وصف الله ﵎ نفسه بالسمع والبصر في القرآن الكريم، ومن ثم وجب الإيمان بأن لله تعالى سمعًا وبصرًا يليقان بجلاله فهما صفتان حقيقتان فكما أن له ذاتًا حقيقية لا تشبه الذوات فله صفات حقيقة لا تشبه صفات الخلق، وقد ورد إثبات صفة السمع في سبع وخمسين آية، وإثبات صفة البصر في خمسين آية.
ومن ذلك قوله ﵎: ﴿وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم﴾ البقرة ١٢٧، وقوله: ﴿قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله والله يسمع تحاوركما إن الله سميع بصير﴾ المجادلة ١، وقوله: ﴿من كان يريد ثواب الدنيا فعند الله ثواب الدنيا والآخرة وكان الله سميعًا بصيرًا﴾ النساء ١٣٤، وقوله: ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾ الشورى ١١، وهذا الذي بوب له البخاري -رحمه الله تعالى- لإثبات هذه الصفة والرد على من تأولها فقال: باب قول الله تعالى ﴿وكان الله سميعًا بصيرًا﴾ النساء ١٣٤.
وأورد - ﵀- أحاديث تدل على مقصود الترجمة لإثبات هاتين الصفتين وصار حجة لمن جاء بعده، منها حديث عائشة - ﵂- قالت: الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات فأنزل الله تعالى على النبي ﷺ ﴿قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها﴾.
[ ١٤٥ ]
وحديث أبي موسى -﵁- قال: كنا مع النبي ﷺ في سفر فكنا إذا علونا كبرنا، فقال: " اربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبًا، تدعون سمعيًا بصيرًا قريبًا".
وحديث عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ: " إن جبريل ﵇ ناداني قال: إن الله قد سمع قول قومك وما ردوا عليك"
ومناسبة الأحاديث للترجمة واضحة إن لله سمعًا حقيقيًا ثم أورد حديث أبي بكر -﵁- أنه قال: يا رسول الله علمني دعاءً أدعو به في صلاتي، قال: (قل: اللهم إني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا ولا يغفر الذنوب إلاّ أنت فاغفر لي من عندك مغفرة إنك أنت الغفور الرحيم).
فمناسبته والله أعلم كما قال ابن بطال: أن دعاء أبي بكر يقتضي أن الله سميع لدعائه ومجازيه عليه، وقال غيره لما كان بعض الذنوب مما يسمع وبعضها مما يبصر لم تقع مغفرته إلا بعد السمع والإبصار. (١)
وقال ابن المنير: لولا أن سمع الله يتعلق بالسر وأخفى لما أفاد الدعاء في الصلاة سرًا. (٢)
وقال الغنيمان: والمقصود من الحديث في هذا الباب أن المدعو لابد أن يكون سميعًا يسمع دعوة الداعي إذا دعاه بصيرًا بحاله يوصل إليه ما طلب بقدرته وإلاّ تكون دعوته ضلال وسدى. (٣)
_________________
(١) الفتح ١٣/ ٣٨٧.
(٢) المتواري لإبن المنير صـ ٤١٥.
(٣) شرح كتاب التوحيد ١/ ١٩٦.
[ ١٤٦ ]
قال الخطابي -﵀-: السميع بمعنى السامع إلاّ أنه أبلغ في الصفة، وبناؤه فعيل بناء المبالغة، كقولهم عليم من عالم وقدير من قادر (١)، وبهذا أيضًا فسره ابن جرير فقال: "وهو السميع البصير" السميع لما ينطق به خلقه من قول. (٢)
وقال (في البصير) والله ذو ابصار بما يعملون لا يخفى عليه شيء من أعمالهم بل هو بجميعها محيط ولها حافظ ذاكر حتى يذيقهم بها العقاب باجزاءها، وأصل بصير مبصر، من قول القائل أبصرت فأنا مبصر ولكن صرف إلى فعيل كما صرف مسمع إلى سميع وعذاب مؤلم إلى اليم ومبدع إلى بديع وما أشبه ذلك. (٣)
وقد خالف أهل السنة في فهم كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ: الجهمية وتبعهم المعتزلة وتأولوا السمع والبصر أنهما بمعنى العلم، فقالوا إنه عالم بالأصوات والألوان لا يسمع بسمع ولا يبصر ببصر، وضربوا مثالًا بقولهم عن الأعمى ما أبصره أي ما أعلمه وإن كان لا يبصر بعين وادعوا أنه لم يثبت نص أنه يسمع بسمع ويبصر ببصر.
وقد وافق الجهمية في هذا القول من المعتزلة: الكعبي (٤) ومعتزلة بغداد. (٥)
وقد نبه بعض شراح البخاري إلى أن هذا هو مقصوده - ﵀- إذ أن كتابه في الرد على الجهمية وأنه بوب بقوله وكان الله سميعًا بصيرًا ليثبت هاتين الصفتين وأنه يسمع ويبصر حسب تسلسل النصوص التي أوردها ويمكن القول بهذا وبالرد على المعتزلة.
_________________
(١) شأن الدعاء صـ ٥٩.
(٢) جامع البيان ٢٥/ ٩.
(٣) جامع البيان ١/ ٣٤١.
(٤) عبدالله بن أحمد بن محمود الكعبي، أحد أئمة المعتزلة وتنسب إليه الكعبية، (ت ٣١٩ هـ) الأعلام (١/ ٦٥).
(٥) نهاية الأقدام صـ ٣٤١. والفرق بين الفرق صـ ١٦٥، ١٦٧.
[ ١٤٧ ]
كما قال ابن بطال -﵀-: غرض البخاري في هذا الباب الرد على من قال إن (معنى سميع بصير) عليم وقال: ويلزم من قال ذلك أن يسويه بالأعمى الذي يعلم أن السماء خضراء ولا يراها والأصم الذي يعلم أن في الناس أصواتًا ولا يسمعها، ولا شك أن من سمع وأبصر أدخل في صفة الكمال فمن انفرد في أحدهما دون الآخر فصح أن كونه سميعًا بصيرًا يفيد قدرًا زائدًا على كونه عليمًا وكونه سميعًا بصيرًا يتضمن أنه يسمع بسمع ويبصر ببصر كما تضمن كونه عليمًا أنه يعلم بعلم ولا فرق بين إثبات كونه سميعًا بصيرًا أو بين كونه ذا سمع وبصر، قال وهذا قول أهل السنة قاطبة. (١)
ولهذا عقد الإمام عثمان الدارمي فصلًا حافلًا في رده على الجهمية وفي رده على بشر المريسي خاصة، أورد فيه شبة القوم والرد عليهم من الكتاب والسنة والعقل والزمهم بعدة لوازم على قولهم بالتأويل منها:
١ - القول بعجز الله إذ من لا يسمع ولا يبصر عاجز كما قال الخليل ﴿يا ابت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئًا﴾ مريم ٤٢.
٢ - إن السمع والبصر إذا كان اثباتهما نفيًا للعجز وجب أن نصف الله كما وصف به نفسه وهو أعلم بصفات نفسه.
٣ - أنه لا يلزم من ثبوت السمع والبصر أن يكون بعضه سميعًا وبعضه بصيرًا، ومثل هذا لا يصلح وصفه لأدنى الحيوانات، فكيف بالخالق ﷾. (٢)
فكان أن أورد - ﵀ - أكثر أحاديث البخاري في الرد على شبهة الجهمية، وقد ورد حديث آخر في إثبات السميع بسمع والبصير ببصر ما رواه أبوداود عن أبي هريرة -رضي
_________________
(١) الفتح ١٣/ ٣٨٥.
(٢) انظر تفصيل ذلك في الرد على بشر المريسي صـ ٣٩٩ وما بعدها. والحجة للأصبهاني ١/ ١٧٦.
[ ١٤٨ ]
الله عنه- قال: قرأ رسول الله ﷺ ﴿إن الله كان سميعًا بصيرًا) النساء ٥٨. فوضع إبهامه على أذنه والتي تليها على عينه. (١)
قال البيهقي: والمراد بالإشارة المروية في هذا الخبر تحقيق الوصف لله ﷿ بالسمع والبصر، ثم قال وأفاد أنه سميع بصير، له سمع وبصر، لا على معنى أنه عليم إذ لو كان بمعنى العلم لأشار في تحقيقه إلى القلب؛ لأنه محل العلوم منا وليس في الخبر إثبات الجارحة -تعالى الله- عن شبه المخلوقين علوًا كبيرًا. (٢)
ومثل هذا روى عن ابن عباس -﵁- في قوله تعالى ﴿تجري بأعيننا﴾ القمر ١٤. قال أشار بيده إلى عينه. (٣)
قال إمام الأئمة ابن حزيمة في هذا الباب العظيم: وتدبروا أيها العلماء ومقتبسوا العلم مخاطبة خليل الرحمن أباه وتوبيخه إياه لعبادته من كان يعبد، تعقلوا بتوفيق خالقنا -جل وعلا- صحة مذهبنا وبطلان مذهب مخالفينا من الجهمية المعطلة، ثم أطال -﵀- في رد شبه الجهمية واستدل بأحاديث البخاري في إثبات أن الله يسمع بسمع ويبصر ببصر مع التنزيه اللائق بالله ﵎ والله أعلم. (٤)
قال ابن القيم -﵀-:
وهو السميع يرى ويسمع كل ما في الكون من سر ومن إعلان
ولكل صوت منه سمع حاضر فالسر والإعلان مستويان
والسمع منه واسع الأصوات لا يخفى عليه بعيدها والداني
_________________
(١) أخرجه أبو داود ح (٤٧٢٨).
(٢) الأسماء والصفات صـ ٢٣٤. والحديث حسنه الحافظ في الفتح ٣/ ٣٧٣.
(٣) شرح أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي ٣/ ٤٥٦.
(٤) التوحيد لابن خزيمة ١/ ١٠٦ وما بعدها.
[ ١٤٩ ]
وهو البصير يرى دبيب النملة الـ سوداء تحت الصخر والصواني
ويرى مجاري القوت في أعضاءها ويرى عروق بياضها بعيان
ويرى خيانات العيون بلحظها ويرى كذاك تقلب الإجفان (١)
_________________
(١) شرح النونية ٢/ ٢١٥.
[ ١٥٠ ]