الاسم مشتق من السمو والرفعة (١) وورد إثبات لفظ الاسم لله ﵎، على وجه التفصيل فمما ورد في إثبات لفظ (الاسم) في القرآن ونسبته إلى الله قوله تعالى، ﴿ولله الأسماء الحسنى﴾ الأعراف ١٨٠، وقوله، ﴿الله لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى﴾ طه ٨ وقوله، ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾ الأعلى ١.
ومن الأحاديث " اللهم باسمك أموت وأحيا"، " بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء" وكذلك ورد الإثبات المفصل لأسماء الله الحسنى في الكتاب والسنة كآخر سورة الحشر ﴿هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس﴾ الحشر ٢٣.
وختام كثير من الآيات يكون بهذه الأسماء ﴿إنه هو العزيز الحكيم﴾ العنكبوت ٢٦، ﴿والله غني حليم﴾ البقرة ٢٦٣، ﴿إن الله كان عليمًا حكيمًا﴾ النساء ١١.
ومن السنة قوله - ﷺ - "إن الله جميلٌ يحب الجمال" (٢) وقوله " إن الله هو السلام". (٣)
فهذه أدلة صريحة على إثبات صحة نسبة الاسم لله ﵎. (٤)
ويذهب السلف الصالح إلى وجوب إثبات أسماء الله ﷿ إثباتًا حقيقيًا بألفاظها ومعانيها سواءً ما جاء به القرآن أو ما قاله الرسول - ﷺ -، قال تعالى، ﴿ولله الأسماء
_________________
(١) الاشتقاق للزجاج صـ ٢٢٥.
(٢) رواه مسلم ح (١٣١).
(٣) رواه البخاري ح (٦٨٣٣).
(٤) انظر للتوسع شرح أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي ٢/ ٢١٦.
[ ٧٥ ]
الحسنى فادعوه بها﴾ الأعراف ١٨٠، وقال جل شأنه، ﴿قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيًا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى﴾ الإسراء ١١٠. وقد أنكرها الجهمية ونفوها عن الله تعالى، وزعموا أنه لا يجوز تسمية الله ﷿ باسم يصح إطلاقه على المخلوق، مدعين أن ذلك يقتضي التشبيه، لأجل هذا أثبتوا بعض الأسماء التي رأوا أنها لا يجوز أن تكون مشتركة بين الخالق والمخلوق، كالمحيي والمميت والخالق والقادر. . مع أنهم يطلقون الأسماء كلها على الله ﷿ على جهة المجاز.
قال ابن خزيمة -رحمه الله تعالى- في الرد عليهم، " وليس في تسميتنا بعض الخلق ببعض اسامي الله تعالى بموجب عند العقلاء الذين يعقلون عن الله خطابه أن يقال، أنكم شبهتم الله بخلقه إذا أوقعتم بعض اسامي الله تعالى على بعض خلقه. وهل يمكن عند هؤلاء الجهال حل هذه الأسامي من المصحف أو محوها من صدور أهل القرآن أو ترك تلاوتها، أليس قد أعلمنا منزل القرآن على نبيه - ﷺ - أنه الملك وسمى بعض عبيده ملكًا، وأخبرنا أنه السلام وسمى تحية المؤمنين بينهم سلامًا في الدنيا وفي الجنة فقال، ﴿تحيتهم يوم يلقونه سلام﴾ الأحزاب ٤٤. وأعلمنا أنه المؤمن وسمى بعض عباده مؤمنًا فقال، ﴿إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم﴾ (١) الأنفال ٢.
فكل ما مضى عليه كتاب الله وحديث رسوله - ﷺ - وجب الإيمان به، فمن أنكر أو ألحد فإنه يخشى عليه من الكفر بعد ثبوت الحجة عليه، كما قال الإمام الشافعي - ﵀-، (لله تعالى أسماء وصفات جاء بها في كتابه، وأخبر بها نبيه - ﷺ - لا يسع أحدًا من خلق الله تعالى قامت عليه الحجة ردَّها لأن القرآن نزل بها، وصح عن رسوله - ﷺ - القول بها، فإن خالف ذلك
_________________
(١) التوحيد لابن خزيمة ١/ ٦٥.
[ ٧٦ ]
بعد ثبوت الحجة عليه فهو كافر بالله تعالى، فأما قبل ثبوت الحجة عليه من جهة الخبر فمعذور بالجهل؛ لأن علم ذلك لا يدرك بالعقل ولا بالرؤية ولا بالفكر. (١)
ويقسم بعض العلماء الأسماء الإلهية من حيث ورودها إلى ثلاثة أقسام،
أولًا، الأسماء المفردة كالرحمن، والرحيم، والسميع، والعليم، ونحو ذلك. وهي على أوجه،
- فمنها ما يرجع إلى صفات معنوية كالعليم والقدير.
- ومنها ما يرجع إلى أفعال الرب ﵎ مثل الخالق، الرزاق.
- ومنها ما يرجع إلى تنزيه محض، ولابد من تضمنه ثبوتًا إذ لا كمال في العدم المحض كالقدوس، والسلام.
- ومنها الاسم الدال على جملة أوصاف عددية لا تختص بصفة معينة بل هو دال على معناه لا على معنى مفرد مثل (المجيد، العظيم، الصمد). (٢)
ثانيًا، الأسماء المتقابلة،
- كقولنا الظاهر والباطن والقابض والباسط والمعز والمذل والضار والنافع لأن إطلاق واحد من غير ما يقترنه يوهم نقصًا تعالى الله عنه، فلا يطلق المانع والقابض والمذل على انفراد كل واحد فيما يقابله، فهي لم ترد في الوحي إلا كذلك. (٣)
_________________
(١) ذم التأويل لابن قدامه صـ ٢١، تحقيق بدر البدر.
(٢) بدائع الفوائد لابن القيم ١/ ١٥٩ بتصرف.
(٣) معارج القبول للحكمي ١/ ٦٤ بتصرف.
[ ٧٧ ]
- والجمع بينهما يكون وصف مدح إذ يدل على أن طرفي الأمور بعيدة كما قاله الغزالي في المقصد الأسنى. (١)
- وقال الإمام الخطابي -رحمه الله تعالى-، " وإذا ذكرت القابض مفردًا عن الباسط كنت قد قصرت الصفة على المنع والحرمان وإذا أوصلت أحدهما بالآخر فقد جمعت بين الصفتين منبئًا عن وجه الحكمة فيهما. (٢)
- ثالثًا، الأسماء المضافة إليه- تعالى-، وهي نوعان،
- الأول، المضافة إلى الخلق (كرب العالمين، مالك يوم الدين، رب العرش) ونحوها.
- الثاني، المضافة إلى لفظ (ذو) نحو " ذو الطول، ذو الجلال والإكرام، ذو القوة المتين، ذو العرش المجيد".
- وورد عدة تقسيمات أخرى لا يخلو بعضها من تكلف، عدها بعضهم خمسًا وبعضهم عشرًا. (٣)
وجمهور أهل السنة أن أسماء الله توقيفية لا يجوز تسميته بما لم يرد به السمع، وذلك أن أسماء الله وصفاته من الأمور الغيبية التي لا يمكن لنا أن نعرفها إلا عن طريق الرسل الذين يطلعهم الله على ما يشاء من الغيب، ثم هم (يبلغونه للناس)، ولا يجوز القياس فيها، أو الاجتهاد؛ ولأن هذا هو الطريق الصحيح والوحيد لمعرفة توحيد الله ﷿، وأسماءه وصفاته،
_________________
(١) المقصد الأسنى للغزالي صـ ١٥٦.
(٢) شأن الدعاء (٥٧ - ٥٨).
(٣) فتح الباري ١١/ ٢٢٣، أسماء الله للأشقر (٨٠ - ٨٣).
[ ٧٨ ]
وهو الاعتماد على الوحي الذي أوحاه الله إلى نبيه وأمره باتباعه، قال تعالى، ﴿فاعلم أنه لا إله إلا الله﴾ محمد ٩، وقال تعالى، ﴿وإن اهتديت فبما يوحي إلى ربي﴾ سبأ ٥٠.
قال الزجاج، " لا يجوز لأحد أن يدعو الله بما لم يصف به نفسه". (١) وقال الخطابي، "ومن علم هذا الباب، أعني الأسماء والصفات، ومما يدخل في أحكامه ويتعلق به من شرائط أنه لا يتجاوز فيها التوقيف، ولا يستعمل فيها القياس، فيلحق بالشيء نظيره في ظاهر وضع اللغة ومتعارض الكلام. (٢) وقال ابن قدامة (٣)، "ومذهب السلف -رحمة الله عليهم- الإيمان بصفات الله تعالى وأسمائه التي وصف بها نفسه في آياته وتنزيله أو على لسان رسوله من غير زيادة عليها ولا نقص منها ولا تجاوز لها ولا تفسير لها ولا تأويل لها بما يخالف ظاهرها (٤) ".
وقد خالف بعض المعتزلة أهل الحق في هذا الباب وقالوا، أن العقل دال على جواز تسمية الله باسم، وأن الأسماء مأخوذة من الاصطلاح والقياس.
وكان الجبائي (٥) يقول، أن العقل إذا دل على أن الباري عالم، فواجب أن تسميه عالم، وإن لم يسم نفسه بذلك إذا دل العقل على المعنى وكذلك في سائر الأسماء. (٦)
_________________
(١) فتح الباري ١١/ ٢٢٣.
(٢) شأن الدعاء صـ ١١١ - ١١٢.
(٣) عبدالله بن أحمد الموفق بن قدامه، إمام الحنابلة في الشام، كثير التأليف صاحب (المغني) وغيره (ت ٦٢٠ هـ) الأعلام (٩/ ٢٢٢).
(٤) ذم التأويل صـ ٩.
(٥) أبوهاشم عبدالسلام ابن شيخ المعتزلة، أخذ عن والده وشهر المذهب ودافع عنه. (ت ٣٢١ هـ) سير أعلام النبلاء (١٥/ ٦٣).
(٦) مقالات الإسلاميين الأشعري ٢/ ٢٠٧.
[ ٧٩ ]
ومناظرة الأشعري للجبائي في هذا مشهورة والتي قال في آخرها الجبائي، لم منعت أنت أن يسمى الله عاقلًا وأجزت حكيمًا؟ فقال، لأن طريقي في مأخذ أسماء الله الأذن الشرعي دون القياس اللغوي. (١)
وقد قدمنا الأدلة على التوقيف في إطلاق الأسماء على الله لأنها من الأمور الغيبية والتي لا مجال للعقل فيها قال - ﷺ -، " لا نحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك" (٢) والتسمية من الثناء فدل على أن العقل لا مجال له في باب الأسماء إلا التصديق والوقوف عند النصوص. (٣)
_________________
(١) طبقات السبكي ٣/ ٣٥٧.
(٢) رواه مسلم ح (٢٢٢).
(٣) للتوسع انظر الأسماء الحسنى لعبد الله الغصن صـ ٦١.
[ ٨٠ ]