علو الله ﵎ من الصفات الذاتية فالله ﵎ عالٍ على كل شيء علوًا شاملًا، وماذكرناه سابقًا من استواءه على العرش فهو علو خاص فالعلو من الصفات الذاتية من وجه والفعلية من وجه والأدلة عليه من الكتاب والسنة والعقل والفطرة وقد آمن بذلك الصحابة ولم يتوهموا ان الله متحيز في جهة ولا يلزم ذلك من كونه فوق ﵎ وتقدس وقد خالف في ذلك الجهمية والمعتزلة ومن تبعهم فأولوا نصوص العلو وتكلفوا فيها إلى علو القدر والمكانة والفوقية بالقهر والقدرة (١)
والأدلة التي ساقها الإمام البخاري هي أدلة اهل السنة والجماعة من السلف الصالح فقال ﵀: باب قول الله ﴿تعرج الملائكة والروح اليه﴾ والعروج هو الصعود كما فسره (٢) البخاري في قوله تعالى ﴿من الله ذي المعارج﴾ يقال ذي المعارج الملائكة تعرج إلى الله وكذلك فسر ﵀ المعارج في سورة الزخرف ﴿لبيوتهم سقفًا من فضة ومعارج﴾ الزخرف ٣٣ قال وهي درجٌ فعروج الملائكة إلى فوق كما قال الراغب (العروج ذهاب إلى فوق) (٣)
ثم قال البخاري ﵀: وقوله تعالى ﴿اليه يصعد الكلم الطيب﴾ وساق اثر مجاهد ﵀ وهو: العمل الصالح يرفع الكلم الطيب وقد وصله بالاسناد ابن جرير والبيهقي رحمهما الله. ولفظه عند ابن جرير: الكلام الطيب ذكر الله والعمل الصالح آداء فرائضه فمن ذكر الله
_________________
(١) انظر موقف المتكلمين من الاستدلال بالنصوص للغصن ٢/ ٥٣٠
(٢) ذكر ذلك في كتاب التفسير (الزخرف، المعارج)
(٣) المفردات للراغب الأصفهاني ص ٣٢٩
[ ٢٠٦ ]
في آداء فرائضه حمل عليه ذكر الله فصعد به إلى الله ومن ذكر الله ولم يؤد فرائضه رد كلامه على عمله فكان أولى به (١)، وهذا نص من الكتاب وغيره معه كما قال تعالى ﴿يخافون ربهم من فوقهم﴾ النحل ٥٠
وقوله ﴿اني متوفيك ورافعك الي﴾ آل عمران ٥٥ وغيرها من الآيات.
ومن السنة النبوية المطهرة
أورد ﵀ حديث ابي هريرة المشابه لهذه الآيات وهو قوله: (يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار ويجتمعون في صلاة العصر وصلاة الفجر ثم يعرج الذين باتو فيكم) وهذا هو الشاهد عنده ﵀
قال الحافظ وقد تمسك بظواهر احاديث الباب من زعم ان الحق ﷾ في جهة العلو (٢) وظاهر سياق النصوص يدل على أن البخاري يقول بذلك كأن البخاري ﵀ يفسر تلك الآيات بهذا الحديث وقد خاطبهم الله الملائكة بدون واسطة إذ لو كان بوحي لم يكن هناك فرق بين كونهم في السماء أو في الارض
ومثله حديث ابي هريرة الآخر (من تصدق بعدل ثمرة من كسب طيب ولا يصعد إلى الله إلاّ الطيب) ففيه معنى الفوقية وصعود الشيء اليه سبحانه
وهذا من البخاري ﵀ تنويع في الادلة إذ ساق بعده حديث الكرب الذي تقدم في ذكر العرش، وساقه هنا لان الله اخبرنا أنه مستو على العرش، والعرش سقف المخلوقات وليس فوقه مخلوق، ثم ساق حديث بعث علي بن ابي طالب إلى النبي - ﷺ - بزكاة من اليمن ولمّا قسمها بين أصحابه. . . وفيه (فقال يا محمد اتق الله فقال ﵊ فمن يطيع الله إذا
_________________
(١) تفسير ابن جرير ٢٢/ ١٢١ والاسماء والصفات للبيهقي ص ٤٢٦
(٢) الفتح ١٣/ ٤٢٧
[ ٢٠٧ ]
عصيته؟ فيأمنني على أهل الارض ولا تأمنونني) والشاهد في هذا الحديث في رواية اخرى تقدمت في باب المغازي من الصحيح كما هي عادة البخاري وهي (الاّ تأمنوني وأنا أمين من في السماء يأتيني خبر السماء صباحًا ومساءًا) وهذا هو المقصود من الباب كما قال الحافظ ﵀ " وبهذا تظهر مناسبة هذا الحديث للترجمة لكنه جرى على عادته في إدخال الحديث في الباب للفظه تكون في بعض طرقه هي المناسبة لذلك الباب يشير إليها ويريد بذلك شحذ الأذهان والبعث على كثرة الاستحضار (١)
و(في) هنا بمعنى (على) كما قال البيهقي عن احمد بن إسحاق الضبعي كما في قوله تعالى: ﴿فسيحوا في الأرض﴾ التوبة ٢، أي على الأرض. (٢)
والسماء هي جهة العلو لا السماء التي تحت العرش
قال شيخ الإسلام " من توهم بان كون الله في السماء بمعنى أن السماء تحيط به وتحويه فهو كاذب؛ إن نقله عن غيره؛ وضال إن اعتقده في ربه بل هو فوق كل شيء وهو مستغن عن كل شيء وكل شيء مفتقر إليه وهو الحامل للعرش ولحملة العرش بقوته وقدرته (٣)
ومثله قوله تعالى ﴿ء أمنتم من في السماء) الملك ١٦ فإن الجهمية ومن تبعهم يؤلونها إلى من في السماء ملكه وسلطأنه ونحو ذلك ومن نظر في هذه الآية ثم قارنها بأختها التي تشبهها في سورة الإسراء بان له من هو الذي في السماء. قال تعالى ﴿وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلاّ إياه فلما نجاكم إلى البر أعرضتم وكان الإنسان كفورا﴾ الإسراء ٦٧، وهنا لا ريب أن الضمير عائد إلى الله ثم تتابع الآية ﴿أفأمنتم أن يخسف بكم جانب البر أو
_________________
(١) الفتح ١٣/ ٤٢٩
(٢) السماء والصفات للبيهقي ص ٤٢١
(٣) الفتاوى ٥/ ١٠٦
[ ٢٠٨ ]
يرسل عليكم حاصبًا﴾ الإسراء ٧٨، ولا يزال الضمير عائدًا على الله ففي آية الإسراء ﴿أفأمنتم أن يخسف. . . . . . أو يرسل﴾ وفي سورة الملك ﴿ء أمنتم من في السماء أن يخسف. . . . . . أم أمنتم من في السماء أن يرسل﴾ فالله هنا يخوفنا نفسه كما قال ﴿ويحذركم الله نفسه﴾ أل عمران ٢٨، وهكذا فسرت الآيات بعضها.
وقال القرطبي (ء أمنتم عذاب من في السماء أن عصيتموه). (١)
ثم أورد حديث أبي ذر في الشمس وقوله عليه الصلاة السلام (ومستقرها تحت العرش)، وهو مثل الذي قبله في استواء الله على عرشه وان عرشه أعلى ما تصل إليه الشمس في أوجها تكون تحته والله فوق العرش كما أخبر سبحانه.
وهذه الأدلة التي ساقها البخاري كتابًا وسنةً وعقلًا يفهم من النصوص أضاف إليها ﵀ دلالة الفطرة على علو الله ﵎.
فأورد أثر أبي ذرٍ لما بعث أخاه إلى مكة يستطلع له خبر الرسول - ﷺ - زمن بعثته فقال لأخيه: إعلم لي علم هذا الرجل الذي يزعم أنه يأتيه الخبر من السماء) ومعلوم أن الخبر لا يأتي إلا من مخبر والمخبر الذي يرسل الرسل بأوامره ونواهيه هو الله - جل وعلا - وهو في السماء أي في العلو بائن من خلقه (٢)
قال ابن أبي شيبة (٣) في كتاب العرش: اجمع الخلق جميعًا انهم إذا دعوا الله جميعًا رفعوا أيديهم إلى السماء فلو كان الله في الأرض السفلى ما كانوا يرفعون أيديهم إلى السماء وهو
_________________
(١) تفسير القرطبي ١٧/ ٢١٥
(٢) شرح كتاب التوحيد للغنيمان ١/ ٤٤٣
(٣) عبدالله بن محمد العبسي، حافظ للحديث له المسند والمصنف، (ت ٢٣٥ هـ) الأعلام (٤/ ١١٧).
[ ٢٠٩ ]
معهم في الأرض (١) ومثله قال ابن قتيبة ﵀: وأما قوله ﴿إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه﴾ فاطر ١٠، فكيف يصعد إليه شيء وهو معه؟ أو يرفع إليه عمل وهو عنده؟ وكيف تعرج الملائكة والروح إليه يوم القيامة؟ ولو أن هؤلاء - يعني منكرو العلو - رجعوا إلى فطرهم وما ركبت عليه خلقتهم من معرفة الخالق سبحانه لعلموا أن الله تعالى هو العلي وهو الأعلى وهو بالمكان الرفيع وان القلوب عند الذكر لتسموا نحوه والأيدي ترفع بالدعاء إليه ومن العلو يرجى الفرج ويتوقع النصر وينزل الرزق. (٢)
ونختم هذا المبحث بقصة الإمام الجويني المشهورة مع الهمذاني محمد بن الحسن الذي قال سمعت أبا المعالي الجويني وقد سئل عن قوله تعالى ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ طه ٥، فقال: كان الله ولا عرش - وجعل يتخبط بالكلام - فقلت قد علمنا ما أشرت إليه فهل عندك للضرورات من حيلة؟ فقال: ما تريد بهذا القول وما تعني بهذه الإشارة؟ فقلت ما قال عارف قط يا رباه إلاّ قبل أن يتحرك لسأنه قام من باطنه قصد لا يلتفت يمنة ولا يسرة يقصد الفوق فهل لهذا القصد الضروري عندك من حيلة؟ فنبئنا نتخلص من الفوق والتحت - وبكيت وبكى الخلق - فضرب الأستاذ بكمه على السرير وصاح: يا للحيرة ونزل قال فسمعت أصحابه يقولون: سمعناه يقول حيرني الهمذاني (٣)
وحدث مثل هذا لابن تيمية وقد حكاه بقوله: ولقد كان عندي من هؤلاء النافين لهذا - يعني العلو والفوقية - من هو من مشايخهم وهو يطلب مني حاجة وأنا أخاطبه في هذا المذهب
_________________
(١) كتاب العرش لابن ابي شيبة ص ٥١
(٢) تأويل مختلف الحديث لابن قتيبية ص ٣٢٨
(٣) راوي هذه القصة بإسناده الذهبي في (العلو) وقال الألباني في المختصر إسناد هذه القصة مسلسل بالحفاظ ص ٢٧٧
[ ٢١٠ ]
كأني غير منكر له وأخرت قضاء حاجته حتى ضاق صدره فرفع رأسه إلى السماء وقال: يا الله فقلت له: أنت محقق! لمن ترفع رأسك؟ وهل فوق عندك أحد؟ فقال: استغفر الله ورجع عن ذلك لما تبين له أن اعتقاده يخالف فطرته ثم بينت له فساد هذا القول فتاب من ذلك ورجع إلى قول المسلمين المستقر في فطرهم (١)
ولعظم هذه المسألة وظهورها لدى أئمة أهل العلم أفردوها بالتأليف كابن قدامة في (إثبات صفة العلو) وابن القيم (اجتماع الجيوش الإسلامية) والذهبي (العلو للعلي الغفار) وغيرهم ممن جعلها ضمن مسائل العقيدة ﵏ جميعًا وقبلهم جميعًا أشار اليها امامنا البخاري ونوع في الأدلة عليها وساق الارشادات البديعة والاستنباطات من النصوص وأورد الأدلة العقلية التي فهمها من كلام الله وكلام رسول الله - ﷺ -
_________________
(١) درء تعارض العقل والنقل ٦/ ٤٣ ٢ - ٢٤٤
[ ٢١١ ]