بوب البخاري -﵀- للنعوت التي يجوز إطلاقها على الله ﷿، فقال: باب [ما يذكر في الذات والنعوت واسامي الله].
واستشهد بقول الصحابي الجليل خبيب بن عدي (١) -﵁- حين عرض على القتل، فقال: "وذلك في ذات الإله"، قال البخاري: فذكر الذات باسمه تعالى.
قال الحافظ -﵀- واستعمال البخاري لها دال على أن المراد بها نفس الشيء على طريقة المتكلمين في حق الله تعالى ففرق بين النعوت والذات. (٢)
وقد سمع النبي - ﷺ - هذه الأبيات، ولم يرد إنكاره لها فدل على جواز ذلك، وفي أثر لابن عباس وابن عمر -﵃- وربما رفعاه قالا: "تفكروا في كل شيء ولا تفكروا في ذات الله". (٣)
وقال حذيفة بن اليمان لعمر بن الخطاب ﵄ إن جمعت في الله وقسمته في ذات الله فأنت أنت وإلا فلا. (٤)
وذكر هذا الإمام ابن مندة فقال: إن ذات الله ﷿ موصوفة بالعلم غير مدركة بالإحاطة ولا مرئية بالأبصار في دار الدنيا لقوله ﵊: (إنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا) (٥)، وهو موجود بحقائق الإيمان على الإتقان بلا إحاطة إدراك بها بل هو أعلم
_________________
(١) وذلك في قصة غزوة الرجيع رواها البخاري وغيره ح (٣٩٨٩).
(٢) الفتح ١٣/ ٣٨٢.
(٣) رواه البيهقي في الأسماء والصفات صـ ٢٤٠، والألباني في الصحيحة ٤/ ٣٩٥ وقال حسن بمجموع طرقه.
(٤) رواه ابن مندة في التوحيد ٣/ ٣٢.
(٥) رواه مسلم ح (٢٠٤٤).
[ ١٠٩ ]
بذاته، فهو موصوف غير مجهول، وموجود غير مدرك، ومرئي غير محاط به لقربه كأنك تراه، وقريب غير ملازق، وبعيد غير منقطع، يسمع ويرى وهو العلي الأعلى، وعلى العرش استوى ﵎، ظاهر في ملكه وقدرته، وقد حجب عن الخلق كنه ذاته، ودلهم عليه بآياته، فالقلوب تعرفه والعقول لا تكيفه، وهو بكل شيء محيط، وهو على كل شيء قدير. (١)
وأصل كلمة ذات هي بمعنى صاحبة، وهي تأنيث كلمة "ذو". (٢)
ومن هنا أنكر بعض الأدباء -كما قال النووي - إطلاق ذات على الحقيقة، فهي عندهم بمعنى صاحبة، وقالوا: ليس لها في اللغة مدلول غير ذلك، وأنكر الكندي إطلاق المتكلمين وغيرهم الذات بمعنى النفس. (٣)
وأجاب الحافظ بأن الممتنع استعمالها بمعنى صاحبه، أما إذا قطعت عن هذا المعنى واستعملت بمعنى الإسمية فلا محذور لقوله تعالى: ﴿إنه عليم بذات الصدور﴾ الأنفال ٤٣، أي بنفس الصدور. (٤)
ولهذا قال البخاري -﵀- (فذكر الذات باسمه تعالى) أي أقام الذات مقام اسمه تعالى. (٥)
قال شيخ الإسلام: " لفظ ذات تأنيث ذو، وذلك لا يستعمل إلا فيما كان مضافًا إلى غيره منهم يقولون: فلان ذو علم وذو قدرة، ونفس ذات علم وقدره، وحيث جاء في القرآن أو
_________________
(١) التوحيد لابن مندة ٣/ ٣٤.
(٢) تهذيب الاسماء واللغات للنووي ٢/ ١٦٣.
(٣) الفتح ١٣/ ٣٨٢.
(٤) المصدر السابق ١٣/ ٣٨٢.
(٥) شرح كتاب التوحيد للغنيمان ١/ ٢٤٣.
[ ١١٠ ]
لغة العرب لفظ (ذو)، ولفظ (ذات) لم يجيء إلا مقرونًا بالإضافة كقوله تعالى: ﴿فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم﴾ الأنفال ١، وقوله: ﴿عليم بذات الصدور﴾ الأنفال ٤٣، وقول خبيب -﵁- (وذلك في ذات الإله) ونحو ذلك.
لكن لما صار النظار يتكلمون في هذا الباب قالوا: إنه لا يقال أنها ذات علم وقدرة ثم إنهم قطعوا هذا اللفظ عن الإضافة وعرفوه، فقالوا: الذات، وهو لفظ مولد ليس من لفظ العرب العرباء، ولهذا أنكره طائفة من أهل العلم كأبي الفتح ابن برهان (١)، وابن الدهان (٢) وغيرهما، وقالوا: ليست هذه اللفظة عربية.
ثم حدد -﵀- أنها لفظة مولده كالموجود والماهية والكيفية (٣)، وقال: هذا اللفظ يقتضي وجود صفات تضاف الذات إليها. فيقال ذات علم وذات قدرة وذات كلام فإنه لا يمكن وجود شيء قائم بنفسه في الخارج لا يتصف بصفة ثبوتية أصلًا. (٤)
وهنا يتبين أن إطلاق الذات على الله ليس كإطلاق الصفات، أي أنه وصف له، وإنما المراد التفرقة بين الصفة والموصوف، وقد تبين مراد الذين يطلقون هذا اللفظ إنما يريدون نفس الموصوف وحقيقته، فلا إنكار عليهم في ذلك كما وضحه شيخ الإسلام رحمه الله تعالى.
_________________
(١) أحمد بن علي بن برهان، فقيه بغدادي يضرب به المثل في حل الإشكال (ت ٥١٨ هـ) الأعلام (١/ ١٧٣).
(٢) سعيد بن المبارك الأنصاري، عالم باللغة والأدب له تفسير وعناية بكتب اللغة (ت ٥٦٩ هـ) الأعلام (٣/ ١٠٠).
(٣) الوجود: مبدأ الآثار وهو الذي يمكن أن يخبر عنه. وضده المعدوم الماهية: ما به الشيء هو هو، فهي حقيقة الشيء وأساسه وجوهره، وهي إما بسيطة أو مركبة. الكيفية: هيئة قارة في الشيء لا يقتضي قسمةً ولا نسبةً لذاته. انظر التعريفات للجرجاني (٢٤١، ٢٥٠، ٣٠٥).
(٤) الفتاوى ٦/ ٩٨ - ٩٩.
[ ١١١ ]