من الصفات الثابتة في الكتاب العزيز والسنة المطهرة اليدان قال تعالى ﴿بل يداه مبسوطتان﴾ المائدة ٦٤ وقال تعالى ﴿ما منعك ان تسجد لما خلقت بيدي﴾ ص ٧٥ وقال ﴿والسماوات مطويات بيمينه﴾ الزمر ٦٧ وقال ﴿يد الله فوق ايديهم﴾ الفتح ١٠. وقال ﴿بيده الملك﴾ تبارك ١ وقال ﴿بيدك الخير﴾ آل عمران ٢٦. وقال ﵊ كما في البخاري من حديث طويل وهو محاجة آدم وموسى وفيه: يا آدم انت ابونا خلقك الله بيده) وفيه (أنت موسى كلمك الله تكليمًا وخط لك التوراة بيده)، فاليد في ما سبق من النصوص هي يد حقيقية على ظاهرها خلافًا لمن أولها من الجهمية والمعتزلة ومن تبعهم. قال الامام المقدسي (٣) في كتابه الصفات: فلا نقول يد كيد ولا نكيف ولا نشبه ولا نتأول اليدين على القدرتين كما يقول اهل التعطيل والتأويل بل نؤمن بذلك ونثبت الصفة من غير تحديد ولا تشبيه، ثم قال ولا يصح حمل اليدين على القدرتين فان قدرة الله واحدة ولا على النعمتين فان نعم الله لا تحصى كما قال سبحانه ﴿وان تعدوا نعمة الله لا تحصوها﴾ ابراهيم ٣٤. (٤)
_________________
(١) التوحيد لابن خزيمة ص ٩٧
(٢) انظر في هذه الصفة الاسماء والصفات للبيهقي ٢/ ٤٣ - ٥٣ والتوحيد لابن خزيمة ٥٣ - ٧٦ والشريعة للآجري ٣٢١ والسنة لابن ابي عاصم ص ٤٧٣ والرد على الجهمية لابن منده ٣٩ - ٤٢
(٣) عبدالغني بن عبدالواحد المقدسي الحنبلي، من عائلة علمٍ وحديث، مكثر من التاليف، من أوائل من ألف في الرجال، (ت ٦٠٠ هـ) سير أعلام النبلاء (٢١/ ٤٤٣).
(٤) الصفات للامام عبد الغني المقدسي ص ٨٥ ضمن عقائد أئمة السلف
[ ١٨٠ ]
قال الامام البربهاري (١) " واعلم انما هلال الجهمية من انهم فكروا في الرب ﷿ فأدخلوا (لم وكيف) وتركوا الأثر ووضعوا القياس، قاسوا الدين على رأيهم فجاؤوا بالكفر عيانًا " (٢) وعلى هذا اثبت الأئمة في ما ساقوه في معتقداتهم ومصنفاتهم في ردودهم على الجهمية والمعتزلة أو في بيان السنة قال شيخ الإسلام إسماعيل الصابوني عن أهل السنة: ويقولون انه خلق آدم بيده كما نص سبحانه في قوله ﴿قال يا ابليس ما منعك ان تسجد لما خلقت بيدي﴾ ص ٥٧.
ولا يحرفون الكلام عن مواضعه بحمل اليدين على النعمتين أو القوتين تحريف المعتزلة والجهمية اهلكهم الله ولا يكيفونها بكيف ويشبهونها بايدي المخلوقين تشبيه المشبهة خذلهم الله (٣) وهو الذي قرره الإمام الاشعري: أن من جملة ما عليه أهل الحديث والسنة أن لله يدين بلا كيف، ثم ساق الأدلة لذلك في عدة كتب له (٤) ومثله الامام الاصبهاني في الحجة قال: (فصل في اثبات اليد لله تعالى صفة له) ثم قال: (ذكر البيان من سنة النبي - ﷺ - على إثبات اليد موافقًا للتنزيل). (٥)
والنصوص التي وردت في اثبات اليدين تضمنت اثبات صفات أخرى لهذه اليد وهو الذي نراه في الاحاديث التي استشهد بها الأئمة على ذلك فمنها: -
١ - صفة اليمين كما في حديث ابي هريرة (يمين الله ملآى) وقوله (أخذها الرحمن بيمينه).
٢ - صفة الكف كما في حديث الصدقة (فتربوا في كف الرحمن).
٣ - صفة الأصابع كما في حديث الحبر اليهودي الذي رواه البخاري في الباب من حديث النواس بن سمعان -﵁-.
٤ - صفة القبض والطي كما في حديث ابن عمر (يقبض الله الارض).
٥ - صفة البسط كما في قوله تعالى ﴿بل يداه مبسوطتان﴾.
قال ابن القيم ﵀: " فهذا القبض والبسط والطي باليمين والاخذ والوقوف على يمين الرحمن والكف وتقليب القلوب باصابعه ووضع السموات على اصبع والجبال على أصبع وذكر احدى اليدين ثم قوله " وبيده الاخرى - ممتنع فيه اليد المجازية سواء بمعنى القدرة أو بمعنى النعمة فانها لا يتصرف فيها هذا التصرف، هذه لغة العرب نظمهم ونثرهم هل تجدون فيها ذلك اصلًا. (٦)
قال الامام أحمد (من زعم ان يداه نعماه كيف يصنع بقوله (خلقت بيديّ) مشددة (٧)، والإمام البخاري قرر هذه الصفة وبوب لها وساق من الاحاديث ما يدل على ثبوتها، فحديث انس فيه (خلقك بيده) ثم حديث ابي هريرة قال: يد الله ملآى لا يغيضها نفقة سحاء الليل والنهار، وقال (أرأيتم ما أنفق منذ خلق السموات والارض فانه لم يغض ما في يده) وقال (وكان عرشه على الماء وبيده الاخرى الميزان يخفض ويرفع)، وحديث ابن عمر (أن الله يقبض يوم القيامة الارض وتكون السموات بيمينه ثم يقول انا الملك)، فهذه الآية فيها اثبات اليدين لله ثم أورد ﵀ ما يدل على ذلك من السنة فقال (بيده) مرة ثم قال (وبيده الأخرى) ثم ساق ﵀ ما يدل على الاصابع للرحمن فجاء بحديث ابن مسعود ان يهوديًا
_________________
(١) الحسن بن علي بن خلف البربهاري، شيخ الحنابلة كان قوالًا للحق داعية إلى الأثر، عاصر الأشعري وكان مطاعًا، (ت ٣٢٨ هـ)، سير اعلام النبلاء (١٥/ ٩٠).
(٢) الحجة في بيان المحجة للاصبهاني ١/ ١٨٥
(٣) شرح السنة للامام البربهاري ٢٧.
(٤) عقيدة السلف اصحاب الحديث للصابوني صـ ٢٦.
(٥) مقالات الإسلاميين ١/ ٣٤٥ والابانة ص ٤١ ورسالة اهل الثغر صـ ٦٩.
(٦) مختصر الصواعق ٢/ ٣٢٥ وانظر تأصيلًا لهذا رد الدارمي ص ٣٨٨ - ٣٩١.
(٧) ابطال التأويلات لابي يعلى ١/ ١٦٩.
[ ١٨١ ]
جاء إلى النبي - ﷺ - فقال يا محمد ان الله يمسك السموات على اصبع والاراضين على اصبع والجبال على أصبع والشجر على اصبع والخلائق على اصبع ثم يقول أنا الملك فضحك رسول الله - ﷺ - حتى بدت نواجذه ثم قرأ ﴿وما قدروا الله حق قدره﴾ زاد عبد الله بن مسعود: فضحك رسول الله - ﷺ - تعجبًا وتصديقًا له وساق بنحوه حديثًا لابن مسعود فيه اختلاف يسير وليس هذا هو الحديث الوحيد الذي فيه ذكر الأصابع فقد قال ﵊ " قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء ". (١) قال الامام البغوي: والأصبع المذكورة في الحديث صفة من صفات الله ﷿ وكذلك ما جاء به الكتاب والسنة من هذا القبيل من صفات الله (٢) وقال ابن بطال: " لايحمل ذكر الاصبع على الجارحة بل يحمل على انه صفة من صفات الذات لا تكيف ولا تحدد (٣) وبمثله قال ابن قتيبة في تأويل مختلف الحديث " ولا نقول اصبع كاصبعنا لان كل شيء منه ﷿ لايشبه شيئًا منا ". (٤) والمخالف لهذه الاحاديث له نفس الحجة التي سبقت في باقي الصفات وأولها كما اول غيرها، فحديث (إن قلوب العباد بين أصبعين) اولهما بالنعمة أو بالقدرة، وقال لانها تقتضي المماسه وهذا بعيد فانه ليس في ظاهر الحديث أن القلب متصل بالأصابع ولا مماس لها ولا أنها في جوفه ولا أن قول القائل هذا بين يدي يقتضي مباشرته ليديه، فقوله تعالى ﴿والسحاب المسخر بين السماء والارض﴾ البقرة ١٦٤ لم يقتض أن يكون مماسًا للسماء والارض. (٥)
_________________
(١) رواه الترمذي باب القدر ح ٢١٤ وابن ابي عاصم في السنة ١/ ١٠١ بسند حسن
(٢) شرح السنة للبغوي ١/ ١٦٨
(٣) الفتح ١٣/ ٣٩٨.
(٤) تأويل مختلف الحديث صـ ١٩٦.
(٥) من كلام ابن تيمية بتصرف التدمرية ص ٧٣.
[ ١٨٢ ]
وقد رد الدارمي على هذه الشبهة أيضًا بقوله: " وهل من شيء ليس تحت قدرة الله التي وسعت كل شيء حتى خص الرسول - ﷺ - القلوب من بينها بقدرتين (١) وهناك من جعل ضحك الرسول - ﷺ - تعجبًا لا موافقة وانكارًا لا موافقة، وهذا يعيد قال ابن خزيمة " قد أجل الله تعالى نبيه من أن يوصف ربه بحضرته بما ليس هو من صفاته فيجعل بدل وجوب النكير والغضب على المتكلم به ضحكًا بل لا يصف النبي - ﷺ - بهذا الوصف مؤمن مصدق برسالته. (٢) فتمر هذه الاحاديث والصفات على ما يليق بجلال الله. قال الامام وكيع بن الجراح نسلم هذه الاحاديث كما جاءت ولا نقول كيف كذا ولا لم كذا؟ يعني مثل حديث بن مسعود ان الله ﷿ يحمل السموات على أصبع وحديث قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن ونحوها من الاحاديث. (٣)
واختم هذا المبحث في الصفات الخبرية بقول شيخ الاسلام ﵀ " فهل يجوز ان يملأ الكتاب والسنة من ذكر اليد وان الله خلق بيده وان يداه مبسوطتان وان الملك بيده، وفي الحديث ما لا يحصى، ثم ان رسول الله - ﷺ - واولي الأمر: لا يبينون للناس ان هذا الكلام لا يراد به حقيقته ولا ظاهره؟ حتى ينشأ (جهم بن صفوان) بعد انقراض عهد الصحابة فيبين للناس ما نزل اليهم على نبيهم ويتبعه عليه بشر بن غياث ومن سلك سبيلهم من كل مغموص عليه بالنفاق. وكيف يجوز ان يعلمنا نبينا - ﷺ - كل شيء حتى الخراءة ثم يترك الكتاب المنزل عليه وسنته الغراء مملوة مما يزعم الخصم ان ظاهره التشبيه والتجسيم. وان اعتقاد ظاهره ضلال ثم لا يبين ذلك ولا يوضحه، وكيف يجوز للسلف ان يقولوا أمروها كما جاءت مع أن معناها المجاز
_________________
(١) الرد على المريسى ص ٤١٨
(٢) التوحيد لابن خزيمة ١/ ١٧٨
(٣) السنة لعبد الله بن الامام احمد ١/ ٢٦٧، وقاله مناسبة لهذه الأحاديث بالذات.
[ ١٨٣ ]
هو المراد - وهو شيء يفهمه الاعراب حتى يكون ابناء الفرس والروم اعلم بلغة العرب من أبناء المهاجرين والأنصار. (١)
وهكذا ظهر تبويب البخاري بإثباته لهذه الصفات كما هو منهج السلف -﵏- على الحقيقة مع تفويض كيفيتها لله ﵎ بما يليق به سبحانه موردًا للنصوص على سبيل الجزم كما هي عادته فيما يعتقده -﵀-.
_________________
(١) الفتاوى ٦/ ٣٦٨، ٣٦٩ بتصرف
[ ١٨٤ ]