يفرق أهل السنة والجماعة بين صفات الله الذاتية وصفاته تعالى الفعلية والتي يفعلها بمشيئته سبحانه ويثبتون أن هناك صفات ذاتية فعلية هي صفة ذات له ﵎ وهي صفة فعلية يفعلها متى يشاء سبحانه كالرحمة والخلق والكلام ونحوها.
وأهل السنة في إثباتهم لهذه الصفات ينطلقون من أنه ﵎ منزه عن الشبيه، كما قال الإمام نعيم بن حماد: من شبه الله بشيء من خلقه فقد كفر ومن أنكر ما وصف الله به نفسه فقد كفر، وليس فيما وصف الله به نفسه ولا رسوله تشبيهًا. (١)
فالصفات التي وصف الله بها نفسه وأعني هنا ما اصطلح على تسميتها بالفعلية الاختيارية حصل فيها الخلاف العظيم بين المسلمين وطال النزاع فيها بسبب القياس الخاطئ بين الخالق والمخلوق إذ أن الصفات الإلهية لا يجوز أن يستدل فيها بالقياس الشمولي ولا قياس التمثيل، فالتمثيل يستوي فيه الفرع والأصل والشمولي يستوي أفراده.
فالله ﵎ ليس كمثله شيء فلا يجوز أن يمثل بغيره ولا يوصف به وإدخاله سبحانه مع غيره تحت أي قضية كلية يستوي أفرادها، عمل فاسد، هذا الذي جَرَّ والطوائف
_________________
(١) شرح أصول السنة للالكائي ٣/ ٥٨٧
[ ١٨٥ ]
إلى الضلال في هذا الباب، وكان الأولى بهم استعمال قياس الأولى سواء كان تمثيلًا أو شمولًا كما قال الله في كتابه ﴿ولله المثل الأعلى﴾ النحل آية ٦٠.
قال العلامة السعدي في تفسيره لهذه الآية هو كل صفة كمال وكل كمال في الوجود، فالله أحق به من غير أن يستلزم ذلك نقصًا بوجه من الوجوه، وله المثل الأعلى في قلوب أوليائه وهو التعظيم والإجلال والمحبة والإنابة والمعرفة. (١)
وقد اجتهد أئمة السلف -﵏- في دفع الخطأ الناتج عن الاعتقاد الخاطئ في فهم الصفات الفعلية الاختيارية لله ﵎.
ولكن قبل عرض ردهم وتوضيحهم لابد من الرجوع لأصل المشكلة التي لأجلها قام الوهم من قبل الذين نفوا هذه الصفات الاختيارية.
وأساسها: بعد عصر الصحابة والتابعين ومجيء جهم بن صفوان وذلك عندما لقيه بعض عباد السُمنية (٢) ممن لا يؤمنون بالله فقالوا صف لنا ربك الذي تعبده فدخل البيت لا يخرج مدة ثم خرج وقال هو هذا الهواء مع كل شيء وفي كل شيء ولا يخلو منه شيء. (٣) وأما رواية الإمام أحمد انهم قالوا نكلمك فان ظهرت حجتنا عليك دخلت في ديننا وان ظهرت حجتك علينا دخلنا دينك فكان مما كلموا به الجهم ان قالوا له:
هل رأيت إلهك أو سمعت كلامه أو شممت له رائحة أو وجدت له حسًا أو مجسًا وكل ذلك يقول لا.
_________________
(١) تفسير السعدي ٢/ ٩٣٣.
(٢) السمنية قوم من الدهرية من أهل الهند قالوا بقدم العالم وإبطال النظر والاستدلال، وقالوا بتناسخ الأرواح -الفرق بين الفرق للبغدادي - ٢٧٠.
(٣) الرد على الجهمية لابن أبي حاتم كما في الفتح ١٣/ ٢٩٥.
[ ١٨٦ ]
فقالوا فما يدريك أنه اله قال: فتحير الجهم فلم يدر من يعبد أربعين يومًا ثم أنه استدرك حجة مثل حجج زنادقة النصارى الذين يزعمون أن الروح الذي في عيسى من ذات الله فإذا أراد أن يحدث أمرًا دخل في بعض خلقه فتكلم على لسان خلقه فيأمر بما يشاء وينهى عما يشاء وهو روح غائبة عن الأبصار ثم قال للسُمنى ألست تزعم أن فيك روحًا فقال جهم: هل رأيت روحك أو سمعت كلامه أو وجدت له حسًا وكل ذلك يقول: لا
فقال جهم: فكذلك الله لا يرى له وجه ولا يسمع له صوت ولا يشم له رائحة وهو غائب عن الأبصار ولا يكون في مكان دون مكان
قال الإمام أحمد: فبنى أصل كلامه على تأول هذه الآيات ﴿ليس كمثله شيء﴾ و﴿وهو الله في السموات والأرض﴾ الأنعام ٣ و﴿لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار﴾ الأنعام ١٠٣ وزعم أن من وصف الله بشيء مما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله فقد كفر وكان من المشبهة (١)
فالجهم أصل اصلًا في إثبات وجود الله وهو الذي عرف بعد بدليل حدوث الأجسام، فالأجسام حادثة لأنها لا تخلو من الحوادث والأعراض أو أنها مستلزمة للأعراض فصار ما لا يخل من الحوادث فهو حادث فالعالم حادث وبه يعرف إثبات الصانع فما قامت به الصفات قامت به الأعراض وما قامت به الأعراض فهو حادث فنفى الجهمية والمعتزلة ات قامت به الاعراض وما قامت به الاعراض فهو حادث فنفى الجهمية والمعتزلة ومن تبعهم الصفات أو بعضها على أصل جهم هذا ثم ان من اراد اثبات صفة فأنه يثبتها لجوازها عقلًا! فمن اثبت ثلاث صفات ثم من زاد عقله فاثبت سبعًا ثم من اثبت اكثر من ذلك ولايسمونها أعراضًا
_________________
(١) الرد على الجهمية للامام احمد ص ١٠٢، ١٠٤ بتصرف يسير
[ ١٨٧ ]
ولكن حين جاء ذكر الصفات الاختيارية سموّها حوادث فوجب نفيها عندهم على هذا الأصل.
وهذا الدليل باطل، من وجوه
الأول: طوله الذي يجعل العامي لا يستطيع فهمه حتى يتم لأجله ايمأنه
الثاني: أنه دليل متبوع بعد عهد النبوة والصحابة لم يدع به النبي - ﷺ - الناس ولا صحابته من بعده
الثالث: اللوازم الفاسدة على هذا الدليل من نفي صفات الله ونفي قدرته على الفعل والقول بأنه فعل بعد ان كان الفعل ممتنعًا عليه
الرابع: هذا الدليل الذي ارتضاه المتكلمون أوجب تسلط الفلاسفة عليهم في مسألة حدوث العالم (١)
والقول بنفي الصفات خوفًا من حلول الحوادث من قبل المتكلمين وانكروها بلسانهم ان الحوادث لا تقوم بالله - حسب فهمهم وان كنا لا نوافق على هذا الاطلاق - إلاّ انهم يقولون به كما نقل ذلك الرازي في (الأربعين في اصول الدين) فبين أن الجبائي وابنه من المعتزلة قالوا بارادة حادثة لا في محل وابو الحسين البصري يثبت في ذاته تعالى علومًا متجددة بحسب تجدد المعلومات
والاشعرية يثبتون نسخ الحكم ويثبتون للعلم والقدرة تعلقات حادثة
_________________
(١) انظر في ادلة الموجبين والمانعين / موقف ابن تيمية من الاشاعرة للمحمود ٣/ ٩٨٤
[ ١٨٨ ]
والفلاسفة يقولون بان الاضافات وهي القبلية والبعدية موجودة في الاعيان فيكون الله مع كل حادث ثم قال: وذلك الوصف الاضافي حدث في ذاته (١)
وقد نبه الإمام الطحاوي في عقيدته المختصرة إلى ان الله يوصف بصفاته التي لا يلزم من الوصف بها تجدد الحوادث أو قدم الصفة
فقال: ما زال بصفاته قديمًا قبل خلقه لم يزد بكونهم شيئًا لم يكن قبلهم من صفته وكما كان بصفاته أزليًا كذلك لا يزال عليها أبديًا.
قال ابن ابي العز ﵀ مبينًا كلام الإمام الطحاوي: أي أن الله لم يزل متصفًا بصفات الكمال صفات الذات وصفات الفعل ولا يجوز ان يعتقد ان الله وصف بصفة بعد ان لم يكن متصفًا بها لان صفاته سبحانه صفات كمال وفقدها صفة نقص
ولا يجوز ان يكون حصل له الكمال بعد ان كان متصفًا بضده ولا يرد على هذا صفات الفعل والصفات الاختيارية ونحوها كالخلق والتصوير والاحياء والاماتة والقبض والبسط والطي والاستواء والاتيان والمجيء والنزول والغضب والرضا ونحو ذلك مما وصف به نفسه ووصفه به رسوله ولا ندخل في ذلك بآرائنا ولا متوهمين بأهوائنا ولكن اصلُ معناه معلوم لنا كما قال مالك في الاستواء (٢)
وغالب ما يوقع في مثل هذه المسائل هذه الالفاظ المجملة المحدثة واعني بها (لول الحوادث) فهذه لم يرد فيها نفيٌ ولا اثبات في الكتاب والسنة ويلاحظ انها لفظ مجمل لازمه هو المحذور فمن يريد باطلاقها ان الله ﵎ لا يحل في ذاته المقدسة شيء من مخلوقاته
_________________
(١) الاربعين للرازي ص ١١٨
(٢) شرح العقيدة الطحاوية ص ٩٦ بتصرف
[ ١٨٩ ]
المحدثة أو بعبارة اخرى لا يتجدد له وصف لم يكن فنفي حلول الحوادث بهذا المفهوم صحيح من لوازم التنزيه لله ﵎ ولكن ان اريد باطلاقه نفي الصفات الاختيارية
أعني أنه لا يفعل ما يريد فلا يتكلم إذا شاء وأنه لا يغضب ولا يرضى مع نفي التشبيه ولا ينزل ولا يستوي كما وصف نفسه ولاق بجلاله فهذا نفي باطل لا يسلم لقائله
وقد بين الإمام البخاري ﵀ هذا الأمر بايسر عبارة
وواضح دليل لمن تأمل فقال ﵀:
باب قول الله تعالى: ﴿كل يوم هو في شأن﴾ الرحمن ٢٩
و﴿ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث﴾ الأنبياء ٢ وقوله تعالى ﴿لعل الله يحدث بعد ذلك أمرًا﴾ الطلاق ١
ثم اتى بالقول الفصل في هذه المسألة فقال: وأن حدثه لا يشبه حدث المخلوقين لقوله تعالى ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾ الشورى ١١
ساق البخاري هذا الباب وهو مهم بالنسبة لافعال الله ﷿ لاثبات ان لله صفات هي افعال يفعلها متى شاء ويصح ان نطلق عليها حادثة لكنها ليست كحدوث المخلوقين التي قد يعتريها العجز وقد يعتريها الخفاء وما اشبه ذلك من نواقص حوادث المخلوقين
وقال د. الغنيمان يريد بهذا بيان ان الله تعالى يحدث ما يريد احداثه في أى وقت اراد وان احداثه ذلك من افعاله التي هو اوصاف له (١)
وقد نبه البخاري ﵀ في اكثر من موضع على هذه المسألة فأشار إلى مسألة انكار افعال الله من القول والفعل مما له تعلق بمشيئة الله وارادته وقدرته مما انكرته الجهمية ومن تبعهم فقال [باب ما جاء في تخليق السموات والارض وغيرها من الخلائق وهو فعل الرب ﵎ وأمره
فالرب بصفاته وفعله وامره وهو الخالق المكون غير مخلوق وما كان بفعله وامره وتخليقه وتكوينه فهو مفعول مخلوق مكون]
ثم قال أيضًا [سورة باب قول الله تعالى، ﴿ولا تنفع الشفاعة عنده إلاّ لمن اذن له حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير﴾ سبأ ٢٣ ولم يقولوا ماذا خلق ربكم]
فالله ﵎ يحدث من امره ما يشاء من القول والأمر والفعل وكما أنه ليس له مثل في ذاته كذلك ليس له في افعاله) والآيات التي استشهد بها البخاري ﵀ من قوله تعالى ﴿كل يوم هو في شأن﴾ الرحمن ٢٩ قال عنها رسول الله - ﷺ - حين سأله اصحابه ما ذاك الشأن قال ﵊ " أن يغفر ذنبًا ويفرج كربًا ويرفع قومًا ويضع آخرين " (٢)
ونقل مثل ذلك الإمام البغوي قول عامة المفسرين عن هذه الآية فقال: قال المفسرون: من شأنه ان يحي ويميت ويرزق ويعز قومًا ويذلك قومًا ويشفي مريضًا ويفك عانيًا ويفرج
_________________
(١) شرح كتاب التوحيد للغنيمان ٢/ ٥٠٦
(٢) رواه البخاري تعليقًا عن ابي الدرداء في تفسير سورة الرحمن جازمًا به ووصله ابن حجر ١٣/ ٥٠٧ ورواه ابن حبان مرفوعًا وابن ماجة ١/ ٧٣ حديث ٢٠٢ وسنده حسن
[ ١٩٠ ]
مكروبًا ويجيب داعيًا ويعطي سائلًا ويغفر ذنبًا إلى ما لا يحصى من أفعاله وإحداثه في خلقه ما يشاء (١)
ثم استشهد ﵀ بقوله تعالى ﴿ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث﴾ الأنبياء ٢، قال الداودي ﵀ في بيان مراد البخاري: الذكر في الآية هو القرآن وهو محدث عندنا وهو من صفاته تعالى ولم يزل سبحانه بجميع صفاته (٢)
وقد نقل الحافظ عن الداودي (٣) ﵀ ما يؤيد قوله هذا في شرح قول عائشة " ولساني في نفسي كان أحقر من ان يتكلم الله في بأمرٍ يتلى)
قال: فيه ان الله تكلم ببراءة عائشة حين انزل براءتها بخلاف قول بعض الناس أنه لم يتكلم (٤)
اراد الرد على من يقول ان الله إذا تكلم فيكون كلامه حادثٌ فتحل فيه الحوادث على مايفهمه من يقول بذلك
قال ابن كثير " محدث " أى جديد انزاله ثم استشهد باثر ابن عباس الذي ساقه البخاري بنحوه " كيف تسألون اهل الكتاب عما بأيديهم وقد حرقوه وبدلوه وزادوا فيه ونقصوا منه وكتابكم احدث الكتب بالله تقرؤنه محضًا لم يشب (٥)
ثم قال البخاري ﵀ وقوله تعالى: ﴿لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا﴾
وهذه الآية معلوم انها في المطلقة التي لها عدة تعدها ولم تبن فأمر الله ﵎ ان تعتد في بيت زوجها من غير ان تخرج منه إلاّ أن تأتي بفاحشة وعلل ذلك بقوله تعالى: ﴿لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا﴾ الطلاق ١
قال ابن جرير " لا تدري ما الذي يحدث لعل الله يحدث بعد طلاقكم اياهن رجعة " (٦)
يحدث للزوجين حالًا غير ما كانا عليه وقت الطلاق فقد تتبدل الكراهية رغبة والبعد قربا ويحصل الندم منهما فيحدث الرجوع بينهما فمقصود البخاري من هاتين الآيتين ان الله تعالى يتكلم بعد ان لم يكن تكلم بذلك الكلام بعينه ويأمر وينهى بعد ان لم يكن امر بذلك المأمور وذلك المنهي بعينه لمن وجه اليه الأمر والنهي (٧)
وفسر شيخ الاسلام الذكر بان منه محدث ومنه غير محدث لان النكرة إذا وصفت ميز بها بين الموصوف وغيره مفسرًا لقوله تعالى: ﴿ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث﴾ الأنبياء ٢ وبقوله ﴿وما يأتيهم من ذكر من الرحمن محدث﴾ الشعراء ٥ في الآيتين ليس هو المخلوق الذي يقوله الجهمية ولكن الذي انزل جديدًا فان الله ينزل من القرآن شيئا بعد شيء فالمنزل أولًا قديم بالنسبة إلى المنزل آخرا
_________________
(١) تفسير البغوي ٧/ ٤٤٦
(٢) الفتح ١٣/ ٥٠٧
(٣) محمد بن علي بن أحمد المالكي شيح أهل الحديث في عصره، مصري من تلاميذ السيوطي، له طبقات المفسرين، (ت ٩٤٥ هـ) الأعلام (٦/ ٢٩١).
(٤) الفتح ١٣/ ٥٠٧
(٥) تفسير ابن كثير ٣/ ٢٧٧
(٦) تفسير الطبري ١٢/ ٨٧
(٧) شرح كتاب التوحيد للغنيمان ٢/ ٥٠٨
[ ١٩١ ]
وكل ماتقدم على غيره فهو قديم في لغة العرب كما قال تعالى ﴿كالعرجون القديم﴾ يس ٢٩ وقال ﴿تالله إنك لفي ضلالك القديم﴾ (١) يوسف ٩٥
ومن قامت لديه شبهة في مسألة حلول الحوادث فان الإمام البخاري جلاها بوضوح إذ ان من يمنع حلول الحوادث قد ارتبط بذهنه قياس الشاهد على الغائب فقال ان الحوادث لا تقوم إلاّ بحادث فقاس على ما يراه فقال البخاري " وأن حدثه لا يشبه حدث المخلوقين لقوله تعالى: ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾ الشورى ١١
فكما أنه ﵎ لا مثل له في ذاته فكذلك لا مثل له في افعاله واوصافه واحداثه التي يحدثها مما يتعلق بمشيئته وهي افعاله.
ويتساءل العلامة ابن عثيمين عن أصل المسألة: من أين أتى القائلون بأن من قامت به الحوادث فهو حادث، فلا كتاب ولا سنة ولا عقل يدل عليها قال: فنحن نشاهد الآن بانفسنا أنه تحصل حوادث لنا في هذا اليوم غير ما حصل باليوم الذي قبله وهل يلزم إذا قامت بنا الحوادث ان تكون موجودة بوجودنا؟ لا يلزم فالحوادث تتجدد من الحادث ومن غير الحادث بل ان قيام الحوادث به دليل على كماله وأنه يفعل ما يشاء متى ما شاء ولو قلنا أنه لا يستطيع ان يفعل لكان في هذا نقص والله تعالى فعال لما يريد، واستدل بقوله تعالى ﴿ولو شاء الله ما قتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد﴾ البقرة ٢٥٣ فالاقتتال من حادث لا شك وهو من فعل الله أي من تقديره أن يفعل وهذا صريح في قيام الافعال الحادثة به (٢)
_________________
(١) شرح كتاب التوحيد للغنيمان ٢/ ٥١١
(٢) شرح كتاب التوحيد لابن عثيمين ١٩٢، ١٩٣ بتصرف
[ ١٩٢ ]
ثم استشهد البخاري ﵀ بحديث ابن مسعود وعلى رسوله - ﷺ - " ان الله يحدث من أمره ما يشاء وان مما أحدث ان لا تكلموا في الصلاة "
ذلك ان ابن مسعود قدم على رسول الله - ﷺ - وهو يصلي وسلم عليه وكانوا يفعلون ذلك - فلم يرد ﵇ فلما فرغ الرسول - ﷺ - قال لابن مسعود ما قال: ودلالة الحديث واضحة ومطابقة الحديث للترجمة والآيات فقوله - ﷺ - ﴿ان الله يحدث من أمره﴾ موافق لقوله تعالى ﴿وما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث﴾ الأنبياء ٢
قال ابن رجب ﵀ في شرحه لصحيح البخاري: وقوله " ان الله احدث ان لا تكلموا في الصلاة " اشارة إلى أنه شرع بعد ان لم يكن شرّعه ومنعه بعد أن لم يكن قد منعه (١) ومثله الروايتان عن ابن عباس " كيف تسألون أهل الكتاب عن شيء وكتابكم الذي انزله الله على نبيكم احدث الأخبار بالله محضًا لم يشب وفي الرواية الاخرى أقرب الكتب عهدًا بالله. فالمعنى أنه آخر الكتب واحدثها بالله واقربها عهدًا به وهذا موضع الشاهد من الباب، وهذا الباب فصل في ما سيأتي من أبواب فيها الكلام على بقية الصفات الاختيارية إذ سيكون ايرادها على وجه الاختصار خاصة ما دخلت تحت جنس واحد في الكلام، ومابقي من مسائل جرى فيها الخلاف سأعرض له في مسألة الكلام ان شاء الله إذ أطال فيها الإمام البخاري (٢)
_________________
(١) فتح الباري بشرح صحيح البخاري لابن رجب ٩/ ٢٩١
(٢) يلاحظ في هذه المسألة - أكثر من غيرها - وضوح مخالفة شراح البخاري المتقدمين عن مقصود البخاري إذ غالب أقوالهم في نفي الصفات الاختيارية أو تأويلها انظر الفتح ١٣/ ٥٠٦، ٥٠٧
[ ١٩٣ ]