وصف الله ﵎ نفسه في القرآن الكريم بصفات عديدة وورد على لسان رسوله - ﷺ - ما يوافق هذه الصفات وتلقاها السلف الصالح من الصحابة والتابعين وتابعيهم بالتسليم، ووصفوا الله على ماوصف به نفسه ومن غير ان يتدخلوا في هذه الصفات بالتأويل أو النفي أو الكيفية أو التحريف اللفظي أو المعنوي.
من هذه الصفات ما وقع فيها الخلاف متأخرًا عن القرون المفضلة من وصف الله ﵎ بالوجه أو اليدين أو العين والقدم والاصابع أو نحوها.
قال الاوزاعي: كان الزهري ومكحول يقولان امروا هذه الاحاديث كما جاءت (يعني احاديث الصفات). وقال سفيان الثوري كل شيء وصف الله به نفسه في القرآن فقراءته تفسيره لا كيف ولا مثل (١)، إلى غير ذلك من النصوص الكثيرة عن أئمة الهدى في وجوب الاذعان لكتاب الله وسنة رسوله - ﷺ - وقبول ما جاء فيهما من غير تدخل للعقل في تأويل هذه الصفات، وهذه الصفات هي أكثر الصفات التي وقع الاختلاف فيها وتسمى عند اهل الكلام الصفات الخبرية أو السمعية لانها ثبتت بالخبر فقط بخلاف غيرها عندهم فانه ثابت بالسمع والعقل وهذا لا يسلم لهم بل هذه الصفات مثل غيرها وقد وقع فيها الاختلاف بين الناس على ثلاثة مذاهب:
الأول: مذهب أهل السنة والجماعة وهو اثباتها لله ﷿ من غير تمثيل ولا تشبيه، فتصف الله بهذه الصفات على الحقيقة مع نفي مشابهتها للمخلوقين والبعد عن ما يصمه
_________________
(١) شرح اصول اعتقاد اهل السنه ٣/ ٤٧٨ وقد اطال النقل عن السلف في ذلك
[ ١٦٩ ]
المخالفون من شبهة التجسيم والتشبيه. قال الامام احمد ﵀ (التشبيه ان تقول يد كيد ووجه كوجه، فأما اثبات يد ليست كالأيدي ووجه كالوجوه فهو إثبات ذات ليست كالذوات (١)
الثاني: مذهب الجهمية والمعتزلة ومن تبعهم فهؤلاء أولوا فقالوا المراد بالوجه الذات وبالعين العلم واليد بالنعمه وهكذا. . وأدى بهم ذلك الظن إلى التأويل لئلا يقع التشابه بين الله وبين خلقه مع اثباتهم اسماء وصفات يشترك في بعضها المخلوقين مع الله كالعالم والقادر ونحوها.
الثالث: المشبهة الذين شبهوا صفات الله بصفات خلقه وقد ظنوا ان الاتفاق في الاسماء يستلزم الاتفاق في المسميات (٢)
وسنأتي على تفصيل ماورد في هذه الصفات من نصوص.
_________________
(١) مختصر الصواعق المرسله لابن القيم ١/ ٢٧
(٢) مقالات الاسلاميين للاشعري ١/ ٢٤٧ وما بعدها والفتاوى لابن تيمية ٧/ ٨٨ و٦/ ٣٥٤.
[ ١٧٠ ]
الوجه (١)
اثبت الله ﵎ لذاته المقدسة صفة الوجه في أربع عشرة آية من القرآن الكريم فقال ﴿كل شيء هالك إلاّ وجهه﴾ القصص ٨٨.
وقال ﴿انما نطعمكم لوجه الله﴾ الإنسان ٦، وقال ﴿ويبقى وجه ربك ذو الجلال والاكرام﴾.
وقد دلت السنة على مثل ذلك، فقال - ﷺ - (جنان الفردوس أربع، جنتان من فضة آنيتهما ومافيهما، وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلاّ رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن (٢)، وفي حديث ابو موسى الاشعري رضي الله عنهقال قام فينا رسول الله - ﷺ - بخمس كلمات، فقال: إن الله لا ينام ولا ينبغي له ان ينام يخفض القسط ويرفعه، يرفع اليه عمل الليل قبل عمل النهار وعمل النهار قبل عمل الليل حجابه النور، لو كشفه لاحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه (٣)
وكان من دعاءه ﵊ " اسألك لذة النظر إلى وجهك والشوق إلى لقائك" (٤) وقوله فيما استشهد به البخاري ﵀ فقال جابر بن عبد الله رضي الله عنهلمّا نزلت هذه الآية ﴿قل هو القادر على ان يبعث عليكم عذابًا من فوقكم﴾ قال - ﷺ - (اعوذ بوجهك)، قال: (أو من تحت أرجلكم)، قال: (أعوذ بوجهك)، قال (أو يلبسكم شيعًا)
_________________
(١) انظر التوحيد لابن خزيمة ١/ ٢٥ - ٤٤ والرد على الجهمية لابن مندة ٩٤ - ١٠٣ والاسماء والصفات للبيهقي ٢/ ٢٥ - ٣٩ والصفات للدار قطني ٥٥ - ٦٥ واصول الاعتقاد للالكائي ٢/ ٤٧٥ والرد على بشر للدارمي ص ٥١٨
(٢) رواه البخاري ٤٨٧٨ ومسلم ٢٩٦ وهذا لفظ مسلم.
(٣) رواه مسلم ٢٩٣.
(٤) رواه ابن ابي عاصم في السنة ح ٤٢٤ قال الالباني (حديث صحيح)
[ ١٧١ ]
فقال ﵊ هذا أيسر (١)، وقد ورد مثل هذا الوصف عن صحابة رسول الله - ﷺ - وسلف الامة.
فعن الزبير بن العوام ﵁ انه سئل بوجه الله فقال: أعطه فانه بوجه الله سأل لا بوجه الخلق. وعن القاسم بن محمد أنه سئل بوجه الله فقال لا يفلح من رّده (٢) وقال الامام ابن خزيمة ﵀: فنحن وجميع علمائنا من أهل الحجاز وتهامة واليمن والعراق والشام ومصر مذهبنا انا نثبت لله ما أثبته الله لنفسه نقر بذلك بالسنتنا ونصدق ذلك بقلوبنا من غير ان نشبه وجه خالقنا بوجه احد من المخلوقين (٣) ومثله يروى عن الامام ابي حنيفة فقال: ما ذكره الله في القرآن من ذكر الوجه واليد والنفس فهو له صفات بلا كيف (٤)، وقال الامام ابو الحسن الاشعري " فمن سألنا فقال أتقولون أن لله سبحانه وجهًا قيل له نقول ذلك خلافًا لما قاله المبتدعون (٥)
وهذه الصفة يقال فيها ما يقال في الصفات التي تسمى عند المتكلمين الصفات الخبرية فمنهم من نفاها كالجهمية والمعتزلة ومنهم من يتأول هذه الصفات ومنهم من يثبت ماورد في القرآن دون الحديث ويدخل في هذه الاقسام الاخيرة غالب الصفاتية وعلى رأسهم الكلايبيه ومن تبعهم، فمن نفى هذه الصفة فالنصوص الكثيرة التي سبق شيء منها يرد عليه ومن أولها فهو لا يخرج عن وصف الوجه بأن المراد به (ذاته أو نفسه وبالنعمة وبالاعمال الصالحة
_________________
(١) وقد اطال ابن خزيمة في الاحاديث النبوية في ذكر الوجه ثم قال: هذا باب طويل لو استخرج في هذا الكتاب اخبار النبي - ﷺ - التي فيها ذكر وجه ربنا لطال الكتاب، التوحيد ١/ ٤٤.
(٢) أصول إاعتقاد أهل السنة للالكائي ٣/ ٤٥٨
(٣) التوحيد لابن خزيمة ١/ ٢٦
(٤) الفقه الأكبر ص ٣٠٢ بواسطة أصول الدين عند ابي حنيفة للخميس ص ٣١٦
(٥) الابانة للاشعري ص ٤١
[ ١٧٢ ]
وبالقبلة) (١) وهنا يظهر أن الذين أولوا هذه الصفة اختلفوا فيما بينهم على تأويلها بل لا تجد فرقتين متفقتين بل في الفرقة الواحدة تجد الإختلاف، ويلزم من تأويل من تأول الوجه انه بهذه التأويلات مخلوق لان النعمة والقبلة والاعمال الصالحة مخلوقة، والبخاري رحمه الله تعالى بوب بآية القصص وهي ﴿كل شيء هالك إلاّ وجهه﴾ القصص ٨٨.
وبحديث (أعوذ بوجهك) فأثبت الوجه لله ثم بيّن أن وجه الله لا يكون مأولًا لأن تأويله بمخلوق يجعله مخلوقًا فأورد حينئذ الاستعاذة به والاستعاذة لا تكون بمخلوق، وهذا غاية الفقه.
قال ابن بطال: في هذه الآية والحديث دلالة على ان لله وجهًا وهو من صفات ذاته وليس بجارحة ولا كالوجوه التي نشاهدها من المخلوقين. (٢)
وقد يرد الوجه في القرآن ويراد به الثواب أو غيره، قال الامام ابن مندة في قوله تعالى: ﴿إلى ربها ناظرة﴾ القيامة ٢٣، قال: اجمع اهل التأويل كابن عباس وغيره من الصحابة ومن التابعين محمد بن كعب وعبد الرحمن بن سابط والحسن بن ابي الحسن وعكرمة وابو صالح وسعيد ابن جبير وغيرهم ان معناه إلى وجه ربها ناظرة. (٣) وقال: وأما الذي بمعنى الثواب فكقول الله ﷿ ﴿انما نطعمكم لوجه الله﴾ الانسان ٩ وقوله ﴿ولاتطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه﴾ الانعام ٥٢. (٤) وقد ورد عن بعض السلف كمجاهد وغيره تفسير الوجه بمعنى القبلة وهذا في موضع واحد هو قوله ﴿فاينما تولوا فثم وجه الله﴾ (٥) البقرة ١١٥، فان هذه الآية اختلف فيها هل هي من آيات الصفات أم لا وسواء حصل الاختلاف ام لا، فهل يصح ان يقال ذلك في بقية المواضع التي ذكر فيها الوجه؟ وقد اطال ابن القيم في مختصر الصواعق في بيان هذه المسألة من اثنين وعشرين وجهًا (٦) وقد أورد الامام البخاري ﵀ آية القصص في كتاب التفسير فقال (كل شيء هالك إلاّ وجهه) إلاّ ملكه ويقال: إلاّ ما أريد به وجه الله فهل أول البخاري هنا؟ أو هل رضي بالتأويل؟
والجواب: أن البخاري لا ريب ممن يثبت صفة الوجه لله ﵎ على الحقيقة ويدل على ذلك انه أوردها مبوبًا لها في كتاب التوحيد وهو مظنة هذه الامور الاعتقادية، ثم اتبعها بحديث (أعوذ بوجهك) فلا إشكال في إثباته للوجه صفة لله، وأما قوله إلاّ ملكه أو ما أريد به وجه الله فقد أوردها في كتاب التفسير عند تفسير سورة القصص، ومعلوم انه يريد بذلك ان هذا من تفسيرها التي تفسر به والذي يلاحظ ان البخاري ينقل عن أئمة اللغة والسلف معاني التفسير خاصة الفراء وابي عبيدة معمر بن المثنى، وقد فهم بعض شراح البخاري ان هذا تأويل منه واحتج بان قوله إلاّ ملكه غير مستقيم لان معنى الآية يكون حينئذٍ (كل شيء هالك إلاّ كل شيء) فان كل شيء ملكه (٧) ولكن البخاري هنا ﵀ مشى على منهجه في كتاب التفسير وهو ايراد معاني الآية فان قوله (إلاّ ما اريد به وجهه) مروي عن ابن عباس ومجاهد وسفيان كما في الدرر المنثور (٨) وذكر ابو عبيدة (٩) في مجاز القرآن والفراء (١٠)
_________________
(١) الرد على بشر الدارمي ص ٥١٦ - ٥١٧
(٢) الفتح ١٣/ ٤٠٠
(٣) الرد على الجهمية لابن مندة ص ١٠٢ وتفسير الطبري ٢٩/ ١٩٢
(٤) الرد على الجهمية لابن مندة ص ١٠٣
(٥) الاسماء والصفات للبيهقي ص ٣٨٥
(٦) مختصر الصواعق ٢/ ٣٣٥ - ٣٤٢
(٧) شرح كتاب التوحيد للغنيمان ١/ ٢٧٦
(٨) الدر المنثور للسيوطي ٦/ ٤٤٧ ونسبه البغوي إلى أبي العالية ٣/ ٤٥٩.
(٩) معمر بن المثنى أبو عبيدة النحوي من أئمة العلم بالأدب واللغة، كان إباضيًا، مكثر من التاليف في اللغة، (ت ٢٠٩ هـ) الأعلام (٧/ ٢٧٢).
(١٠) يحيى بن زياد الديلمي إمام الكوفيين وأعلمهم بالنحو واللغة يقال الفراء: أمير المؤمنين في النحو، وكان فقيهًا متكلمًا، (ت ٢٠٧ هـ) الأعلام (٨/ ١٤٥).
[ ١٧٣ ]
في معاني القرآن (١) ان معناها (إلاّ هو) وقال ابن كثير (إلاّ اياه) ثم ذكر ان لا منافاة بين القولين، فقول مجاهد والثوري ومن وافقهما اخبار عن كل الاعمال بانها باطلة إلاّ ما اريد بها وجه الله من الاعمال الصالحة المطابقة للشريعة والقول الآخر مقتضاه ان كل الذوات فانية وهالكة وزائلة إلاّ ذاته تعالى فانه الأول والآخر الذي هو قبل كل شيء وبعد كل شيء. (٢)
وقد نبه الحافظ ان في بعض روايات البخاري انه قال: قال معمر وهي رواية النسفي وهذا وهم فليس في كتاب معمر هذا اللفظ كما تقدم. ولفظ (إلاّ ملكه) ذكره غير واحد من السلف كما نقله شيخ الاسلام في الفتاوى عن الامام طاووس بن كيسان (٣) قوله (إلاّ ملكه) (٤) فالبخاري ناقل عن امام من أئمة السلف وهذه طريقته، فهذا من معاني قوله إلاّ وجهه وهذا الذي فهمه المفسر أبو حيان في تفسيره فقال (إلاّ ملكه) يفسرها قول الله حين ينفخ في الصور فتهلك جميع الخلائق فيقول ﴿لمن الملك اليوم﴾ (٥) غافر ١٦، وقال شارح الطحاوية في رده على الجهمية في استدلالهم بهذه الآية على عدم وجود الجنة والنار الآن، قال: فلم توفقوا أنتم ولا اخوانكم لفهم معنى الآية وإنما وفق لذلك أئمة الاسلام فمن كلامهم: ان المراد
_________________
(١) معاني القرآن للفراء ٢/ ٣١٤ مجاز القرآن لابى عبيدة ٢/ ١١٢
(٢) تفسير ابن كثير ٣/ ٦٤٣
(٣) طاووس بن كيسان الخولاني من أكابر التابعين تفقهًا في الدين ورواية في الحديث وتقشفًا في العيش وجرأة على وعظ الخلفاء، توفي حاجًا في مزدلفة سنة ١٠٦ هـ الأعلام (٣/ ٢٢٤).
(٤) الفتاوى ٢/ ٤٢٨
(٥) البحر المحيط لابي حيان النحوي (٤/ ١٧٣).
[ ١٧٤ ]
كل شيء مما كتب الله عليه الفناء والهلاك هالك والجنة والنار خلقتا للبقاء لا للفناء وكذلك العرش فانه سقف الجنة وقيل المراد إلاّ ملكه وقيل إلاّ ما أريد به وجهه. (١)
وقال الطبري في قوله تعالى ﴿لمن الملك اليوم. .﴾، يعني يقول الله لمن الملك فترك ذكر ذلك استغناء لدلالة الكلام عليه. (٢)
وعلى هذا يزول الاشكال في هذه المسألة فليس السلف هنا يقولون بان ظاهر الآية ممتنع أو ينفونها ولكن هنا استعمل التأويل على أصله الصحيح وهو التفسير ومعرفة المعنى وهو ما يعتمد على تفسير القرآن بالقرآن والسنة وأقوال الصحابة التابعين وتابعيهم والمعرفة بأساليب اللغة العربية وليس إلى ما ذهب اليه المتكلمون وهو صرف اللفظ عن ظاهره إلى معنًا آخر مع عدم اثبات الصفة أوصلهم إلى ذلك إلاّ لتقديمهم آرائهم على نصوص الوحي وجعلوها ميزانًا يوزن به كلام الله ورسوله فما وافق موازينهم قبلوه وما خالفها أولوه أو ردوه. فيثبت عندهم اللفظ ويصح النص ثم يحرفونه وهو ما يسمونه تأويلًا.
_________________
(١) شرح الطحاوية ص ٦٢٠
(٢) فتح الباري ١٣/ ٣٨٠، كما في الفتح ١٣/ ٣٨٠.
[ ١٧٥ ]
ولأهمية هذه المسألة انقل قواعد لشيخ الاسلام موضحة لمثل هذه المسألة
قال شيخ الاسلام ابن تيمية ﵀: ويجوز باتفاق المسلمين أن تفسر إحدى الآيتين بظاهر الأخرى وبصرف الكلام عن ظاهره إذ لا محذور في ذلك عند أحد مناهل السنة وإن سمي تأويلا وصرفا عن الظاهر فذلك لدلالة القرآن عليه لأنه تفسير للقرآن بالقرآن ليس تفسيرا له بالرأي، والمحذور إنما هو صرف القرآن عن فحواه بغير دلالة من الله ورسوله والسابقين والله اعلم ٠٠ (١)
وقال ﵀:
وهذا التوحيد وتفسيره المذكور فى قوله (ألا كل شئ ما خلا الله باطل) هو نحو مما ذكر فى قوله تعالى ﴿كل شئ هالك الا وجهه﴾ بعد قوله ﴿فلا تكونن ظهيرا للكافرين ولا يصدنك عن آيات الله بعد اذ أنزلت اليك وادع الى ربك ولا تكونن من المشركين ولا تدع مع الله الها آخر لا اله الا هو كل شيء هالك الا وجهه له الحكم واليه ترجعون﴾ فإن ذكره ذلك بعد نهيه عن الاشراك وأن يدعو معه الها آخر وقوله لا اله الا هو يقتضى أظهر الوجهين وهو أن كل شئ هالك الا ما كان لوجهه من الأعيان والاعمال وغيرهما
روى عن أبي العالية قال الا ما أريد به وجهه وعن جعفر الصادق الا دينه ومعناهما واحدوقد روى عن عبادة بن الصامت قال يجاء بالدينا يوم القيامة فيقال ميزوا ما كان لله منها قال فيماز ما كان لله منها ثم يؤمر بسائرها فيلقى فى النار وقد روى عن على ما يعم ففى تفسير الثعلبى عن صالح بن محمد عن سليمان ابن عمرو عن سالم الافطس عن الحسن وسعيد بن جبير عن على بن أبى طالب أن رجلا سأله فلم يعطه شيئا فقال أسألك بوجه الله فقال له
_________________
(١) الفتاوى ٦/ ٢١
[ ١٧٦ ]
على كذبت ليس بوجه الله سألتنى انما وجه الله الحق ألا ترى الى قوله كل شئ هالك الا وجهه يعنى الحق ولكن سألتنى بوجهك الخلق وعن مجاهد الا هو وعن الضحاك كل شئ هالك الا الله والجنة والنار والعرش وعن ابن كيسان إلا ملكه
وذلك أن لفظ الوجه يشبه أن يكون فى الاصل مثل الجهة كالوعد والعدة والوزن والزنة والوصل والصلة والوسم والسمة لكن فعله حذفت فاؤها وهى أخص من الفعل كالآكل والإكلة فيكون مصدرا بمعنى التوجه والقصد كما قال الشاعر
أستغفر الله ذنبا لست محصيه * رب العباد اليه الوجه والعمل
ثم أنه يسمى به المفعول وهو المقصود المتوجه اليه كما فى اسم الخلق ودرهم ضرب الأمير ونظائره ويسمى به الفاعل المتوجه كوجه الحيوان يقال أردت هذا الوجه أى هذه الجهة والناحية ومنه قوله ولله المشرقوالمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله أى قبلة الله ووجهة الله هكذا قال جمهور السلف وان عدها بعضهم فى الصفات وقد يدل على الصفة بوجه فيه نظر وذلك أن معنى قوله أينما تولوا أى تتولوا أى تتوجهوا وتستقبلوا يتعدى الى مفعول واحد بمعنى يتولاها ونظير ولى وتولى قدم وتقدم وبين وتبين كما قال لا تقدموا بين يدى الله ورسوله وقال بفاحشة مبينة وهو الوجه الذى لله والذى أمر الله أن نستقبل فان قوله ولله المشرق والمغرب يدل على أن وجه الله هناك من المشرق والمغرب الذى هو لله كما فى آية القبلة سيقول السفهاء من الناس ما ولا هم عن قبلتهم التى كانوا عليها قل لله المشرق والمغرب يهدى من يشاء الى صراط مستقيم فلما سألوا عن سبب التولى عن القبلة أخبر أن له المشرق والمغرب
وأما لفظ وجهة مثل قوله ولكل وجهة هو موليها فقد يظن أيضا أنه مصدر كالوجه كالوعدة مع الوعد وانها تركت صحيحة فلم تحذف فاؤها وليس كذلك
[ ١٧٧ ]
لأنه لو كان مصدرا لحذفت واوه وهو الجهة وكان يقال ولكل جهة أو وجه وإنما الفعلة هنا بمعنى المفعول كالقبلة والبدعة والذبحة ونحو ذلك فالقبلة ما استقبل والوجهة ما توجه اليه والبدعة ما ابتدع والذبحة ما ذبح ولهذا صح ولم تحذف فاؤه لأن الحذف إنما هو من المصدر ٠٠. الخ كلامه. (١)
وقال ﵀:
فإنه كثيرا ما يغلط الناس في هذا الموضع إذا تنازع النفاة والمثبتة في صفة ودلالة نص عليها يريد المريد أن يجعل ذلك اللفظ - حيث ورد - دالا على الصفة وظاهرا فيها. ثم يقول النافي: وهناك لم تدل على الصفة فلا تدل هنا. وقد يقول بعض المثبتة: دلت هنا على الصفة فتكون دالة هناك؛ بل لما رأوا بعض النصوص تدل على الصفة جعلوا كل آية فيها ما يتوهمون أنه يضاف إلى الله تعالى - إضافة صفة - من آيات الصفات. كقوله تعالى: ﴿على ما فرطت في جنب الله﴾. وهذا يقع فيه طوائف من المثبتة والنفاة وهذا من أكبر الغلط فإن الدلالة في كل موضع بحسب سياقه. وما يحف به من القرائن اللفظية والحالية
وهذا موجود في أمر المخلوقين يراد بألفاظ الصفات منهم في مواضع كثيرة غير الصفات. وأنا أذكر لهذا مثالين نافعين (أحدهما صفة الوجه فإنه لما كان إثبات هذه الصفة مذهب أهل الحديث والمتكلمة الصفاتية: من الكلابية والأشعرية والكرامية وكان نفيها مذهب الجهمية: من المعتزلة وغيرهم ومذهب بعض الصفاتية من الأشعرية وغيرهم صار بعض الناس من الطائفتين كلما قرأ آية فيها ذكر الوجه جعلها من موارد النزاع فالمثبت يجعلها من الصفات التي لا تتأول بالصرف والنافي يرى أنه إذا قام الدليل على أنها ليست صفة فكذلك غيرها. (مثال ذلك قوله تعالى ﴿ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله﴾. أدخلها في آيات الصفات طوائف من المثبتة والنفاة حتى عدها " أولئك " كابن خزيمة مما يقرر إثبات الصفة وجعل " النافية " تفسيرها بغير الصفة حجة لهم في موارد النزاع. (٢)