وقياس الخالق بالمخلوق.
قال ابن بطال (وما تمسكوا به فاسد لقيام الأدلة على أن الله تعالى موجود والرؤية في تعلقها بالمرئي بمنزلة العلم في تعلقه بالمعلوم فإذا كان تعلق العلم بالمعلوم لا يوجب حدوثه فكذلك المرئي. (١)
هذه هي أقوي أدلة المعترضين للرؤية ولأهل السنة الآيات الصريحة والأحاديث الكثيرة في هذه الكرامة التي يمن الله بها على عباده.
وقد بوب البخاري بهذه الآية فقال: باب قول الله تعالى ﴿وجوه يومئذٍ ناضرة﴾ القيامة ٢٢، ٢٣.
وقد تقدم قول السلف فيها وقد بلغ الإمام أحمد أن رجلًا قال: إن الله لا يرى في القيامة فقال: لعنه الله من كان من الناس - أليس الله يقول ﴿وجوه يومئذٍ ناضرة إلى ربها ناظرة﴾ وقال ﴿كلا انهم عن ربهم يومئذٍ لمحجوبون﴾ (٢) المطففين ١٥.
ثم ساق الإمام البخاري ﵀ الأدلة من السنة على الرؤية منها حديث جرير ﵁ قال: كنا جلوسًا عند النبي - ﷺ - إذا نظر إلى القمر ليلة البدر قال: " إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته " الحديث.
والحديث الآخر: " إنكم سترون ربكم عيانًا ".
وحديث: " إنكم سترون ربكم يوم القيامة كما ترون هذا لا تضامون في رؤيته".
_________________
(١) الفتح ١٣/ ٤٣٥
(٢) طبقات الحنابلة ١/ ٢٥٣
[ ٢١٤ ]
وفي هذه الأحاديث تأكيد من رسول الله - ﷺ - للرؤية بأن وبالفعل المضارع المسبوق بالسين وبقوله (كما ترون هذا القمر) مع إشارته إليه فأي بيان بعد ذلك.
وقوله (لا تضامون) بفتح التاء وتشديد الميم والمعنى إنكم ترون ربكم رؤية واضحة لا تحتاجون في رؤيته أن ينضم بعضكم إلى بعض لتتساعدوا على الرؤية كما يقع عند رؤية الأمور الخفية. (١)
وقوله (إنكم سترون ربكم عيانًا) ومعناه عيانًا أي بأعينكم وهذا الحديث ذو دلالة واضحة، وقوله (إنكم سترون ربكم يوم القيامة كما ترون هذا) يعني القمر فيه دلالة على أن الرؤية ستقع يوم القيامة وليس هناك تشبيه للمرئي بالمرئي بل تشبيه بالرؤية للرؤية
ثم ساق ﵀ حديث أبي هريرة الطويل وفيه: الذي دلالته من أوضح الدلالات حيث سأل الصحابة الرسول - ﷺ - هل نرى ربنا يوم القيامة؟
فأجابهم " هل تضارون في القمر ليلة البدر " فقالوا: لا يا رسول الله قال: (فهل تضارون في الشمس ليس دونها سحاب) فقالوا لا يا رسول الله، فقال: (فإنكم ترونه كذلك) وهنا بين ﵊ انهم سيرونه كما يرون القمر ليلة البدر والشمس ليس دونها سحاب.
وفي سياق الحديث: (فيأتيهم الله في صورته التي يعرفون فيقول أنا ربكم فيقولون أنت ربنا فيتبعونه)، فانهم سيرونه ﵎ على صورته اللائقة بجلاله وقد أطال أهل العلم الكلام في الصورة.
_________________
(١) شرح كتاب التوحيد للغنيمان ٢/ ١٢
[ ٢١٥ ]
وقد أمر أئمة السلف بإجراء هذه الصفة كغيرها من الصفات فقد سئل الإمام احمد عن حديث خلق الله آدم على صورته فقال: لا تفسره ما لنا أن نفسره كما جاء الحديث
وقال أيضًا: سمعت الحميدي (١) بحضرة سفيان بن عيينة فذكر هذا الحديث " خلق الله على صورته " فقال: من لا يقول بهذا فهو كذا وكذا يعني من الشتم وسفيان ساكت لا يرد عليه شيئًا. (٢)
وقد قال الإمام ابن قتيبة، أو الذي عندي والله تعالى اعلم أن الصورة ليست بأعجب من اليدين والأصابع والعين وإنما وقع الألف لتلك لمجيئها في القرآن وقعت الوحشة من هذه لأنها لم تأت في القرآن ونحن نؤمن بالجميع ولا نقول في شيء منه بكيفية ولاحد (٣)
ثم ساق البخاري رواية أبي سعيد الخدري لحديث الرؤية وفيه " فيأتيهم الجبار في صورة غير صورته التي رأوه فيها أول مرة فيقول أنا ربكم فيقولون أنت ربنا فلا يكلمه إلا الأنبياء فيقول: هل بينكم وبينه آية تعرفونها فيقولون الساق فيكشف عن ساقه فيسجد له كل مؤمن " الحديث
فيقال في الصورة والساق ما يقال في بقية الصفات كما تقدم في الصفات الذاتية والله أعلم
ثم يسوق ﵀ حديث انس في الشفاعة وشاهده فيها قوله ﵇ “ فاستأذن على ربي في داره فيؤذن لي عليه فإذا رأيته وقعت ساجدًا ".
_________________
(١) عبدالله بن الزبير الحميدي، أحد الأئمة في الحديث، رحل مع الشافعي إلى مصر ولزمه إلى أن مات وهو شيخ البخاري، (ت ٢١٩ هـ) الأعلام (٤/ ٨٧).
(٢) المسائل والرسائل المروية عن الامام احمد في الغقيدة ١/ ٣٥٦، ٣٥٧
(٣) تأويل مختلف الحديث ص ٢٠٢
[ ٢١٦ ]
وقد كرره في الحديث ثلاث مرات فالنبي ﵊ سوف يراه وكذلك غيره من المؤمنين.
وكذلك حديث انس حين جمع الرسول - ﷺ - الأنصار في قبة وقال لهم (اصبروا حتى تلقوا الله ورسوله فإني على الحوض) فقد ذكر اللقاء هو ما يقتضي الرؤية والمعاينة.
ثم أورد حديث ابن عباس في دعاء صلاة التهجد وفيه (أنت الحق وقول الحق ووعدك الحق ولقاؤك حق) فاللقاء يتضمن الرؤية وهو شاهد البخاري في هذا الحديث.
ثم أورد حديث عدي بن حاتم: ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان ولا حجاب يحجبه).
فليس بين العبد وبين الرب ما يمنع رؤيته إذ المؤمن لا يحجب بعكس الكافر الذي قال فيه ﴿كلا انهم عن ربهم يومئذٍ لمحجوبون﴾.
ثم حديث (وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهة في جنة عدن، ففيه قرب لقاء المؤمنين بربهم ورؤيتهم له وبينه وبينهم حجاب الكبرياء فإذا أذن لهم رفع رداء الكبرياء وعن وجهه كما هو ظاهر الحديث - والله أعلم.
وهكذا ساق بقية الأحاديث ﵀ بمثل هذه الشواهد. (١)
_________________
(١) انظر في الرؤية ومسائلها من المؤلفات المفردة - التصديق بالنظر الى الله في الآخرة للآجري تحقيق محمد منير الجمباز - رؤية الله ﵎ لابن النحاس تحقيق د. محفوظ السلفي - ضوء الساري الى معرفة رؤية الباري تحقيق د. أحمد الشريف - رؤية الله وتحقيق الكلام فيها د. أحمد الحمد جامعة أم القرى - دلالة القرآن والأثر على رؤية الله تعالى بالبصر د. عبد العزيز الرومي - بحث للعلامة حماد الأنصاري الأستاذ في الدراسات العليا بالجامعة الإسلامية في مجلة الجامعة السلفية العدد الرابع ١٣٩٦ عن حديث الصورة -
[ ٢١٧ ]