وهي مشيئة الله ﵎ وإرادته فهو سبحانه ما شاء الله كان وما لم يشاء لم يكن، له المشيئة العامة والإرادة التامة، وقد ذكر الله ﵎ مشيئته في القرآن الكريم في ما يقرب من أربعمائة موضع.
وهنا مسألة هل الإرادة والمشيئة بمعنى واحد أي مترادفتان أو متباينتان؟
قال الإمام البيهقي -﵀- أنهما بمعنى واحد، فقال: جماع أبواب إثبات صفة المشيئة والإرادة لله وكلتاهما عبارتان عن معنى واحد. (١) وهناك من يفصل بأن المشيئة معنًا من معاني الإرادة وليست مرادفة لها. (٢)
والإرادة تنقسم إلى قسمين:
أولًا: إرادة كونية لابد فيها من وقوع المراد، وقد يكون المراد محبوبًا أو غير محبوب.
ثانيًا: إرادة شرعية، فلا يلزم فيها وقوع المراد، ولا يكون المراد فيها محبوبًا لله.
وتكون الإرادة الشرعية بمعنى المحبة.
ودليل الكونية ﴿فمن يريد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام﴾ الأنعام ١٢٥. ودليل الشرعية ﴿والله يريد أن يتوب عليكم﴾ النساء ٢٧.
وأمر الله ﵎ نوعان:
_________________
(١) الأسماء والصفات للبيهقي صـ ١٧٥.
(٢) شرح كتاب التوحيد لابن عثيمين صـ ١٤٧. وانظر شرح كتاب التوحيد للهاشمي صـ ١٤٦. ومعجم ألفاظ العقيدة صـ ٢٩.
[ ١٦٢ ]
أمر تكوين (كوني).
وأمر تعبد (شرعي).
وهذا التقسيم الذي يشير إليه كثيرٌ من متأخري أهل السنة كإبن تيمية وابن القيم وابن إبي العز الحنفي. قد سبقوا إليه، وهو تقسيم متقدم.
وأقدم من وجدته فعل ذلك الإمام محمد بن نصر المروزي صاحب الإمام البخاري وتلميذه والملتقي معه في كثير من شيوخه (٢٠٢ هـ - ٣٩٣ هـ).
قال في كتابه " تعظيم قدر الصلاة" في معرض ذكر الخلاف بين الإيمان والإسلام وبعض مسائله:
والأمر من الله ورسوله قد يتجه على وجوه:
١ - فوجه منه أمر تكوين للشيء، قال تعالى: ﴿وما أمرنا إلاّ واحدة كلمح بالبصر﴾ القمر ٥٠. فهذا أمر التكوين الذي لا يأمر الله به إلاّ مرة واحدة حتى يكون المأمور به كما أراد الله، قال تعالى: ﴿إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون﴾ النحل ٤٠، ومن ذلك قوله تعالى للذين اعتدوا: ﴿كونوا قردة خاسئين﴾ البقرة ٦٥. فكانوا قردة ولم يكن لهم في كونهم قردة نية ولا إرادة.
٢ - ومنه أمر التعبد: قال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم﴾ النساء ١٣٥.
فهذا الأمر بخلاف الأمر الأول، هذا أمر تعبد يكون المأمور به بين أمرين:
[ ١٦٣ ]
إن عمل بما أمره الله بنية وإرادة كان مطيعًا لله عاملًا له، وإن ترك أمره قاصدًا لذلك، كان عاصيًا لله وذلك بتقدير العزيز العليم.
- ثم قال- وأمر التعبد يعيده مرة بعد أخرى ويكرره ويعد على العمل به ويوعد على ترك العمل به، وأمر التكوين لا يكون إلاّ مرة واحدة ولا وعد فيه ولا وعيد. (١)
وهناك إشارة إلى تعلق هذا الأمر بالإرادة وضّحه الإمام ابن القيم بقوله: أمر الله ﵎ نوعان، أمر كوني قدري، وأمر ديني شرعي، فمشيئته سبحانه متعلقة بأمره وخلقه الكوني وكذلك تتعلق بما يحبه وبما يكرهه كله داخل تحت مشيئته كما خلق إبليس وهو يبغضه وخلق الشياطين والكفار والأفعال المسخوطة له وهو يبغضها فمشيئته ﷾ شاملة لذلك كله.
وأما محبته ورضاه فمتعلقة بالأمر الديني وشرعه الذي شرعه على ألسنة رسله فما وجد فيه تعلقت به المحبة والمشيئة جميعها، فهو محبوب للرب واقع بمشيئته كطاعات الملائكة والأنبياء والمؤمنين وما لم يوجد منه تعلقت به محبته وأمره الديني ولم تتعلق به مشيئته، وما وجد من الكفر والفسوق والمعاصي تعلقت به مشيئته لا محبته، فلفظ المشيئة كوني ولفظ المحبة ديني شرعي والإرادة الكونية هي المشيئة. (٢)
_________________
(١) تعظيم قدر الصلاة للمروزي ٢/ ٥٥٦، ٥٥٨.
(٢) شفاء العليل لابن القيم صـ ٨٨.
[ ١٦٤ ]
وهذا الذي قرره شارع الطحاوية ونسبه إلى المحققين من أهل السنة وأن المشيئة هي الإرادة الكونية الشاملة لجميع الحوادث كقوله تعالى عن نوح ﴿ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم﴾ (١) هود ٣٤.
واختلفوا هل مشيئة الله شاملة لفعله وفعل عباده أو هي خاصة بفعله؟
أهل السنة يقولون أنها عامة فيما يتعلق بفعله وفيما يتعلق بفعل عباده، ففعله كإنزال المطر والأحياء والإماتة، وفعل عباده كصلاح العبد وفساد العبد، قال تعالى ﴿لمن شاء منكم أن يستقيم وما تشاؤون إلا أن يشاء الله رب العالمين﴾ فقيد فعلهم بمشيئته فهي شاملة لفعل العبد أيضًا. (٢)
وأما الخلاف فيما يريده الله ﵎ من مثل قوله ﴿وإذا أردنا﴾ الإسراء ١٦، فالناس فيه على أقوال:
الأول: أن الإرادة أزلية قديمة واحدة وإنما يتجدد تعلقها بالمراد ونسبتها إلى الجميع واحدة، ولكن من خواص الإرادة أنها تخصص وهذا قول ابن كلاب والأشعري ومن تابعهما.
الثاني: أن الإرادة واحدة قديمة لكنها تحدث عند تجدد الأفعال، إرادات في ذاته بتلك المشيئة القديمة وهو قول الكرامية.
_________________
(١) شرح العقيدة الطحاوية صـ ٧٩، ٨٠.
(٢) شرح كتاب التوحيد لابن عثيمين صـ ١٤٨.
[ ١٦٥ ]
الثالث: من ينفون قيام الإرادة به وهو قول الجهمية والمعتزلة على خلاف بينهم فيمن ينفيها أو يفسرها بأنها نفس الأمر والفعل أو يقول بحدوث إرادة لا في محل كقول البصريين من المعتزلة. (١)
الرابع: أنه لم يزل مريد بإرادات متعاقبة، فنوع الإرادة قديم وأما إرادة الشيء المعين فإنه يريده في وقته وهو سبحانه يقدر الأشياء ويكتبها ثم بعد ذلك يخلقها، فهو إذا قدرها علم ما سيفعله وأراد فعله في الوقت المستقبل لكن لم يرد فعله في تلك الحال، فإذا جاء وقته أراد فعله فالأول عزم والثاني قصد (٢)، وهو قول أهل السنة.
ولعظم هذه المسألة بوب لها الإمام البخاري -﵀- بقوله: بابٌ في المشيئة والإرادة. ثم ساق الآيات والأحاديث التي تنص على مشيئته ﵎ التامة، وساق في بيانها بعد ست آيات ساق سبعة عشر حديثًا فيها ذكر المشيئة والإرادة بل أشار -﵀- إلى نوعي الإرادة، فأشار إلى الإرادة الكونية بقوله تعالى ﴿توتي الملك من تشاء﴾ آل عمران ٢٦، وقوله ﴿وما تشاؤون إلاّ أن يشاء الله﴾ الإنسان ٣٠، وقوله ﴿ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدًا إلاّ أن يشاء الله﴾ الكهف ٢٣، وقوله ﴿إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء﴾ القصص ٥٦. لأن الإرادة الكونية هي المشيئة العامة التي لا يخرج عنها شيء.
_________________
(١) انظر تفصيل أقوال المعتزلة في (المعتزلة) د. عواد المعتق صـ ١٠٣ وما بعدها. والرد عليهم في (الإبانة) للأشعري صـ ١١٧ - ١٢٦.
(٢) من كلام شيخ الإسلام (الفتاوى ١٦/ ٣٠١ - ٣٠٣) بتصرف.
[ ١٦٦ ]
وأشار إلى النوع الثاني من الإرادة وهي الدينية الأمرية والتي تتضمن الأمر والمحبة والرضى بقوله تعالى ﴿يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر﴾ (١) البقرة ١٨٥.
وأما الأحاديث فسأبين الشاهد منها على وجه الاختصار لطولها فمنها:
حديث أنس (ولا يقولن أحدكم إن شئت فأعطني فإن الله لا مستكره له) فيه أن تعليق الدعاء بالمشيئة يشعر بأن الله يعطي ما لا يريد كما يحصل لابن آدم وهذا لا يجوز اعتقاده لأن ليس بعد المشيئة إلا الإكراه، والله لا مكره له. (٢)
والحديث الثاني: حديث علي -﵁- وفيه [إنما أنفسنا بيد الله فإذا شاء أن يبعثنا بعثنا] فيه بيان أنه لا ينبغي معارضة الأمر بالقدر ولهذا انصرف النبي ﵊ كارهًا لمقالته، وتلا قوله تعالى ﴿وكان الإنسان أكثر شيء جدلًا﴾ الكهف ٥٤، ومن إنكاره ضربه فخذه ﵊ كما في الحديث.
والحديث الثالث: حديث أبي هريرة وفيه قوله [فيقصمها الله إذا شاء] وهي معنى المشيئة النافذة السابقة أي في الوقت الذي سبقت إرادته إن يقصمها فيه.
الحديث الرابع: حديث ابن عمر وفيه [ذلك فضلي أوتيه من أشاء] وهذا رد على المعتزلة إذ الإشارة بقوله [ذلك فضلي] إلى جميع الثواب لا إلى القدر الذي يقابل العمل كما يقوله المعتزلة واثبت مشيئة في فعله لا في فعل العبد. (٣)
_________________
(١) شرح كتاب التوحيد للغنيمان ١/ ٢٥٢ بتصرف.
(٢) ويدخل في ذلك الدعاء المشهور وليس بحديث [اللهم إني لا أسألك رد القضاء ولكن أسألك اللطف فيه] فهذا من جنس ما نهى عنه الحديث لقوله ﵊ [لا يرد القدر إلاّ الدعاء] رواه الترمذي ٢/ ٢٠، ولأن في صيغة هذا الدعاء ما يشعر أنه أمر كبير على الله إن يرد القضاء بالدعاء، أو بمعنى لا يهمني الفقر أو المرض ولكن الطف فيه وهذا خطأ. شرح كتاب التوحيد لإبن عثيمين صـ ١٥٥.
(٣) انظر المناسبات في الفتح ١٣/ ٤٥٩ وشرح التوحيد للغنيمان ٢/ ٢٥٦ وابن عثيمين صـ ١٥٨، والفتاوى لشيخ الإسلام ٨/ ٢٤٤، والشريعة للآجري صـ ١٥٠ وما بعدها.
[ ١٦٧ ]
وهكذا في بقية الأحاديث التي تدل على مشيئته ﵎ وإرادته وما تعلقت به إرادته الكونية، وقد أجمل ووضح شيخ الإسلام -﵀- فذكر أن الأشياء باعتبار تعلق الإرادتين بها من عدمه لا تخرج عن أربعة أقسام:
أحدها: ما تعلقت به الإرادتان وهو ما وقع في الوجود من الأعمال الصالحة، فهذه مرادة دينًا وشرعًا؛ لأنها محبوبة ومرضية ومرادة كونًا وشرعًا لوقوعها ولولا ذلك لما كانت.
الثاني: ما تعلقت به الإرادة الدينية فقط، وهو ما أمر الله به من الأعمال الصالحة مما لم يقع كايمان أبي جهل وسائر الكفار، فهذه مرادة دينًا لأنها من الأعمال الصالحة التي يحبها الله ويرضاها وليست مرادة كونًا لأنها لم تقع.
الثالث: ما تعلقت به الإرادة الكونية فقط وهو ما وقع من المعاصي، فهذه مرادة كونًا؛ لأنها وقعت وغير مرادة دينًا وشرعًا لأن الله لم يأمر بها ولم يرضها ولم يحبها.
الرابع: ما لم تتعلق به الإرادة الكونية ولا الشرعية، فهذا ما لم يكن ولم يقع من أنواع المعاصي (١) وهنا تبين أن لفظ الإرادة ينقسم إلى كونية وهي المشيئة وإرادة دينية وهي المحبة والرضى، وأن السلف فهموا الفرق بينهما ويدل على ذلك تنوع الإستدلال في التبويب والتصريح كما في كلام الإمام المروزي.
_________________
(١) مجموع الفتاوى ٨/ ١٨٩.
[ ١٦٨ ]